تشهد الساحة الوطنية في الآونة الأخيرة تزايدًا مقلقًا في حالات اختفاء الأطفال في عدد من مناطق المملكة، وهي وقائع مؤلمة أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا يتعلق بمدى قدرة منظومة حماية الطفولة على الاستجابة لمثل هذه التحديات. فاختفاء طفل واحد يكفي ليهز ضمير المجتمع ويزرع الخوف في قلوب الأسر، فما بالك حين تتكرر الحالات في فترات زمنية متقاربة، وتتحول إلى مصدر قلق جماعي يهدد الشعور بالأمن المجتمعي.
إن هذه الأحداث، مهما اختلفت ملابساتها أو سياقاتها، تضعنا جميعًا أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية مشتركة. فحماية الأطفال ليست شأنًا أمنيًا صرفًا، ولا يمكن اختزالها في تدخلات ظرفية تأتي بعد وقوع الحادث، بل هي قضية مجتمعية بامتياز تتطلب مقاربة شمولية تقوم على الوقاية والتربية واليقظة الجماعية، إلى جانب الصرامة القانونية.
لقد خطا المغرب خطوات مهمة في مجال حماية الطفولة من خلال ترسانة قانونية ومؤسساتية متقدمة نسبيًا، مدعومة بالتزاماته الدولية في إطار اتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق ذات الصلة. غير أن التجارب الميدانية تبيّن أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب النصوص، بل في فعالية تنزيلها، وفي مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين في منظومة الحماية.
غير أن ما يزيد من تعقيد الظاهرة هو تنامي بعض الجرائم المنظمة التي تستهدف الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الأطفال، وعلى رأسها شبكات الاتجار بالبشر. فهذه الشبكات تستغل الهشاشة الاجتماعية وضعف المراقبة في بعض الفضاءات أو المناطق، لتوظيف الأطفال في أنشطة إجرامية مختلفة، سواء عبر الاستغلال الجنسي أو التسول القسري أو الاتجار غير المشروع. وهو ما يفرض تشديد اليقظة وتعزيز آليات الرصد والتتبع، مع التطبيق الصارم للقوانين الزجرية في مواجهة كل من تسول له نفسه المساس بكرامة الأطفال أو استغلال براءتهم.
كما أن التحولات الرقمية التي يعرفها العالم اليوم أفرزت مخاطر جديدة تهدد سلامة الأطفال، خاصة مع الانتشار الواسع للأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت بعض الفضاءات الرقمية مجالاً للاستدراج والابتزاز والاستغلال، حيث يستعمل بعض المجرمين هويات وهمية للتقرب من الأطفال واستدراجهم أو ابتزازهم بوسائل مختلفة. وهو ما يستدعي تعزيز التربية الرقمية داخل الأسرة والمدرسة، وتوعية الأطفال بكيفية التعامل الآمن مع الفضاء الرقمي، إلى جانب تطوير قدرات الأجهزة المختصة في مكافحة الجرائم السيبرانية المرتبطة بالأطفال.
ولا يمكن في هذا السياق تجاهل خطورة الاعتداءات الجنسية التي تطال بعض الأطفال في فضاءات يفترض أن تكون آمنة. فهذه الجرائم لا تمس فقط السلامة الجسدية للطفل، بل تترك آثارًا نفسية عميقة قد تلازمه لسنوات طويلة. ومن هنا تبرز ضرورة ترسيخ ثقافة حماية الجسد داخل البرامج التربوية، وتمكين الأطفال من المعرفة التي تساعدهم على التمييز بين السلوك الطبيعي والسلوك المؤذي، مع توفير آليات آمنة للتبليغ عن أي اعتداء دون خوف أو وصم.
إن الأسرة تظل الحلقة الأولى في منظومة الحماية، فهي الفضاء الطبيعي الذي ينشأ فيه الطفل ويتعلم من خلاله قيم الثقة والاحتياط والتواصل. لذلك فإن تعزيز الوعي الأسري بأهمية المراقبة الإيجابية والحوار الدائم مع الأطفال يشكل ركيزة أساسية للوقاية من العديد من المخاطر.
كما أن المدرسة مطالبة اليوم بأن تضطلع بدور يتجاوز الوظيفة التعليمية التقليدية، لتصبح فضاءً للتربية على المواطنة والسلامة الشخصية. فإدماج برامج للتوعية بحقوق الطفل وبقواعد الحماية الذاتية داخل المؤسسات التعليمية بات ضرورة ملحة، خاصة في ظل التحديات الاجتماعية الجديدة التي تواجه الطفولة.
وفي هذا السياق، يبرز كذلك الدور المتزايد للتكنولوجيا في دعم جهود الوقاية والحماية. فتعزيز منظومة المراقبة في الفضاءات العامة عبر تثبيت كاميرات المراقبة في الشوارع والساحات ومحيط المؤسسات التعليمية يمكن أن يشكل أداة فعالة للحد من الجرائم والمساعدة على الرصد المبكر لأي سلوك مشبوه. كما أن هذه الوسائل التقنية تسهم في تقليص زمن البحث والتحقيق في حالات الاختفاء، من خلال توفير معطيات دقيقة حول تحركات الأشخاص أو المركبات، مما يساعد السلطات المختصة على تسريع التدخل وتوجيه الأبحاث بشكل أكثر فعالية.
غير أن اعتماد هذه الوسائل يجب أن يتم في إطار ضوابط قانونية واضحة تضمن احترام الحياة الخاصة للمواطنين، وتحقق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الحقوق والحريات.
وفي المقابل، يبقى دور الدولة حاسمًا في ضمان فعالية منظومة الحماية، من خلال تعزيز قدرات البحث والتحقيق، وتسريع آليات التبليغ والتدخل في حالات الاختفاء، وتطوير سياسات عمومية مندمجة تضع مصلحة الطفل الفضلى في صلب كل تدخل.
كما لا يمكن إغفال الدور الحيوي للمجتمع المدني ووسائل الإعلام في نشر الوعي والتحسيس وتعبئة الرأي العام حول قضايا الطفولة، بما يعزز ثقافة الحماية الجماعية ويجعل من المجتمع بأكمله فضاءً يقظًا يحمي أطفاله.
إن حماية الأطفال ليست مجرد التزام قانوني أو مؤسساتي، بل هي استثمار استراتيجي في مستقبل الوطن. فالأطفال هم أساس بناء مجتمع متماسك وعادل، وكل تقصير في ضمان أمنهم وسلامتهم هو تقصير في حق المستقبل نفسه.
ومن هنا فإن الظرفية الراهنة تفرض علينا الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى بناء رؤية وطنية متكاملة لحماية الطفولة، تقوم على الوقاية المبكرة، والتنسيق المؤسساتي الفعال، وتعزيز ثقافة المسؤولية المشتركة بين جميع الفاعلين.
فأمن الأطفال مسؤولية الجميع، وحمايتهم ليست خيارًا، بل واجبًا أخلاقيًا ومجتمعيًا يحدد ملامح المجتمع الذي نطمح إلى بنائه للأجيال القادمة.
محمد النحيلي/ رئيس منظمة بدائل للطفولة والشباب
.