samedi 28 février 2026
كتاب الرأي

التطور اللامتكافئ للقطاع الصحي في المغرب وفق نظرية سوسيولوجية المركز والمحيط و الهيمنة الرمزية

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

التطور اللامتكافئ للقطاع الصحي في المغرب وفق نظرية سوسيولوجية المركز والمحيط و الهيمنة الرمزية عبد الإلاه القصير

المقدمة

لم تعد المنظومة الصحية تُقاس فقط بمؤشرات البنية التحتية أو عدد الأطباء والأسرة الاستشفائية، بل أصبحت معيارًا كاشفًا لطبيعة توزيع السلطة والمعرفة والموارد داخل المجتمع وضمن موقعه في النظام العالمي. فالصحة، بوصفها حقًا اجتماعيًا وسياسيًا، تعكس شكل العدالة المجالية، وتُظهر بوضوح كيف تُعاد إنتاج الفوارق بين المراكز والأطراف، سواء على المستوى الدولي أو داخل الدولة الوطنية نفسها.

في المغرب، يشهد القطاع الصحي خلال السنوات الأخيرة دينامية إصلاحية عميقة، شملت توسيع التغطية الصحية، وإعادة هيكلة الحكامة، وإحداث المجموعات الصحية الترابية، وتعزيز البنية الاستشفائية. غير أن هذه التحولات، رغم أهميتها، تثير تساؤلات جوهرية تتجاوز البعد التقني: هل تؤدي هذه الإصلاحات إلى تقليص التفاوتات المجالية، أم أنها تعيد إنتاج منطق التمركز بشكل جديد؟ وهل يمكن فهم التفاوت الصحي بمعزل عن موقع المغرب داخل نظام عالمي يحتكر إنتاج المعرفة والتكنولوجيا الطبية؟

تكمن إشكالية هذا المقال في تحليل التفاوت الصحي بالمغرب باعتباره نتاجًا لبنية مزدوجة: بنية عالمية تُكرّس التبعية التكنولوجية والمعرفية، وبنية وطنية تعيد توزيع الموارد والخبرة وفق تراتبية مركز/محيط داخلي. ومن هذا المنطلق، يسعى المقال إلى تفكيك العلاقة بين التطور اللامتكافئ على المستوى العالمي، والتمركز المجالي داخل المغرب، وآليات القبول الرمزي التي تضمن استمرارية هذه التراتبية.

الاطارالمفاهمي و المنهجي

المنهجية المتبعة

تنطلق هذه المقاربة التحليلية من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يمكن فهم إصلاح المنظومة الصحية المغربية بمعزل عن موقعها داخل النظام-العالمي لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا الطبية؟ وهل يشكل التحديث التقني والمؤسساتي مسارًا نحو استقلالية صحية فعلية، أم يعيد إنتاج أشكال جديدة من التبعية البنيوية والرمزية؟

تنطلق هذه الدراسة من إشكالية مركزية مفادها: إلى أي حد يمكن فهم مسار إصلاح المنظومة الصحية المغربية بمعزل عن تموضعها داخل النظام-العالمي لإنتاج المعرفة والتكنولوجيا الطبية؟ وهل يشكّل التحديث التقني والمؤسساتي الراهن خطوة نحو استقلالية صحية فعلية، أم أنه يعيد إنتاج أنماط جديدة من التبعية البنيوية والرمزية؟

لمقاربة هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة إطارًا نظريًا تركيبيًا يربط بين تحليل البنى العالمية لإنتاج القيمة والمعرفة، وآليات إعادة إنتاج اللامساواة داخل الحقول الاجتماعية الوطنية، ولا سيما الحقل الصحي. ويستند هذا الإطار إلى ثلاثة مرتكزات متكاملة:

أولًا، نظرية التبعية كما بلورها الاقتصادي والمفكر المصري سمير أمين(Samir Amine (1931–2018)، ، والتي ترى أن التطور اللامتكافئ ليس ظاهرة عرضية، بل نتيجة بنيوية لتقسيم العمل الدولي في ظل الرأسمالية العالمية، حيث تحتكر دول المركز إنتاج التكنولوجيا والقيمة المعرفية العالية، بينما تُدمَج دول الأطراف في وظائف استهلاكية وتشغيلية. يتيح هذا المنظور قراءة موقع المنظومات الصحية في البلدان النامية باعتبارها مندمجة في شبكة تبعية تقنية ومعرفية تشمل استيراد الأجهزة، والاعتماد على البروتوكولات العلاجية الخارجية، واستبطان معايير التكوين والاعتماد الدولي.

ثانيًا، نظرية النظام-العالمي عند عالم الاجتماع الأمريكي  إيمانويل والرشتاين(Immanuel Wallerstein 1930–2019)، التي تفهم الدولة الوطنية بوصفها عقدة داخل بنية هرمية عالمية تضم مركزًا وشبه-مركز وأطرافًا. في هذا السياق، يُقرأ الحقل الصحي باعتباره جزءًا من اقتصاد-عالم تحكمه سلاسل قيمة عابرة للحدود، تتحكم فيها شركات متعددة الجنسيات ومراكز بحثية كبرى. وعليه، فإن اختلال توزيع التكنولوجيا الطبية أو براءات الاختراع لا يُعد خللًا تدبيريًا، بل تعبيرًا عن موقع بنيوي داخل منظومة عالمية غير متكافئة.

. ثالثًا،نظرية رؤوس الأموال المتعددة (الاقتصادية، الثقافية، الرمزية) لعالم الاجتماع الفرنسي  بييربورديو Pierre Bourdieu (1930–2002) ، مع التركيز على الهيمنة الرمزية بوصفها آلية لإعادة إنتاج القبول الاجتماعي بعدم التكافؤ. بحيث ان التبعية التقنية حسب هذا التصور لا تُفرض فقط عبر السوق، بل تُشرعَن عبر الاعتراف الرمزي بتفوق النموذج الطبي الغربي، ما يؤدي إلى ترسيخ اعتبار استيراد النموذج الجاهز معيارًا للحداثة والجودة. وهكذا يُعاد إنتاج التمركز العالمي داخل الوعي المهني والمؤسساتي، فيغدو الامتثال له خيارًا يبدو عقلانيًا وطبيعيًا.

إن الجمع بين هذه المقاربات الثلاث يتيح بناء إطار تفسيري متعدد المستويات: مستوى بنيوي عالمي يفسر اختلال توزيع المعرفة والقيمة، ومستوى وطني-مؤسساتي يبيّن كيفية تموضع الفاعلين داخل هذا الاختلال، ومستوى رمزي-ثقافي يشرح آليات القبول وإعادة الإنتاج. وبذلك توفر المرجعية النظرية للدراسة عدسة تحليلية قادرة على تفكيك العلاقة بين الإصلاحات الصحية الوطنية وبنية النظام-العالمي، دون اختزالها في مقاربات تقنية أو تدبيرية صِرفة.

الفرضييات

تهدف هذه المقاربة إلى تحليل دينامية الإصلاحات الصحية في المغرب من منظور متعدد المستويات يجمع بين التحليل البنيوي للنظام العالمي، والهياكل الوطنية للحقل الصحي، والآليات الرمزية التي تعيد إنتاج التمركز. و ينطلق التحليل من فرضية عامة مفادها أن التفاوت الصحي ليس خللًا إداريًا عابرًا، بل هو تعبير عن تموقع بنيوي داخل شبكة عالمية غير متكافئة، تُعاد صياغتها داخليًا عبر تمركز الموارد في أقطاب وطنية محددة، وفرضيات خاصة متكاملة كالاتي:

  • إن إصلاح المنظومة الصحية في المغرب يتم داخل بنية نظام-عالمي غير متكافئ، مما يجعل التحديث التقني قائمًا على تبعية مستمرة لمراكز إنتاج المعرفة والتكنولوجيا الطبية.

  • تعكس السياسات الصحية الوطنية محاولة للتوفيق بين متطلبات الاندماج في سلاسل القيمة العالمية وإرادة تعزيز السيادة الصحية، مما يخلق توترًا بنيويًا داخل مسار الإصلاح.

  • تُسهم الهيمنة الرمزية للنموذج الطبي الغربي في ترسيخ قبول مهني ومؤسساتي بالتبعية التقنية، عبر اعتبار المعايير الخارجية مرجعًا وحيدًا للحداثة والجودة.

  • لا يمكن تحقيق انتقال فعلي نحو سيادة صحية إلا عبر إعادة تموقع استراتيجي داخل النظام-العالمي، يقوم على الاستثمار في البحث العلمي المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وإعادة توزيع رأس المال المعرفي داخل الحقل الصحي الوطني.

مصادر البيانات

تم الاعتماد على معطيات كمية حديثة (2025-2026) من:

-        المندوبية السامية للتخطيط (HCP) – تقارير الفوارق المجالية والكثافة الطبية.

-        وزارة الصحة والحماية الاجتماعية – حصيلة المجموعات الصحية الترابية (GST) والتجهيزات الاستشفائية.

-        تقارير البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المتعلقة بالتمويل الصحي والشراكات بين القطاعين العام والخاص.

-        معطيات مستقلة حول هجرة الكفاءات الطبية ومعايير توزيع الاختصاصات النادرة.

 

أدوات تحليل المعطيات

تم اعتماد منهجية تحليلية متعددة المستويات لدمج المعطيات الميدانية مع الإطار النظري المركب، وتشمل الأدوات الرئيسية ما يلي:

-        التحليل البنيوي-النظري: يهدف إلى ربط النتائج الميدانية بالفرضيات المتعلقة بالتطور اللامتكافئ، ونظرية النظام-العالمي، وآليات الهيمنة الرمزية، لتفسير كيفية تمركز الموارد والمعرفة داخل الحقل الصحي الوطني وفي سياق العلاقات الدولية.

-        التحليل الإحصائي الوصفي: يركز على دراسة التوزيع الجغرافي للأطباء، والأسرة الاستشفائية، والاختصاصات الدقيقة، مع تحديد الفجوات بين الجهات المركزية والهوامش.

-        المقارنة الجغرافية: تهدف إلى إبراز الفوارق بين المراكز الكبرى (الرباط، الدار البيضاء، طنجة) والجهات الطرفية (درعة-تافيلالت، بني ملال-خنيفرة)، وتحليل أثر هذا التفاوت على الوصول إلى الخدمات الصحية.

ومن خلال هذه الأدوات، يمكن إنتاج قراءة تحليلية متعددة المستويات تربط بين السياسات الوطنية، البنية العالمية للتكنولوجيا والمعرفة، والآليات الرمزية التي تشكل تصور الممارسين والفاعلين في الحقل الصحي، بما يعزز فهم طبيعة التمركز الصحي المجالي وسبل تصحيحه.

التطور اللامتكافىء ومنطق المركز والمحيط في القطاع الصحي المغربي

يرتبط مفهوم التطور اللامتكافئ بأعمال سمير أمين الذي أبرز كيف تتشكل علاقات تبعية بنيوية بين مركز مهيمن ومحيط تابع داخل النظام الرأسمالي العالمي. وقد وسّع والرستاين هذا التحليل ضمن نظرية النظام العالمي، حيث يعاد إنتاج الفوارق عبر تقسيم دولي للعمل يكرس هيمنة التمركز. فالتقدم بالنسبة اليه لا ينتشر بصورة متجانسة، بل يتراكم في مراكز محددة، بينما يُعاد إنتاج المحيط في حالة تبعية بنيوية. ومن هنا ينظر الى التخلف والنمو  ليس كمرحلة مؤقتة، بل نتيجة اندماج غير متكافئ في بنية عالمية تُراكم القيمة في المركز وتُشتتها في المحيط. وجسب هدا التصور فان منطق المركز والمحيط لا يظل حبيس العلاقات الدولية بين الدول على المستوى الاقتصادي فقط، بل يتسلل إلى البنية الداخلية للدولة التابعة ذاتها، حيث يُعاد إنتاج نفس النمط الهرمي على مستوى المجال الوطني و يمس عدة  قطاعات بما في ذلك القطاع الصحي . وبهذا تصبح المراكز العالمية بتحكمها في التكنولوجيا الطبية، المعرفة العلمية، والاعتراف المهني معيارًا ضمنيًا للجودة والشرعية مما يعمق التبعية .

بالنسبة إلى المغرب، لا يقتصر التطور اللامتكافئ في المجال الصحي  في بعده الخارجي على مجرد استيراد معدات أو اقتناء تجهيزات متقدمة، بل يتخذ شكل اندماج تابع في تقسيم دولي للعمل الطبي–التكنولوجي والمعرفي، حيث تحتكر بلدان المركز الصناعي حلقات البحث والتطوير، وبراءات الاختراع، وسلاسل القيمة ذات الكثافة المعرفية العالية، فيما تنحصر وظيفة البلد كقطب محيطي في الاستهلاك والتشغيل والصيانة. فالأجهزة التشخيصية عالية الدقة، والعلاجات الجينية والبيولوجية، وأنظمة الجراحة الروبوتية، وحتى برامج التكوين المتخصص المرتبطة بها، تُصمَّم وتُنتَج وتُؤطَّر معرفيًا خارج المجال الوطني، بما يجعل التحكم في شروط تحديث المنظومة الصحية مرتهنًا بإيقاع خارجي.

وتتجاوز هذه التبعية المستوى التقني إلى مستوى أعمق يتمثل في التبعية المعيارية والمعرفية؛ إذ تُستورد التكنولوجيا مصحوبة بنماذج إكلينيكية، وبروتوكولات علاج، ومعايير اعتماد، وأنظمة معلومات، تشكّل في مجموعها إطارًا إدراكيًا يحدد ما يُعتبر علاجًا متقدمًا أو ممارسةً معيارية. وبذلك لا يُستورد الجهاز فحسب، بل يُستورد معه تصوّرٌ للطب، وأولويات للبحث، وأنماط تنظيم للخدمة الصحية، مما يحدّ من إمكانية بلورة نموذج وطني مستقل .

و يتجلى البعد الخارجي كذلك للتبعية في ظاهرة هجرة الأطر الطبية، حيث تستقطب بلدان أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية أعدادًا متزايدة من الأطباء المغاربة سنويًا. وتفيد التقديرات الحديثة بأن ما بين 600 و800 طبيب يغادرون البلاد سنويًا للاستقرار المهني بالخارج، خاصة في فرنسا وألمانيا.

لا تمثل هذه الظاهرة مجرد خيار فردي، بل تعكس اختلالًا بنيويًا في شروط العمل والأجور والاعتراف المهني. اقتصاديًا، يقدَّر الاستثمار العمومي في تكوين طبيب واحد بنحو 1.2 مليون درهم، ما يعني أن هجرة آلاف الأطباء تشكل تحويلًا غير مباشر لرأسمال بشري مموَّل وطنيًا لصالح مراكز دولية، بما يعمّق الفجوة المعرفية ويعزز تبعية المغرب للخدمات والتكنولوجيا المستوردة.هنا يتحول “المحيط” إلى مزوّد دائم للموارد البشرية عالية التأهيل، بينما يحتكر “المركز” القيمة المضافة المرتبطة بالبحث والتطويرويعمل كمغناطيس دائم للرأسمال الصحي، فيما يغرق المحيط في عجز هيكلي مستمر.

كما أن القيمة المضافة الأعلى—المتمثلة في الابتكار، والتسجيل الصناعي، وتسويق المعرفة الطبية—تظل متمركزة في الخارج، بينما تتحمل المنظومة المحلية كلفة الاقتناء والصيانة والتحديث الدوري. وينتج عن ذلك اختلالٌ مزدوج: مالي يتمثل في ضغط دائم على الميزانية الصحية بسبب كلفة التكنولوجيا المستوردة، واستراتيجي يتمثل في هشاشة القدرة على اتخاذ قرار صحي سيادي في لحظات الأزمات أو اضطرابات سلاسل التوريد العالمية.وبهذا المعنى، فان التبعية الصحية لا تعكس مجرد فجوة تقنية قابلة للتدارك عبر مزيد من الاستثمار، بل تكشف عن واقع بنيوي داخل النظام الصحي العالمي، حيث يُعاد إنتاج اللامساواة من خلال احتكار المعرفة والقدرة الابتكارية.

فحين تحتكر دول المركز إنتاج البحث الطبي المتقدم وبراءات الاختراع، والمرجعية في التكوين فإنها تحتكر أيضًا تعريف المعايير العلاجية ذاتها. يصبح المركز هو من يحدد ما هو "علاج متقدم"، وما هو "ابتكار طبي"، بينما يتحول المحيط إلى متلقٍ لهذه التعريفات. وتتجلى الرمزية الأوضح لهذه العلاقة في الاستجابة للنظام الصحي. فحين يلجأ بعض المسؤولين والنخب إلى العلاج والاطر للتكوين  في المركز (أوروبا أو أمريكا الشمالية)، فإنهم يعيدون تكريس تبعية رمزية لمراكز صحية عالمية. وهنا تتضح أهمية مفهوم الهيمنة الرمزية كما صاغها بيير بورديو، إذ لا تقوم الهيمنة فقط على الاحتكار المادي للموارد، بل على ترسيخ اعتقاد جماعي بأن المركز هو المرجعية الطبيعية والوحيدة للمعرفة والكفاءة والاعتراف. وبذلك تتحول الهيمنة إلى بنية إدراكية تُنتج قبولًا ضمنيًا بالتفاوت، حيث يُنظر إلى تمركز السلطة والخبرة باعتباره أمرًا بديهيًا لا يحتاج إلى مساءلة، سواء في علاقات الدولة بالمراكز العالمية أو في علاقتها بمجالاتها الداخلية. ويتم ترسيخ الاعتقاد بشرعية المركز بوصفه المرجعية الطبيعية والوحيدة.

إعادة إنتاج المركز والمحيط داخل المنظومة الصحية الوطنية

إذا أجرينا تقييمًا لمسار الاستثمار الصحي في المغرب، يممكننا الجزم أن البلاد شرعت فعليًا في بذل جهود مهمة لتوسيع العرض الصحي وتحديثه عبر أوراش متعددة. من أبرزهاته الاوراش إحداث المجموعات الصحية الترابية بوصفها تحولًا مؤسساتيًا نوعيًا في بنية الحكامة الصحية. ويأتي هذا الإجراء في سياق إصلاح المنظومة الصحية الذي أُطلق تزامنًا مع تعميم الحماية الاجتماعية، حيث يُرتقب أن تضطلع هذه المجموعات بإعادة تنظيم العرض الصحي على مستوى كل جهة داخل إطار مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، بما سيسمح بتجاوز نمط التسيير المركزي التقليدي وتعزيز لامركزية فعلية في تدبير الشأن الصحي.

غير أن هذا المسار الإصلاحي لا يخفي استمرار اختلالات مجالية عميقة. فالخصخصة والتمويل الدولي (التبعية المشرعنة) أدخل القطاع الصحي المغربي مرحلة "التسليع" مدفوعاً بتوصيات المؤسسات المالية الدولية، مما عزز سيطرة المركز المالي على الحق في الصحة. أثر القروض الدولية بحيث  يفرض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي شروطاً تتعلق بـ "كفاءة الإنفاق"، مما دفع الدولة نحو تشجيع الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPP). هذا التوجه، رغم تحديثه للمستشفيات، نقل مراكز القرار إلى صناديق استثمارية دولية ومجموعات خاصة (مثل "أكديتال" وغيرها) التي تعطي الأولوية للمناطق ذات القوة الشرائية العالية (المركز) وتتجاهل الهوامش مما يجعل الاستثمار الصحي غير متكافئ بين الجهات.

كما تكشف مؤشرات التمركز الصحي المجالي، على المستوى العددي، عن اختلال بنيوي واضح في توزيع الموارد الصحية بين المركز والهامش. فالمعدل الوطني لكثافة الأطباء يبلغ 7.8 أطباء لكل 10.000 نسمة، غير أن هذا المتوسط يخفي تفاوتًا حادًا بين الجهات؛ إذ تسجل جهة الدار البيضاء–سطات 13 طبيبًا لكل 10.000 نسمة، أي بفارق إيجابي يناهز +67% مقارنة بالمعدل الوطني، تليها جهة الرباط–سلا–القنيطرة بـ 12 طبيبًا، أي بزيادة تقارب +54%. في المقابل، لا تتجاوز الكثافة 4 أطباء في جهة درعة–تافيلالت (أي أقل بحوالي –49% من المعدل الوطني)، و5 أطباء في جهة بني ملال–خنيفرة (–36%). ويعني ذلك أن الفارق بين أعلى وأدنى قيمة يصل إلى 9 أطباء لكل 10.000 نسمة، أي ما يعادل 3.25 مرات، وهو مؤشر قوي على تمركز الرأسمال الطبي في محور حضري محدد.

أما فيما يتعلق بالطاقة الاستشفائية، فإن المعدل الوطني يبلغ 1.1 سرير لكل 1.000 نسمة، بينما تتراوح النسبة في الجهات المركزية بين 1.5 و1.6 سرير، أي بزيادة تقارب +40% إلى +45% عن المعدل الوطني، في حين لا يتجاوز متوسط الجهات الطرفية 0.7 سرير لكل 1.000 نسمة، أي أقل بنحو –36% عن المتوسط. ويُبرز هذا الفارق أن القدرة الاستيعابية للاستشفاء في بعض الجهات المركزية تفوق نظيرتها في الجهات الطرفية بأكثر من الضعف (حوالي 2.3 مرة).

كما تجدر الإشارة الى ان هذا التفاوت لايبرز الفرق في البنية التحتية فحسب، بل تفاوت في القدرة على الاستجابة للطوارئ والتكفل بالحالات المعقدة، مما يدفع المرضى إلى التنقل القسري نحو المراكز الكبرى. فجهتا الدار البيضاء–سطات والرباط–سلا–القنيطرة تحتفظان بمكانة مرجعية مهنية ورمزية على الصعيد الوطني؛ إذ تُحال إليهما الحالات الدقيقة والمعقدة، ويرى العديد من الأطر الصحية في العمل بهما مسارًا للترقي المهني، كما يفضلهما القطاع الخاص بالنظر إلى قدرتهما الشرائية المرتفعة وبنيتهما التحتية المتطورة إذ تتركز نسبة كبيرة من التجهيزات الطبية المتقدمة، مثل أجهزة الرنين المغناطيسي والعلاج الإشعاعي، في هدا المحورالجهوي ، حيث تتقاطع الكثافة السكانية والقدرة الشرائية والبنية الجامعية. ويؤدي هذا الوضع إلى ما يمكن تسميته بـ “الهجرة العلاجية الداخلية”، حيث يضطر المرضى إلى التنقل مئات الكيلومترات للحصول على خدمات تخصصية، ما يحول الجغرافيا إلى محدد للحق في العلاج.

وعليه، فإن هذه المؤشرات، سواء من حيث الفوارق المطلقة أو النسبية، لا تعكس مجرد تباينات ظرفية، بل تدل على نمط هيكلي يعيد إنتاج التفاوت المجالي في توزيع الموارد الصحية. فهي تشير إلى أن منطق التمركز الاقتصادي والحضري يظل محددًا أساسيًا لانتشار الخدمات الصحية، مما يطرح تحديًا جوهريًا أمام سياسات العدالة المجالية في إطار إصلاح المنظومة الصحية وإرساء حكامة ترابية أكثر إنصافًا.

و على هذا الأساس يمكن القول أن أخطر مظاهر التطور اللامتكافئ هو ذاك الذي يُعاد إنتاجه داخليًا عبر تشكل مراكز وطنية قوية في مقابل هوامش ضعيفة. فكلما تعززت جاذبية المركز، تزايد تدفق المرضى والموارد والأطر نحوه، فتتعزز قوته أكثر، بينما يزداد المحيط هشاشة. إنها دينامية تراكمية يتحول فيها التقدم ذاته إلى آلية لإعادة إنتاج التفاوت، ما لم تُواكب بسياسات تصحيحية حازمة تعيد توزيع الموارد والاختصاصات على أسس أكثر عدالة وإنصافًا.

الصحة كحقل لإعادة إنتاج السلطة والتراتبية المجالية والعدالة الاجتماعية

ليست الصحة مجرد خدمة اجتماعية تُقاس بمؤشرات التغطية وعدد الأسرة، بل هي مجال تتجسد فيه علاقات القوة وتوزيع الرأسمال داخل المجتمع. فحين تتمركز سلطة القرار الطبي، والمؤسسات المرجعية، والتخصصات الدقيقة، والبنيات التحتية عالية التقنية في أقطاب محددة، فإن ذلك لا يعكس تفوقًا وظيفيًا فحسب، بل يؤسس لتراتب مجالي تصبح فيه بعض الفضاءات منتجة للشرعية الطبية، بينما تُختزل فضاءات أخرى في وظيفة العبور والإحالة. بهذا المعنى، يتحول الحقل الصحي إلى مرآة لتوزيع السلطة: من يمتلك المستشفى الجامعي المتطور يمتلك سلطة التعريف بماهية المرض، و يحدد بروتوكولات العلاج ويحدد كذلك أفق الثقة والاعتراف. وفي هذا السياق،يصبح المرض ذاته تجربة مجالية مركبة. فالمسار العلاجي لا يتحدد فقط بطبيعة الحالة السريرية، بل بموقع المريض داخل الخريطة الوطنية؛ إذ تتفاوت فرص التشخيص المبكر، والولوج إلى الاختصاصات النادرة، والتكفل بالتقنيات المتقدمة تبعًا للانتماء الجغرافي. وهكذا تتقاطع العدالة الصحية مع العدالة المجالية، ويصبح الحق في العلاج رهينًا بالقدرة على الانتقال من المحيط إلى المركز.

ويعمل منطق التطور اللامتكافئ في المجال الصحي وفق هذا السياق  عبر ثلاث حركات متداخلة تُعيد إنتاج هذه البنية بشكل مستمر: أولًا، حركة التكنولوجيا والمعرفة من المراكز العالمية نحو الداخل الوطني، حيث تظل التحديثات التقنية والعلاجية مرتبطة بمسارات الاستيراد والاعتماد الخارجي. ثانيًا، حركة الحالات المعقدة وبعض النخب من الداخل إلى الخارج طلبًا للعلاج، بما يعكس استمرار مركزية المرجعيات الطبية العالمية. وثالثًا، حركة المرضى والكفاءات من الجهات الطرفية نحو الأقطاب الكبرى داخل الوطن، بحثًا عن فرص علاجية أو مهنية أفضل.

وكنتيجة  لتفاعل هذه الحركات الثلاث تتشكل بنية تبعية مزدوجة: تبعية عمودية نحو مركز عالمي يحتكر التكنولوجيا والاعتراف، وتبعية أفقية داخلية تجعل الجهات الطرفية في البلاد تدور في فلك أقطاب وطنية مهيمنة. وبهذا المعنى، يصبح التفاوت الصحي لا يعكس خللًا ظرفيًا فحسب، بل يعبر عن نظام تراتبي مستقر يعيد توزيع السلطة والمعرفة والاعتراف والعدالة الاجتماعية في المجال الصحي وفق منطق مركز/محيط متجدد.

نحو أفق بديل لإعادة بناء السيادة الصحية و كسر منطق التمركز وإرساء العدالة المجالية

إن كسر منطق التمركز الصحي لا يمكن أن يتحقق عبر مقاربة ترميمية تقتصر على الزيادة العددية في الأطباء أو توسيع البنيات التحتية، لأن الاختلال ليس تقنيًا محضًا بل بنيوي في جوهره. فالمشكل لا يتعلق بندرة الموارد فحسب، بل بكيفية تراكمها وتوزيعها، وبالآليات الرمزية التي تمنح بعض الفضاءات صفة “المرجعية الطبيعية” وتحصر أخرى في وظيفة التبعية. لذلك فإن تجاوز التطور اللامتكافئ يقتضي إعادة توزيع الرأسمال الصحي في أبعاده الثلاثة: المادي (التجهيزات والموارد البشرية)، والمعرفي (الإنتاج العلمي والبحث الطبي)، والرمزي (الاعتراف والثقة والشرعية المهنية).

كما ان السيادة الصحية، في معناها العميق، لا تعني فقط تقليص الاستيراد الدوائي أو رفع نسب التغطية، بل تعني بناء قدرة وطنية مستقلة على إنتاج المعرفة الطبية وتوجيهها وفق الأولويات الوبائية والاجتماعية المحلية. كما تعني إقامة صناعة دوائية وبحث سريري قادرين على تقليص الارتهان للأسواق العالمية، بما يحول العلاقة مع الخارج من تبعية إلى تفاعل متكافئ. وتقتضي السيادة الصحية كذلك سياسات تحفيزية وهيكلية تضمن استقرار الكفاءات في الجهات، لا عبر الإكراه الإداري، بل من خلال خلق بيئات مهنية وبحثية جاذبة تكفل الاعتراف والترقي والاعتبار الرمزي.

وفي هذا السياق ، فان نجاح المجموعات الصحية الترابية في المغرب يظل رهينًا بمدى قدرتها على كسر منطق التمركز التاريخي للموارد والكفاءات في أقطاب محددة، وتحويل الجهة من مجرد مجال إداري إلى فضاء إنتاج فعلي للرأسمال الصحي المادي والرمزي. فالتحدي لا يكمن فقط في إعادة الهيكلة القانونية، بل في إرساء حكامة جهوية قادرة على استقطاب الأطر، وتوزيع الاختصاصات الدقيقة، وبناء استقلالية تنظيمية تقلص تبعية المحيط للمراكز التقليدية. بذلك يمكن للمجموعات الصحية الترابية أن تتحول من آلية تنظيمية إلى أداة استراتيجية لإعادة التوازن المجالي وترسيخ العدالة الصحية.

ويبقى التحدي الأعمق يكمن في إعادة بناء الثقة الجماعية في المنظومة الوطنية. فحين يصبح العلاج في الخارج مرجعية نهائية، لا يتعلق الأمر فقط بتفاوت في الجودة، بل بهيمنة رمزية تجعل الاعتراف مرتبطًا بالمسافة عن الوطن. ومن دون استعادة هذه الثقة، يظل أي إصلاح تقني عرضة لإعادة إنتاج نفس البنية الهرمية.

إن السؤال المركزي إذن ليس كيف نرفع الأرقام، بل كيف نغيّر منطق تمركزها. فالتنمية الصحية المتوازنة تعني أن يتحول تقدم جهة ما إلى رافعة لبقية الجهات عبر شبكات تكامل وتضامن مؤسساتي، لا إلى قطب جذب يستنزفها. وعندما يصبح الاستثمار في المحيط استثمارًا في قوة المركز ذاته، يمكن الحديث عن انتقال حقيقي من منطق التطور اللامتكافئ إلى منطق التكامل المجالي.

في نهاية المطاف، تكشف الصحة عن طبيعة العقد الاجتماعي ذاته. فهي ليست خدمة عمومية محايدة، بل فضاء تتقاطع فيه السلطة والمعرفة والكرامة المجالية. وإذا كان مرض المحيط يعبر عن خلل في توزيع الرأسمال والاعتراف، فإن علاجه لا يكون تقنيًا فحسب، بل مشروعًا سياسيًا يعيد تعريف علاقة الدولة بمجالها، ويحوّل العدالة الصحية من شعار اجتماعي إلى بنية مؤسساتية مستدامة.

الخاتمة

تكشف هذه المقاربة أن التفاوت المجالي في المنظومة الصحية المغربية ليس مجرد خلل تقني أو ظرفي، بل هو نتيجة تراكمية للتبعية البنيوية داخليًا وخارجيًا، يعيد إنتاج منطق المركز والمحيط وفق التطور اللامتكافئ للنظام العالمي. وان التفاوت ليس عرضًا جانبياً، بل بنية متكاملة تُنتَج عبر اندماج طرفي في النظام العالمي، وتمركز داخلي للرأسمال، وهيمنة رمزية تُطَبِّع هذا التمركز. ومن ثمّ، فان إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب ليس مجرد توسيع البنية أو زيادة الأرقام، بل هو معركة سيادة ومعرفة ورمزية. فالتحدي الأعمق يكمن في كسر منطق التطور اللامتكافئ داخليًا وخارجيًا، وبناء شبكة صحية متوازنة تضمن لكل المواطنين حق الوصول إلى العلاج وفق معيار جودة وطنية، لا معيار تبعية للمراكز العالمية أو الوطنية الكبرى. الصحة، بهذا المعنى، تصبح مؤشرًا على قدرة الدولة على إعادة توزيع السلطة والمعرفة، وتحويل العدالة الصحية من شعار رمزي إلى بنية مؤسساتية مستدامة.

واستنادًا إلى هذا التحليل البنيوي للإطار الصحي المغربي، يمكن القول إن النتائج المتوصل إليها تكشف عن ديناميات مزدوجة  عالمية وداخلية: فعلى المستوى العالمي،تجعل التبعية المعرفية والتكنولوجية المغرب مستهلكًا للمعايير والمعدات الطبية من مراكز الإنتاج الدولية. اما على المستوى الوطني، فان سياسات التحديث والتجهيز تعيد إنتاج تمركز الموارد والخبرة في أقطاب محددة، مع ترسيخ الهيمنة الرمزية لهذه المراكز.

بحيث ان هاته الديناميات المزدوجة تشكل سياقًا ضروريًا لفهم التفاوت المجالي في المنظومة الصحية، وتستدعي استخلاص استنتاجات واضحة حول طبيعة الاختلالات البنيوية، واشتقاق توصيات عملية تُسهم في تعزيز السيادة الصحية، وتقليص الفجوات بين المركز والهامش، وضمان العدالة المجالية والصحية لجميع المواطنين.

التوصيات

 يمكن تلخيص أبرز التوصيات في أربعة محاور رئيسية:

-        إعادة توزيع الرأسمال الصحي المادي والمعرفي: يستلزم تعزيز البنية الاستشفائية والتجهيزات المتقدمة في الجهات الطرفية، مع تشجيع توطين الصناعات الدوائية الحيوية والبحوث الطبية، لضمان استقلالية معرفية وتقنية محلية.

-        حماية الكفاءات الوطنية: يجب اعتماد سياسات تحفيزية لاستقرار الأطباء والباحثين في الجهات الأقل تجهيزًا، إلى جانب وضع آليات تعويضية ملزمة على الدول المركزية التي تستقطب الكفاءات المغربية، للحفاظ على الموارد البشرية الحيوية في المنظومة الصحية الوطنية.

-        تعزيز الهيمنة الرمزية الوطنية: يتعين بناء قدرات وطنية في وضع المعايير المهنية والتكوين والاعتماد العلمي، بحيث تصبح المرجعية الداخلية قائمة على المعرفة المحلية، وتقليل الاعتماد الرمزي على المراكز العالمية، ما يسهم في إعادة الاعتبار للهوية العلمية الوطنية.

-        العدالة المجالية والصحية: يُوصى بتعزيز نموذج المجموعات الصحية الترابية كآلية لتكامل الخدمات على المستوى الجهوي، مع إنشاء أقطاب استشفائية جامعية في كل جهة لتقليص فجوة المركز/المحيط، وربط الاستثمار الصحي بمؤشرات تكامل مجالي مستدام يضمن وصول جميع المواطنين إلى خدمات طبية عالية الجودة دون تمييز جغرافي.

 

 

عبدالإلاه القصير 

                                                         أخصائي في تقييم البرامج الصحية والاجتماعية وتقنيات الترافع