في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، يظل قطاع الفلاحة ركيزة أساسية للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، غير أن إشكالية التسويق ما تزال تمثل الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة الفلاحية. فرغم تعدد قنوات البيع وتطور بعض الآليات الحديثة، يبقى مسار ترويج المنتجات الزراعية معقدًا ومفتوحًا أمام تعدد الوسطاء، مما يضعف القدرة التفاوضية للمنتج، خاصة الفلاحين الصغار والمتوسطين، ويقلص هامش ربحهم بشكل يؤثر مباشرة على استمرارية نشاطهم واستقرارهم الاجتماعي. وبين تقلبات الأسعار، وضعف آليات الضبط، وتذبذب العرض خلال الفترات غير الموسمية، يجد كل من الفلاح والمستهلك نفسه أمام معادلة غير متوازنة تحكمها اعتبارات السوق أكثر مما تحكمها رؤية استراتيجية واضحة.
وتزداد حدة هذا النقاش مع حلول شهر رمضان من كل سنة، حيث تعود إلى الواجهة مسألة غلاء أسعار الخضر واللحوم، ويتجدد الجدل المجتمعي حول أسباب الارتفاع المفاجئ للأسعار وحدود تدخل الدولة في ضبط السوق. ففي فترة تعرف ارتفاعًا في الطلب وتغيرًا في أنماط الاستهلاك، تنكشف هشاشة آليات التوازن بين العرض والطلب، ويظهر بشكل جلي غياب منظومة مؤسساتية قادرة على التدخل الاستباقي لحماية القدرة الشرائية للمواطن وضمان تسويق عادل ومنصف للمنتجين في آن واحد.
إن غياب مؤسسة عمومية قوية تتولى مهمة تنظيم وتسويق وتدبير المنتجات الفلاحية في إطار من الحكامة الاقتصادية جعل السوق الوطنية عرضة لاختلالات متكررة، سواء من حيث وفرة المنتوج أو من حيث الأسعار. كما أن توجيه جزء من الإنتاج نحو التصدير، دون آليات تضمن توازن السوق الداخلية، ساهم في تعميق الفجوة بين القدرة الشرائية للمواطن ومتطلبات الربحية لدى المنتج. من هنا، تبرز الحاجة إلى تصور مؤسساتي جديد يعيد هيكلة مسار التسويق، ويؤسس لتدخل ذكي ومتوازن للدولة، يحمي الفلاح من مخاطر الإفلاس، ويصون في الوقت ذاته حق المستهلك في الولوج إلى منتجات أساسية بأسعار معقولة، بما ينسجم مع رهانات المرحلة الراهنة وأهداف التنمية الفلاحية المستدامة.
من بين التدابير التي يجب اتخاذها لفك مشكل التسويق للمنتجات الزراعية، خلق مؤسسة عمومية ذات طابع تجاري تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي تحت اسم “المكتب الوطني لتسويق وتدبير المنتجات الفلاحية”، ويخضع للقواعد المطبقة على الإدارة العمومية في علاقته مع الدولة، ويعتبر مؤسسة تجارية في علاقته مع مناخها التجاري. ويتم إنشاء هذا المكتب الوطني بموجب مرسوم تحت وصاية وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، ويكون مقره الرئيسي في مدينة الرباط مع توزيع فروعه بالجهات على مستوى أسواق الجملة، حيث يتم التنسيق من خلال نظام معلوماتي.
ويتجلى دور المكتب الوطني في:
ضبط الأسعار في السوق الوطنية بالنسبة للخضر واللحوم والفواكه ذات الأولوية للمستهلك المغربي، ومنها على سبيل المثال: البطاطس وبذورها، البصل وبذوره، الحوامض، اللحوم الحمراء والبيضاء. وذلك من خلال شراء وتخزين منتجات الفلاحين في موسم الجني، ثم ضخها في السوق الوطنية لموازنة الأسعار، وبالتالي الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن المغربي، فضلاً عن تكوين مخزون سنوي من المنتجات القابلة للتصدير. كما ستعتبر هذه المؤسسة العمومية الممثل الرسمي للمملكة في المعارض الدولية للمنتجات الغذائية تحت وصاية وزارة الفلاحة.
كما سيتولى المكتب الوطني العديد من المهام، منها إنجاز كل دراسة أو تحقيق يسمح بمعرفة مختلف مكونات الفرع الإنتاجي ومستوياتها للتدخل واقتراح برامج التنمية والضبط الواجب إقامتها على الوزارة الوصية، التوفيق بين المصالح الاقتصادية لمختلف المتدخلين في الفرع الإنتاجي وتلك الخاصة بالمستهلكين.
ومن بين الأهداف الاستراتيجية للمكتب الوطني:
ضمان تسويق الفلاحين لمنتجاتهم، وخاصة الصغار والمتوسطين، كما ستساهم هذه الخطة الاستراتيجية في ضمان إمكانية الاقتراض وتسديد الديون في علاقة الفلاح بالبنوك أو بالمزودين بالأسمدة والأعلاف، فضلاً عن خلق ديناميكية جديدة للمقاولات الفلاحية وتشجيع الاستثمار.
الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين في الفترات غير الموسمية للخضر والفواكه، وكذا اللحوم الحمراء والبيضاء.
خلق مقاولات صغرى ومتوسطة، وتشجيع الفلاحين على الانخراط في التعاونيات والاستفادة من مزايا وبرامج الجيل الأخضر.
خلق فرص الشغل في القطاع العام (مهندسين، وتقنيين فلاحيين، وغيرهم).
تشغيل القطاع الخاص، وذلك بتفويت مهمة التخزين والشحن للشركات وفق عقود شراكة وصفقات عمومية سنوية.
انخراط الجمعيات الجهوية للاستشارة الفلاحية في تثمين خطة المكتب الوطني، وذلك بضمان التكوين والتأطير للفلاحين المبتدئين في جميع فروع الإنتاج.
أما بخصوص الأهداف الاستراتيجية البعيدة المدى، فسيتمكن المكتب الوطني لتسويق وتدبير المنتجات الفلاحية، مع إمكانية الشراكة مع السلطات المحلية والمجالس الإقليمية، من إنشاء أسواق تضامنية في المدن الكبرى، وذلك لضمان تسويق منتجات أخرى تواجه صعوبات في إيجاد طرق تسويقية، مثل: العسل ومشتقاته، الكسكس، زيت أركان، الأعشاب الطبية والعطرية، وزيت الزيتون.
.