mercredi 4 mars 2026
كتاب الرأي

الكور: من ينصف المواطن حين تُخطئ الخوارزمية؟ تعليق التغطية الصحية وقطع الدعم.. الثمن الإنساني لنظام تقني معطوب

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

الكور: من ينصف المواطن حين تُخطئ الخوارزمية؟ تعليق التغطية الصحية وقطع الدعم.. الثمن الإنساني لنظام تقني معطوب خديجة الكور

لم يكن ورش تعميم الحماية الاجتماعية مجرد إصلاح إداري، بل تعبيراً عن تحول عميق في فلسفة الدولة تجاه مواطنيها، وانتقالاً من منطق الإعانات الظرفية إلى منطق الاستحقاق المؤطر رقمياً. غير أن هذا الانتقال، الذي يفترض أن يعزز الكرامة والعدالة، كشف في التطبيق عن مفارقة مقلقة: حين تتحول الخوارزمية إلى حكم نهائي، وحين يصبح القرار التقني سبباً في تعليق حق أساسي، يطفو السؤال الأخلاقي بقوة — من يُنصف المواطن عندما تُخطئ المنظومة؟


لقد شكل الخطاب الملكي لحظة التأسيس السياسي والدستوري لورش الحماية الاجتماعية حين أعلن الملك في خطاب العرش لسنة 29 يوليوز 2020 عن منعطف تاريخي في المسار الاجتماعي للمغرب، قوامه تعميم الحماية الاجتماعية وفق رؤية استراتيجية مؤطرة بجدول زمني واضح وإصلاح عميق للنموذج الاجتماعي. التأمين الصحي الإجباري للجميع، تعميم التعويضات العائلية، توسيع أنظمة التقاعد، وإقرار تعويض عن فقدان الشغل.
وترجمةً لهذه الرؤية الملكية المتبصرة، بادرت الحكومة إلى تفعيل هذا الورش عبر ثلاث دعامات أساسية مترابطة: إطار قانوني منظم، تعبئة مالية غير مسبوقة، وإرساء جهاز مؤسساتي مخصص للتنزيل.


فعلى مستوى الإطار القانوني، تم اعتماد القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي وبإحداث السجل الوطني للسكان والسجل الاجتماعي الموحد، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.77 بتاريخ 18 من ذي الحجة 1441 (7 أغسطس 2020)، كما تم إصدار المرسوم رقم 2.21.582 المتعلق بتفعيل السجل الوطني للسكان، والمرسوم رقم 2.21.583 المتعلق بالسجل الاجتماعي الموحد، إضافة إلى القانون رقم 59.23 المحدث للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي والمحدد لاختصاصاتها في تدبير نظام الدعم الاجتماعي المباشر وضمان حكامته. وبذلك تم تأطير إلزامية التسجيل والتصريح واحتساب مؤشر الاستحقاق وفق عتبة مضبوطة داخل منظومة قانونية واضحة المعالم.


أما على مستوى التعبئة المالية، فقد رصدت الحكومة ميزانية ضخمة لهذا الورش بلغت سنة 2024 حوالي 25 مليار درهم خُصصت للدعم الاجتماعي المباشر، وارتفع الغلاف إلى أكثر من 26,5 مليار درهم سنة 2025، مع توقع بلوغه نحو 29 مليار درهم سنة 2026. وخلال ثلاث سنوات فقط، تم رصد ما يقارب 80 مليار درهم، أي حوالي 2% من الناتج الداخلي الإجمالي.


وبخصوص الجهاز المؤسساتي، تم إحداث السجل الوطني للسكان، والسجل الاجتماعي الموحد، والوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي باعتبارها الهيئة المكلفة بتدبير المساعدات المباشرة، إلى جانب ربط المنظومة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لتفعيل أو تعليق التغطية الصحية الإجبارية “تضامن” وفق نتائج مؤشر الاستحقاق.


يقوم هذا النظام من حيث المبدأ على آلية تبدو عقلانية: تسجل الأسرة نفسها، تصرح بوضعيتها الاجتماعية والاقتصادية، يُحتسب لها مؤشر استحقاق، فإذا كان هذا المؤشر دون العتبة المحددة تنظيمياً، تُمنح الدعم ويتم إدماجها في نظام التأمين الصحي الإجباري “تضامن” عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. 


و قد تم تحديد معايير تقييم الفقر والهشاشة  من طرف المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، وتشمل عدة مؤشرات رئيسية: مستوى المعيشة (مجموع نفقات الأسرة مقارنة بعتبة الفقر)، الحرمان متعدد الأبعاد (نقص في التعليم أو الصحة أو الخدمات الأساسية أو السكن)، والهشاشة الاقتصادية (قابلية الأسرة للسقوط في الفقر عند حدوث صدمات مالية). ومن بين المؤشرات التي تُدرج ضمن حساب مؤشر الاستحقاق، هناك الاستهلاك الفردي للهاتف المحمول. هذه النقطة، رغم أهميتها التقنية، لم يوضحها النظام للعامة: فحتى مصروف بسيط قدره 50 درهما على الهاتف قد يُحتسب ضمن المعاملات التي تؤثر على مؤشر الاستحقاق، مما يؤدي إلى حرمان الأسر من الدعم أو التغطية الصحية، وهو ما حدث في العديد من الحالات. أما موضوع الوجود الفعلي لمشغل تقني مسؤول عن التدقيق والمراجعة البشرية بقي موجودا في التصميم النظري للنظام، ولم يتم العمل به من قبل شركة Netopia التي تشرف على هذا النظام التقني.


وقد بلغ عدد المستفيدين من الدعم المباشر مع نهاية سنة 2025 ما بين 3,8 و4 ملايين أسرة، أي ما يقارب 12 مليون شخص، من بينهم أكثر من 5,5 ملايين طفل، وأكثر من مليون مسن، وحوالي 390 ألف أرملة، فيما تغطي منظومة “تضامن” أكثر من 3,2 ملايين أسرة.


ولا يمكن إنكار أن هذه الأرقام تعكس تقدماً ملموساً واسع النطاق. غير أن القراءة الدقيقة للمعطيات تكشف فجوة مقلقة بين الطموح والواقع. فالمغرب يضم أكثر من 7 ملايين أسرة، ونحو 5,3 ملايين منها مسجلة في السجل الاجتماعي الموحد، لكن ما بين 3,8 و4 ملايين فقط تتوصل فعلياً بالدعم. معنى ذلك أن أكثر من مليون أسرة مسجلة لا تستفيد، فضلاً عمن لم يتمكنوا من التسجيل أصلاً بسبب نقص المعلومات، أو غياب المواكبة، أو ضعف التحكم في الوسائل الرقمية، مما أدى إلى بروز فئات جديدة من المستبعدين رقمياً وضحايا التعقيد الإداري: عمال القطاع غير المهيكل، أسر قريبة من عتبة الاستحقاق، مسنون معزولون، وسكان مناطق قروية نائية.


غير أن جوهر الإشكال لا يكمن فقط في أرقام الاستفادة، بل في طبيعة المنظومة التقنية التي تُدبّر هذا الاستحقاق.
تقنياً، يعتمد النظام على سلسلة مؤتمتة بالكامل تقريباً: تُجمع المعطيات البيومترية، تُدمج التصريحات في قاعدة بيانات السجل الاجتماعي الموحد، ويقوم محرك احتساب بمعالجة المتغيرات لإصدار قرار آلي يرتبط مباشرة بأنظمة الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لتفعيل أو تعليق التغطية الصحية. وقد ساهمت شركات تكامل تكنولوجي في تطوير قابلية التشغيل البيني لمنصات عمومية مماثلة. غير أن تصميم النظام ليعمل بأقل تدخل بشري ممكن، وإن كان يضمن السرعة والنجاعة، يكشف في الوقت ذاته عن مكامن ضعف خطيرة حين تقع الأخطاء.


المعطيات المتداولة من طرف مواطنين متضررين تكشف أن بعض المصاريف اليومية البسيطة، مثل تعبئة رصيد الهاتف أو استعمال الإنترنت بشكل عرضي، قد تؤثر على مؤشر الاستحقاق دون اعتبار للسياق الاجتماعي. الخوارزمية لا تميز بين مصروف استثنائي وقدرة مالية مستدامة، ولا تقرأ الظروف الخاصة لكل حالة. رقم رقمي جامد قد يتحول إلى حكم اجتماعي قاسٍ.


الأخطر أن قرار التشطيب قد يؤدي إلى تعليق فوري للتأمين الصحي “تضامن” دون فترة انتقالية تضمن استمرارية العلاج. بالنسبة لأسرة لا تعاني أمراضاً مزمنة، قد يشكل الأمر صدمة مالية. أما بالنسبة لمريض يعاني من مرض خطير أو مزمن، فقد يتحول إلى مأساة حقيقية. توقيف حصص العلاج أو تعطل صرف الأدوية بسبب تعليق آلي للتغطية يتجاوز حدود الخطأ التقني إلى مستوى المسؤولية الأخلاقية للدولة. لا يجوز لخوارزمية سيئة المعايرة أن تعرض استمرارية العلاجات الحيوية للخطر.


غير أن الأخطر من كل ذلك هو السرعة الصادمة التي قد يُنفَّذ بها قرار التعليق. في حالات عديدة، تم توقيف التغطية الصحية بشكل فوري، دون إشعار مسبق فعّال، ودون مهلة إنسانية تسمح بتدارك الوضع. مرضى كانوا يخضعون لحصص علاج وجدوا أنفسهم عاجزين عن أداء تكاليف الجلسات بين يوم وليلة. أشخاص يعانون أمراضاً مزمنة تتطلب أدوية يومية باهظة الثمن حُرموا فجأة من القدرة على اقتنائها بعد تجميد الدعم. بعض الأسر لم تفهم حتى سبب التشطيب إلا بعد فوات الأوان. وفي حالات مأساوية، لم يحتمل المرضى هذا الانقطاع القسري في العلاج، وكانت النتيجة وفاة ما كان لها أن تقع لو وُجدت آلية حماية انتقالية أو تدخل بشري مستعجل يصحح الخطأ. حين تتحول زلة خوارزمية أو خلل تقني إلى تهديد مباشر للحق في العلاج والحياة، فإن الأمر لم يعد مجرد اختلال إداري، بل مسألة تمس جوهر المسؤولية الأخلاقية للدولة تجاه مواطنيها.


وقد أقر الوزير المكلف بالميزانية داخل وزارة المالية بوجود اختلالات تقنية، من قبيل أخطاء في احتساب المعاملات، وحالات إقصاء غير مقصودة، ونواقص في الخوارزمية المعتمدة. غير أن هذا الاعتراف، على أهميته، لا يكفي في حد ذاته، ولم يُواكَب بنشر تدقيق مستقل مفصل يطمئن الرأي العام. فالمطلوب ليس فقط الإقرار بوجود الاختلالات، بل توضيح ما تم تصحيحه، وما هي الضمانات الجديدة التي وُضعت، وكيف سيتم منع تكرار حالات الحرمان المفاجئ من حقوق اجتماعية أساسية. وعندما تكون النتيجة تعليق دعم مالي أو توقيف تغطية صحية، فإن الشفافية لم تعد مطلباً ثانوياً، بل ضرورة مؤسسية، لأن غياب تواصل مفصل يغذي القلق ويقوض الثقة التي يفترض أن يقوم عليها هذا الورش الإصلاحي.


وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: هل يمكن تدبير نظام اجتماعي يشمل ملايين المواطنين دون تدقيق خوارزمي مستقل ودوري، ودون إشراف بشري فعال، ودون آلية تضمن استمرار التغطية الصحية تلقائياً خلال فترة الطعن؟ لقد أُحدثت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي لضمان حكامة هذا الورش، ومسؤوليتها تقتضي إخضاع محرك الاحتساب لتدقيق منتظم، ونشر نتائجه، وتصحيح الانحيازات التقنية، وتعزيز الفرق المختصة. هذه ليست كماليات إدارية، بل مقتضيات دولة الحق والمؤسسات.


إن إصلاح الحماية الاجتماعية ورش تاريخي بطموحه ووسائله وامتداده. وقد مكّن فعلاً ملايين الأسر من دعم مباشر وتغطية صحية أوسع. غير أن التحديث لا يعني نزع الطابع الإنساني عن القرار العمومي. الدولة الاجتماعية الرقمية يجب أن تظل إنسانية في جوهرها. فالتكنولوجيا أداة لدعم القرار لا بديلاً عن الضمير المؤسسي. وعندما يقرر نظام آلي من يستحق أن يأكل، ومن يستحق أن يتعالج، فإن الشفافية والمساءلة لا تعودان خياراً، بل واجباً أخلاقياً ودستورياً.

 

د.خديجة الكور/رئيسة منظمة النساء الحركيات