يشكّل تتويج مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بجائزة إيميليو كاستلار للدفاع عن حقوق الانسان و الحريات وحقوق الشعوب الذي تمنحه مؤسسة التقدميين الأسبان، ثم نيله، بمعية مؤسسة الثقافات الثلاث، جائزة ابن رشد للوئام في الذكرى التسعمائة لميلاد الفيلسوف الأندلسي ابن رشد، التي تمنحها جمعية الصداقة المغربية الاندلسية- منتدى ابن رشد، لحظةً ذات دلالة مزدوجة، فهو، أولا، اعترافٌ بمسارٍ حقوقيٍّ وثقافي مسكون بفلسفة العدالة الانتقالية و بناء العيش المشترك الانساني السليم، و، ثانيا، تكليفٌ أخلاقيٌّ بمواصلة البناء في زمنٍ تتزايد فيه الانقسامات، و الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان و الاعتداء على الحريات الجماعية و الفردية. لذا فهي لحظة ذات دلالة تتجاوز بعدها الرمزي وتعبر عن اعتراف بمسارٍ حقوقي وثقافي ممتد، و تضع المؤسسة أمام مسؤولية فكرية وأخلاقية مضاعفة، خصوصًا في سياق عالمي يتسم بتصاعد الاستقطاب، وتآكل الثقة في المجال العمومي، واتساع فجوة الحوار بين الفاعلين السياسيين و الحقوقيين والاجتماعيين.
إنّ الجوائز، سواء كانت مادية أو رمزية، في المنظور المؤسساتي، لا سيما عند المؤسسات الحقوقية الرصينة، وعند الشخصيات العميقة، لا تمثل غاية في ذاتها، بل هي معيار يُقاس به مدى الاتساق بين الخطاب والممارسة. وهي، في جوهرها كذلك، تكليف قبل أن تكون تشريفًا. لذلك فإن السؤال المركزي الذي تطرحه هذه اللحظة ليس سؤال الاحتفاء وصيغه، بل سؤال الاستمرار، وضرورة المداومة على سؤال كيفية الدفاع عن حقوق الإنسان باعتبارها مبدأ غير قابل للتجزئة، على أساس استقلالية مبدئية في الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وبما يحول دون اختزال المبادئ والقيم في رهانات ظرفية.
عود على بدء، يحيل اسم إيميليو كاستلار إلى تقليد مدني يؤمن بأن حرية الشعوب لا تتجزأ، وأن الكرامة الإنسانية ليست موضوع انتقاء أو استثناء. وهذا المبدأ يشكّل القاعدة المرجعية لعمل مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم منذ تأسيسه، إذ عمل على الدفاع عن الحقوق حيثما انتُهِكت، ورفض استهداف المدنيين أيًا كان الفاعل، وتمسّك بالقانون الدولي باعتباره إطارًا ناظمًا للعلاقات بين الدول والمجتمعات، التزامًا متسقًا بالمعايير الدولية دون استثناء. ذلك أن الالتزام الحقوقي، في هذا التصور، يقوم على معيار أخلاقي ثابت يُقاس بقدرته على حماية الإنسان من العنف المادي والرمزي على حد سواء.
أما استحضار ابن رشد، فليس استدعاءً لرمزٍ تاريخي فقط، بل هو استدعاءٌ لمنهج رصين تعلمنا منه أن الحقيقة لا تخشى النقاش، وأن إدارة الاختلاف بالعقل أرقى من حسمه بالقوة. ومن هذا المنظور، فإن الوئام يمثل تنظيمًا مدنيًا للاختلاف، يؤطر تداول الأفكار ضمن قواعد واضحة، ويحول دون انزلاقها إلى منطق التخوين والإقصاء.
غير أنّ السياق الدولي الراهن يتسم بتصاعد أنماط حادة من الاستقطاب والصراع الرمزي، الأمر الذي أفضى إلى ارتباك مفاهيمي ملحوظ في الفضاء العمومي. فقد باتت الدعوة إلى الحوار تُؤوَّل باعتبارها انحيازًا سياسياً، واختُزل النقاش في ثنائية تبسيطية قوامها الولاء أو العداء. كما تعرّضت اللغة الحقوقية أحيانًا للتوظيف الأداتي، فتحولت من إطار معياري ضابط إلى وسيلة تعبئة أو تجييش.
والحال أن مقاربة الحوار، في المنظور المستند إلى مرجعية حقوق الإنسان، تقوم على استقلالية مبدئية في الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وتُؤطر النقاش العمومي حول القضايا الخلافية ضمن التزام راسخ بحماية الحقوق وصونها. كما أن وجود مؤسسات حقوقية فكرية تضع نفسها رهن المختلفين أمر ضروري، بل واجب نضالي بالرغم من ارتفاع كلفته، لأن ثمة تمييزًا جوهريًا بين الانخراط في تفكير مشترك بشأن إشكالات مركبة، وبين الارتهان لمواقف مغلقة تُقصي التعدد وتُنكر مشروعية اختلاف الزوايا. وعندما تُدار الخلافات ضمن أفق حقوقي واضح، يأخذ النقاش مجراه الطبيعي المؤدي إلى ترسيخ العدالة.
في السياق المغربي، كما في غيره من السياقات المتشابهة التي تعرف توتراً هوياتياً وتنافساً مرجعياً، يتعرض الخطاب الحقوقي في كثير من الأحيان لضغوط أيديولوجية متباينة تحاول إعادة تأويل مفاهيم الحرية والكرامة والمساواة وفق أطر جزئية أو انتقائية. غير أن شمولية حقوق الإنسان تقتضي مقاومة كل نزعة لاختزالها في مرجعية ثقافية أو سياسية واحدة، لأن طبيعتها الكونية تقوم على عدم القابلية للتجزئة، وعلى حماية الإنسان باعتباره إنساناً، لا باعتباره منتمياً إلى معسكر أو تصور بعينه.
إن التجربة الممتدة لمركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم، عبر المهرجان الدولي لسينما الذاكرة المشتركة، وعبر جائزته الدولية “ذاكرة من أجل الديمقراطية والسلم” التي نالتها شخصيات وضعت نفسها لخدمة الإنسان والدفاع عن حقوقه، تعكس فهمًا عمليًا لهذا التصور. فالمهرجان ليس تظاهرة فنية معزولة، بل فضاءً للتثاقف، ومنصة لإعادة بناء السرديات بعيدًا عن خطاب الكراهية، وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان باعتبارها أفقًا جامعًا. كما أن تكريم الذين وهبوا حياتهم للدفاع عن الكرامة الإنسانية، كمناضلين أو كمفكرين أو كأكاديميين، ليس استثمارًا في الألم ولا توظيفًا رمزيًا للمعاناة، بل تثبيتًا لقيمة أن الإنسان بوصفه الغاية المركزية لكل مشروع ديمقراطي.
في الخلاصة، فالوئام، بهذا المعنى، ليس حيادًا أخلاقيًا، بل انحيازٌ صريح للكرامة الإنسانية دون ازدواجية. وهو لا يتحقق بإلغاء الاختلاف، بل بتنظيمه ضمن قواعد مدنية تضمن الحق في التعبير وتحمي المجال العمومي من الانهيار. إنه فعل سياسي بامتياز، لأنه يؤطر الصراعات ضمن أفق يحفظ إمكان التعايش ويمنع تحوّلها إلى قطيعة نهائية.
إن اللحظة التي تجمع بين جائزة تحمل اسم مدافع عن حرية الشعوب، وأخرى تستحضر فيلسوفًا جعل من العقل أداة للوئام، تذكّرنا بأن استقلال المؤسسات الحقوقية شرط لنزاهة مواقفها، وأن الدفاع عن الشعوب يترسخ عبر تثبيت قاعدة بسيطة مفادها أن لا أحد خارج دائرة الحق. وبذلك، مرة أخرى، لا تمثل هذه الجوائز نهاية مسار، بل بداية مسؤولية أعمق مفادها أن نظل أوفياء لفكرة أساسية وبسيطة في آنٍ واحد، وهي أن الإنسان، أيًّا كان، هو الغاية التي لا تعلوها غاية، وأن حماية كرامته التزامٌ دائم لا يخضع لتبدّل السياقات.
عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم
.