“في غياب سلطة مشتركة، يعيش الناس في حالة حرب الجميع ضد الجميع.” — توماس هوبز
لم يكن هوبز يصف زمنا غابرا فقط، بل كان يضع يده على لحظة تتكرر كلما تراجع القانون وتقدمت القوة. وما يحدث اليوم في الشرق الاوسط يطرح السؤال ذاته. ماذا يخسر العالم حين يسقط القانون؟
لسنا امام تصعيد عسكري عابر، بل امام تحول نوعي. الضربات التي تنفذها الولايات المتحدة واسرائيل ضد ايران خارج اي تفويض اممي، تقابلها عمليات ايرانية تستهدف دولا في المنطقة، من الخليج الى محيطه، بما في ذلك قصف يطال فضاءات سيادية. هذه الافعال، في مجموعها، لا يمكن قراءتها كوقائع منفصلة، بل كاعراض لمرحلة جديدة: مرحلة ما بعد القانون.
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن القانون الدولي مثاليا، لكنه كان يمثل سقفا يحتكم اليه، او على الاقل يستحضر عند تبرير الافعال. اليوم، يتغير هذا المنطق. لم يعد القانون يخرق على استحياء، بل يتجاوز بشكل مباشر، وكأن الحاجة الى تبريره لم تعد قائمة.
ولم تعد الامم المتحدة، التي ولدت اصلا لتفادي هذا الانفلات، قادرة الا على تسجيل العجز بدل منعه. فهي اليوم اقرب الى شاهد على التحول منها الى فاعل فيه.
لكن الخطأ هو النظر الى هذا التحول باعتباره مجرد ازمة سياسية. فالقانون الدولي لم يكن فقط اداة لتنظيم العلاقات بين الدول، بل كان تعبيرا عن تطور حضاري سعت من خلاله البشرية الى الحد من العنف، واخضاع القوة لمنطق مشترك. لقد كان، بهذا المعنى، احد اهم المكاسب التي راكمها الانسان بعد قرون من الحروب.
حين يسقط هذا القانون، لا يسقط فقط كمرجعية دولية، بل كقيمة. لان القانون، في جوهره، ليس نصوصا تطبق فحسب، بل فكرة يؤمن بها الفاعلون. واذا فقدت هذه الفكرة معناها في اعلى مستوياتها، فانها تبدأ في التآكل داخل الدول نفسها.
وهنا يكمن الخطر الاكبر. فحين ترى المجتمعات ان الدول الاقوى تتصرف خارج القانون دون مساءلة، فان الرسالة التي تصل لا تكون سياسية فقط، بل حضارية مفادها ان القانون لم يعد ملزما. وعندما يتحول القانون الى خيار، يفقد صفته كقاعدة، ويتحول الى اداة ظرفية.
في هذا السياق، تتحمل الولايات المتحدة الامريكية، مسؤولية خاصة بحكم موقعها في النظام الدولي، ولأنها اختارت ادارة الصراع بمنطق القوة الصرفة، دون اعتبار فعلي لقواعد الشرعية الدولية. وتتحمل ايران، من جهتها، مسؤولية تحويل الاقليم الى مجال اشتباك مفتوح، سواء عبر تدخلاتها او عبر استهدافها المباشر لدول المنطقة.
هذه المسؤوليات ليست متقابلة بقدر ما هي متراكمة، وتلتقي جميعها في نتيجة واحدة: تقويض القاعدة التي تضبط العالم.
وقد يعتقد ان هذا الانهيار سيبقى محصورا في العلاقات الدولية، لكن التجارب التاريخية تظهر ان القانون، حين يضعف في الخارج، يضعف في الداخل. لان الدولة الحديثة تقوم على احتكار العنف داخل اطار قانوني، واذا اهتز هذا الاطار على المستوى الدولي، فان شرعيته تتآكل تدريجيا داخل المجتمعات.
بمعنى اخر، حين يسقط القانون بين الدول، يبدأ في فقدان هيبته داخل الدول.
ولعل اخطر ما في هذه اللحظة هو انها لا تعلن نفسها كقطيعة واضحة، بل تتسلل تدريجيا. فخرق القانون، حين يتكرر دون كلفة، يتحول الى سلوك عادي، ثم الى معيار جديد. وهنا نكون قد دخلنا فعلا مرحلة لا يسال فيها عن مشروعية الفعل، بل عن قدرته على التحقيق.
وفي الاخير، اذا كان القانون قد مثل محاولة الانسان للحد من عنف الانسان، فان سقوطه لا يعني فقط عودة الصراع، بل عودة الصراع دون سقف. وهذا، في جوهره، ليس فشلا سياسيا فقط…
بل خسارة لاحد اهم مكتسباتنا الحضارية.
.