تُعدّ الملكية المغربية نموذجًا فريدًا في المشهد السياسي المعاصر، حيث استطاعت أن تجمع بين عراقة الشرعية التاريخية ودينامية الحداثة السياسية، مُرسّخةً بذلك هندسة دستورية متوازنة تتسم بالاستمرارية والتجديد.
المحور الأول: التوازن المؤسساتي في النظام الملكي المغربي
يشكل مبدأ التوازن المؤسساتي أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام الدستوري المغربي، وهو توازن دقيق يضمن استقرار الدولة وفعالية مؤسساتها، مستمدًا قوته من الشرعية التاريخية للملكية ومن الوظيفة التحكيمية السامية للملك. لقد عزز دستور 2011 هذا التوازن من خلال مأسسة العلاقة بين السلطات وتحديد أدوارها، مع الحفاظ على الدور المحوري للمؤسسة الملكية كضامن لوحدة الأمة واستمرارية الدولة.
1. **الشرعية الدستورية التاريخية **وتكامل البيعة والدستور
تستمد الملكية المغربية مشروعيتها من عمقها التاريخي الضارب في القدم، حيث تلتقي البيعة، كعقد سياسي وديني متجذر في التقاليد المغربية، مع الدستور، كوثيقة قانونية حديثة تعكس الإرادة الشعبية وتحدد أطر الحكم. هذا الالتحام بين الشرعية التاريخية والشرعية الدستورية يمنح النظام المغربي استمرارية سياسية فريدة، ويؤسس لنموذج يجمع بين الأصالة والمعاصرة. فالبيعة ليست مجرد طقس تقليدي، بل هي أساس للشرعية الرمزية التي تتكامل مع الشرعية الديمقراطية التي يكرسها الدستور.
2. **التوازن بين السلطات: **التشريعية، التنفيذية، والقضائية
يعتمد دستور 2011 على مبدأ الفصل المرن للسلطات، حيث تم تعزيز صلاحيات البرلمان والحكومة بشكل ملموس، مع التأكيد على الدور التحكيمي السامي للملك. ففي حين أصبحت الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، ويُعيّن رئيسها من الحزب المتصدر للانتخابات، يظل الملك هو رئيس الدولة، والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وله صلاحيات واسعة في المجالات الاستراتيجية والدبلوماسية. هذا التوازن الدقيق يمنع احتكار السلطة ويضمن في الوقت نفسه فعالية القرار السياسي، ويعكس ما يُعرف بـ **
العقلنة البرلمانية** (Rationalisation parlementaire).
3. التوازن بين المجالين الديني والسياسي
تُعدّ هذه الخاصية من أبرز مميزات الملكية المغربية، حيث يجمع الملك بين صفتي رئيس الدولة وأمير المؤمنين. هذا الجمع يضمن وحدة المرجعية الدينية واستقلالها عن التوظيف السياسي، ويجعل الدين عامل استقرار واعتدال، لا أداة صراع أو إقصاء. فالفصل 41 من الدستور يحدد دور الملك كأمير للمؤمنين، بينما يحدد الفصل 42 صلاحياته كرئيس للدولة، مما يخلق توازنًا دقيقًا بين الصلاحيات الدينية والدستورية.
4. التوازن بين المركز والجهات: الجهوية المتقدمة
كرّس دستور 2011 مبدأ الجهوية المتقدمة كخيار استراتيجي لتوزيع السلطة والتنمية، مع الحفاظ على وحدة الدولة المركزية. هذا التوازن بين التفويض المحلي والتوجيه المركزي يترجم رؤية الملك في بناء دولة متماسكة ولامركزية فعالة، تهدف إلى تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة في جميع أقاليم المملكة. فالجهوية المتقدمة ليست مجرد تقسيم إداري، بل هي مشروع مجتمعي يهدف إلى إشراك المواطنين في تدبير شؤونهم المحلية وتعزيز الحكامة الترابية.
*المحور الثاني: *الحداثة السياسية في النظام الملكي المغربي
تُمثل الحداثة السياسية في المغرب مسارًا متدرجًا ومدروسًا، قادته المؤسسة الملكية منذ بداية الألفية الثالثة، وتُوّج بإقرار دستور 2011 الذي جسّد الانتقال من الشرعية التقليدية إلى الشرعية الديمقراطية، دون المساس بجوهر الدولة ووحدتها الرمزية.
1. من الشرعية التقليدية إلى الشرعية الديمقراطية: تجديد الشرعية
لقد استطاعت الملكية المغربية أن تتحول من مصدر تقليدي للشرعية، يقوم على التاريخ والرمزية، إلى فاعل دستوري ديمقراطي يكرّس قيم المشاركة والمساءلة والتوازن المؤسسي. هذا التحول لم يكن انقطاعًا عن الماضي، بل تجديدًا مستنيرًا للشرعية التاريخية في ضوء متطلبات الدولة الحديثة. فالملكية المغربية تجمع بين الشرعية الكاريزمية والتاريخية والدستورية، مما يمنحها قوة واستمرارية في مواجهة التحديات.
2. دستور 2011: لحظة التحديث السياسي والمؤسساتي
جاء دستور 2011 تتويجًا لمسار إصلاحي ملكي متدرج، يقوم على مبادئ أساسية، منها:
• توسيع صلاحيات البرلمان والحكومة: تعزيز دور المؤسسات المنتخبة في صنع القرار وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
• تعزيز حقوق الإنسان والحريات الأساسية: الارتقاء بمنظومة حقوق الإنسان إلى مصاف المواثيق الدولية، وتكريس مبادئ المساواة والعدالة الاجتماعية.
• تكريس استقلال القضاء: ضمان حياد السلطة القضائية وفعاليتها في تطبيق القانون وحماية الحقوق والحريات.
• ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة: تعزيز الشفافية والحكامة الجيدة في تدبير الشأن العام.
• إطلاق ورش الجهوية المتقدمة: كآلية لتحديث الدولة وتقريب الإدارة من المواطنين.
بهذا المعنى، فإن الحداثة السياسية المغربية ليست استيرادًا لنماذج غربية، بل هي حداثة منسجمة مع الهوية الوطنية، تنطلق من ثوابت الأمة وتستجيب لرهانات العصر، مما يجعلها نموذجًا لـ الدستورانية المغربية المتفردة.
**المحور الثالث: **الملكية كمؤسسة استشرافية – من السلطة إلى القيادة المستقبلية
تتجاوز المؤسسة الملكية في المغرب وظائفها التقليدية كسلطة حاضرة، لتضطلع بدور استشرافي محوري في قيادة التحولات الكبرى ورسم معالم المستقبل، مما يجعلها ضامنًا للاستمرارية ومحركًا للتنمية الشاملة.
1. الملكية كضامن للاستمرارية والتحول
ليست المؤسسة الملكية المغربية مجرد سلطة حاضرة، بل هي ضامن استراتيجي لاستمرارية الدولة ووحدتها. فمن خلال الرؤية الملكية، يتم الموازنة بين الإصلاح السياسي والثوابت التاريخية، مما يسمح بالتعامل مع التحولات الداخلية والخارجية دون قطيعة مع الماضي. هذا الدور الاستشرافي يمنح المملكة قدرة على التكيف والمرونة في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
2. الملكية والمبادرة في السياسات العامة
تتبنى الملكية المغربية نهج المبادرة الاستباقية في صياغة وتنفيذ السياسات العامة الكبرى، والتي تشمل الإصلاحات الدستورية والاجتماعية، والمشاريع الاقتصادية الضخمة (كالصناعة والفلاحة والطاقة المتجددة)، وتعزيز الجهوية المتقدمة. هذا يبرز وظيفة القيادة الاستراتيجية للمؤسسة، بعيدًا عن مجرد الوظائف التقليدية للسلطة، ويجعلها محركًا للتنمية والتقدم.
3. الملكية كقائد للتحديث السياسي والاجتماعي
يشمل الدور الملكي توجيه المجتمع نحو الحداثة في مختلف المجالات، مثل التعليم، حقوق الإنسان، التنمية الاقتصادية المتوازنة، وإشراك المواطنين في صنع القرار. من خلال هذا النهج، تتحول الملكية إلى مؤسسة محفزة للابتكار الوطني، تجمع بين الشرعية التاريخية والشرعية المستقبلية، وتعمل على بناء مجتمع حديث ومنفتح.
4. الملكية كمؤسسة فكرية ورمز وطني
تُمثل الملكية المغربية مرجعية وطنية ومعيارًا للهوية المغربية في الداخل والخارج. هذه الصفة تجعلها محورًا للأبحاث والدراسات، وركيزة لبناء مدرسة فكرية وطنية حول الحكم الدستوري والحداثة السياسية.
خاتمة
تُظهر الدراسة أن الملكية المغربية، بفضل دستور 2011، قد نجحت في تحويل التوازن بين الشرعية التاريخية ومتطلبات الحداثة إلى هندسة دستورية راقية. هذه الهندسة تمكّن من الجمع بين ثبات الدولة ودينامية الإصلاح، مما يجعلها نموذجًا فريدًا في العالم العربي والإفريقي، يستحق أن يُدرَس كنموذج للملكية الدستورية المتجددة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتضطلع بدور استشرافي في قيادة التحولات الكبرى. إن هذا النموذج يعكس قدرة المغرب على التكيف مع التحديات المعاصرة، مع الحفاظ على هويته وخصوصيته.
الدكتور المصطفى قاسمي
استاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية
رئيس مؤسسة القاسمي للتحليل السياسي والدراسات الاستراتيجية والمستقبلية.
.