بينما تتساقط الضربات على طهران وأصفهان وقواعد الحرس الثوري الإسلامي، يُشغل سؤالٌ واحدٌ المحللين: لماذا الآن؟ بعيدًا عن المبررات الرسمية المتمثلة في "تهديد نووي وشيك"، فإن الهجوم المشترك الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران له جذوره الحقيقية في تحولٍ جذريٍّ في النظام الاقتصادي العالمي. لقد حوّل توسع مجموعة البريكس والسعي إلى التخلص من الدولار، من خلال التهديد المباشر للهيمنة المالية الأمريكية، الجمهورية الإسلامية إلى هدفٍ رئيسيٍّ في حربٍ وجودية.
I. الخلفية الصامتة: عندما تحدّت إيران الدولار
منذ عام 2018، ومع الانسحاب الأحادي من اتفاق فيينا، دشّنت الولايات المتحدة حرباً اقتصادية شاملة ضد إيران، قوامها سلاح العقوبات المالية. لم يكن الهدف عسكرياً مباشراً، بل نقدياً في جوهره: خنق الاقتصاد الإيراني عبر حرمانه من الوصول إلى الدولار، وعزله عن نظام "سويفت"، ودفع الريال إلى الانهيار بما يفضي إلى اضطراب اجتماعي يُسقط النظام من الداخل. لقد كان الرهان واضحاً: من يسيطر على العملة المهيمنة يملك قدرة الخنق دون إطلاق رصاصة.
لسنوات، بدا أن الاستراتيجية تؤتي ثمارها. انكمش الاقتصاد، وارتفع التضخم إلى مستويات قياسية، وتراجعت القدرة الشرائية بصورة حادة، واندلعت موجات احتجاج متكررة. غير أن الرهان على الانهيار الكامل أخطأ في تقدير عاملٍ حاسم: تحوّل البنية الاقتصادية العالمية نفسها.
شكّل انضمام إيران الرسمي إلى مجموعة البريكس عام 2024 نقطة انعطاف استراتيجية. فالمجموعة لم تعد مجرد إطار تنسيقي بين اقتصادات ناشئة، بل تحوّلت تدريجياً إلى منصة لتقويض الاعتماد الإجباري على الدولار في المبادلات الدولية. سارعت طهران إلى إعادة هيكلة تجارتها الخارجية على هذا الأساس، فوسّعت نطاق التسويات بالعملات المحلية مع شركائها الرئيسيين.
وبحلول عام 2025، تجسّد هذا التحول في أرقام دالة: فقد بلغ حجم التجارة مع الصين نحو 35 مليار دولار تُسوّى باليوان، مقابل 12 مليار دولار مع روسيا بالروبل أو الريال، و8 مليارات مع الهند بالروبية، و6 مليارات مع تركيا بالليرة التركية. لم تكن هذه الترتيبات تقنية محضة، بل كانت تعني عملياً تقليص الطلب الإجباري على الدولار داخل الاقتصاد الإيراني، وإضعاف قدرة العقوبات الأمريكية على شلّ حركة التجارة بالكامل.
هنا تحديداً بدأ ميزان القوة يتغير. فالعقوبات الأمريكية تفترض احتكاراً شبه كامل للبنية التحتية المالية العالمية؛ غير أن تشكّل قنوات دفع بديلة، واتساع دائرة التسويات الثنائية خارج المنظومة الغربية، أفرغا تدريجياً سلاح الدولار من حدّته المطلقة. لم تعد طهران مجرد دولةٍ تحاول الالتفاف على العقوبات، بل أصبحت جزءاً من مشروع أوسع لإعادة توزيع النفوذ النقدي عالمياً.
وجاءت مناورات "إرادة السلام 2026" البحرية، التي جمعت الأساطيل الإيرانية والصينية والروسية في المحيط الهندي، لتمنح هذا التحول بعداً جيوسياسياً صريحاً. فالرسالة لم تكن عسكرية فحسب، بل مالية أيضاً: ثمة تكتل يتبلور، يمتلك أدوات ردع بحرية ونقدية في آنٍ واحد، ويطمح إلى بناء نظامٍ موازٍ يقلّص مركزية الدولار.
من هذه الزاوية، لم تعد إيران هدفاً بسبب برنامجها النووي وحده، بل بسبب موقعها في معادلة أوسع: معادلة تفكك الامتياز النقدي الأمريكي. وعندما يصبح التحدي موجهاً إلى البنية التي تمنح واشنطن قدرتها على فرض إرادتها دون تكلفة داخلية مرتفعة، يتحول الصراع من نزاعٍ إقليمي إلى اختبارٍ وجودي للنظام المالي الدولي الذي تأسس بعد عام 1945.
II. شرارة الثورات: يناير 2026، بين الانهيار النقدي والتوظيف السياسي
في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتآكل قيمة العملة الوطنية، دخل الاقتصاد الإيراني مطلع عام 2026 مرحلة اضطراب حاد. فقد شهد الريال تراجعاً مفاجئاً في أوائل يناير، انعكس فوراً على أسعار السلع الأساسية، وأعاد إلى الواجهة هشاشة التوازن الاجتماعي في المدن الكبرى. لم تكن الأزمة معزولة عن السياق الدولي، بل جاءت في لحظة انتقال حساسة بين نظام عقوبات يتراجع تأثيره، ومحاولات رسمية لإعادة توجيه المبادلات بعيداً عن الدولار.
اندلعت احتجاجات في أصفهان ومشهد وطهران، واختلطت فيها المطالب المعيشية بالشعارات السياسية. ردّت السلطات بإجراءات أمنية مشددة، فيما ظلت حصيلة الضحايا موضع تضارب بين المصادر، الأمر الذي عمّق الاستقطاب الداخلي وأضعف الثقة العامة.
في واشنطن، لم يُقرأ المشهد بوصفه اضطراباً اجتماعياً فحسب، بل باعتباره فرصة استراتيجية. ففي خطاب متلفز، تعهّد دونالد ترامب بأن "المساعدات في طريقها"، في إشارة رمزية إلى استعداد الولايات المتحدة لدعم تغيير سياسي محتمل. الرسالة لم تكن موجهة إلى الداخل الإيراني فقط، بل إلى الحلفاء أيضاً: الضغط الاقتصادي لم ينتهِ، بل دخل مرحلة إعادة التموضع.
من جانبها، رأت طهران في التطورات امتداداً لما تصفه بـ"الحرب الهجينة"، متهمة أطرافاً خارجية بمحاولة توظيف الاحتجاجات لضرب استقرار الدولة من الداخل. وهكذا تداخل البعد الاقتصادي بالسياسي، وأصبح تراجع العملة جزءاً من معركة أوسع حول شرعية النظام وقدرته على الصمود.
في هذه اللحظة، لم يعد الصراع مجرد مواجهة بين عقوبات واقتصاد مقاوم، بل تحول إلى صراع على السردية: هل ما يحدث نتيجة فشل داخلي، أم نتيجة حصار خارجي يُعاد توظيفه لإسقاط الدولة؟
III. لحظة الانفجار: 28 فبراير 2026 وإسقاط المسار الدبلوماسي
جاءت نهاية فبراير لتغلق ما تبقى من هامش سياسي. فمع تعثر المحادثات الأخيرة في جنيف، ساد في واشنطن وتل أبيب تقدير مفاده أن المسار الدبلوماسي استنفد أغراضه. ومع فجر 28 فبراير، بدأت مرحلة جديدة: عملية إسرائيلية حملت اسم "الأسد الزائر"، بالتوازي مع العملية الأمريكية "الغضب الملحمي".
استهدفت الضربات منشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، ومواقع للصواريخ الباليستية، ومقار للحرس الثوري. غير أن الضربات امتدت أيضاً إلى مناطق مدنية، أبرزها تدمير مدرسة للبنات في ميناب جنوب البلاد، حيث تراوحت حصيلة القتلى، وفق مصادر إيرانية، بين 51 و85 شخصاً، بينهم أطفال ومعلمون. في المقابل، أعلنت مصادر إسرائيلية مقتل عدد من القادة العسكريين البارزين.
ظل مصير المرشد الأعلى علي خامنئي موضع تضارب حاد، بين إعلانات إسرائيلية متكررة عن وفاته ونفي إيراني رسمي ساد لساعات. هذا الغموض عزز حالة الصدمة العميقة وأدخل مؤسسات الدولة في لحظة سيولة سياسية خطرة، إلى أن قطع التلفزيون الإيراني الشك باليقين ببث خبر الوفاة رسمياً. هذا الإعلان لم يكن مجرد خبر نعي، بل كان صافرة انطلاق لمرحلة مجهولة المعالم، حيث تداخلت فيها ترتيبات الخلافة الداخلية مع ضجيج الطائرات وصدمة الميدان."
جاء الرد الإيراني سريعاً، عبر إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة على إسرائيل وقواعد أمريكية في البحرين وقطر والكويت والإمارات والسعودية والأردن. وللمرة الأولى، وجدت عدة عواصم خليجية نفسها في قلب المواجهة، لا كمراقب أو ممول، بل كطرف جغرافي مباشر في ساحة النار.
بهذا الانتقال، انتهت مرحلة الضغط غير المباشر. لم تعد المواجهة حرب عقوبات أو عمليات سيبرانية، بل أصبحت صراعاً مفتوحاً يربط بين الجغرافيا العسكرية وشبكات الطاقة والتمويل.
IV. التداعيات الفورية: ارتدادات إقليمية واختبار للتحالفات
سرعان ما اتضحت الآثار الأولية. على الصعيد الإنساني، تحولت مدن الجنوب الإيراني إلى ساحات طوارئ. اكتظت مستشفيات بندر عباس وشيراز بالجرحى، وازدحمت طرق النزوح بالعائلات الهاربة من مناطق القصف. لم تعد الحرب احتمالاً نظرياً، بل واقعاً يومياً.
سياسياً، عقدت جامعة الدول العربية اجتماعاً طارئاً، في ظل مأزق واضح لدول الخليج. فهي حليفة تقليدية لواشنطن، لكنها باتت عرضة لرد إيراني مباشر. معادلة الردع التقليدية — حماية مقابل اصطفاف — بدأت تبدو أكثر تعقيداً عندما تحولت القواعد العسكرية إلى أهداف محتملة. حاولت قطر، التي تستضيف قاعدة أمريكية، لعب دور الوسيط، إلا أن هامش المناورة كان ضيقاً.
دولياً، انعقد مجلس الأمن في جلسة استثنائية. دعت روسيا والصين إلى وقف فوري لإطلاق النار وأدانت الضربات، فيما بدت الدول الأوروبية منقسمة بين الالتزام الأطلسي والخشية من انفجار إقليمي واسع يهدد أمن الطاقة العالمي.
في العمق، لم تكن هذه التداعيات عسكرية فحسب، بل مالية أيضاً. فكل صاروخ أُطلق في الخليج كان يحمل معه إشارة إلى أسواق الطاقة، وكل تهديد للملاحة في هرمز كان يعني اضطراباً في سلاسل التسعير العالمية. وهكذا تداخلت جغرافيا الحرب مع خرائط الاحتياطيات النقدية والتحالفات الاقتصادية.
V. العواقب الوخيمة: من حرب العقوبات إلى حرب استعادة الهيبة النقدية
لم يكن الانتقال إلى المواجهة العسكرية انفصالاً عن مرحلة العقوبات، بل كان امتداداً لها بعد أن استُنفدت فعاليتها. لقد بُنيت الاستراتيجية الأمريكية منذ 2018 على فرضية مركزية: أن السيطرة على الدولار تعني القدرة على إخضاع الخصوم دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر. فالدولار ليس مجرد عملة، بل هو بنية سيطرة — شبكة مدفوعات، نظام تسويات، احتياطيات عالمية، وأسواق دين تُجبر الدول على المرور عبر القنوات الأمريكية.
غير أن التجربة الإيرانية كشفت حدود هذه الفرضية. فمع توسّع التسويات بالعملات المحلية، وتعاظم دور البريكس، وتزايد المبادلات خارج نظام "سويفت"، بدأت فعالية "الخنق المالي" تتآكل تدريجياً. لم تعد العقوبات كافية لإحداث الانهيار الموعود، ولم يعد عزل إيران يعني شلّها بالكامل. وهنا تحوّل الصراع من معركة سيولة إلى معركة هيبة.
إن الامتياز النقدي الأمريكي — أي قدرة واشنطن على تمويل عجزها الداخلي عبر الطلب العالمي على الدولار — يقوم في جوهره على الثقة والرهبة معاً. الثقة في استقرار العملة، والرهبة من كلفة تحديها. وعندما تتجرأ دولة خاضعة للعقوبات على إعادة توجيه تجارتها بعيداً عن الدولار، فإنها لا تُقلّص اعتمادها فحسب، بل تُقدّم نموذجاً قابلاً للاقتداء. الخطر لم يكن في حجم الاقتصاد الإيراني، بل في سابقة التمرد ذاتها.
من هنا يمكن فهم التحول إلى القوة الصلبة بوصفه محاولة لإعادة ترسيخ الردع النقدي. فحين تفشل العقوبات في إخضاع الخصم، يصبح استخدام القوة العسكرية رسالةً إلى الآخرين قبل أن يكون عقاباً للمستهدف. الرسالة مفادها أن الخروج المنهجي من المدار الدولاري ليس خياراً اقتصادياً محايداً، بل خطوة ذات كلفة استراتيجية باهظة.
بهذا المعنى، تبدو الحرب وكأنها إعادة ضبط لقواعد اللعبة: إذا كان الدولار لم يعد كافياً وحده لضمان الطاعة، فإن القوة العسكرية ستتدخل لتثبيت النظام الذي يمنح الدولار مكانته. إنها لحظة انتقال من "حرب تجفيف الموارد" إلى "حرب استعادة الهيبة" — هيبة العملة التي تستمد قوتها من اقترانها بالقوة العسكرية الأكبر في العالم.
وفي هذا السياق، يتداخل الاقتصاد بالسلاح بصورة غير مسبوقة. ترتفع أسهم شركات الصناعات الدفاعية في وول ستريت، وتُفتح عقود تسليح ضخمة مع الحلفاء الإقليميين، وتُعاد صياغة التحالفات على أساس أمني-نقدي مزدوج. فالحرب هنا لا تُدار فقط في الميدان، بل أيضاً في أسواق السندات واحتياطيات البنوك المركزية.
إن أخطر ما في هذا التحول أنه يكشف العلاقة العضوية بين النظام المالي والنظام العسكري. فحين يتعرض أحدهما للاهتزاز، يستدعي الآخر لتعويضه. وهكذا تتحول الحرب الاقتصادية، التي كان يُفترض أن تكون بديلاً عن السلاح، إلى مقدمة لحرب فعلية هدفها النهائي ليس إسقاط نظام سياسي فحسب، بل إعادة تثبيت مركز الثقل في النظام النقدي العالمي.
VI. سيناريوهات مستقبلية: الصراع على إيران ومستقبل النظام النقدي الدولي
تلوح في الأفق ثلاثة سيناريوهات خلال الأيام القادمة.
لم تعد الأيام القادمة تحدد فقط مسار الحرب، بل اتجاه البنية المالية العالمية. فكل سيناريو عسكري يحمل في طياته نتيجة نقدية مختلفة، تتعلق بمكانة الدولار وحدود قدرته على فرض الانضباط العالمي.
السيناريو الأول: تصعيد واسع النطاق – عودة الدولار كعملة ملاذ قسري
إذا توسّع النزاع ليشمل إغلاق مضيق هرمز أو تدخلاً برياً أمريكياً، فإن الأسواق العالمية ستدخل في حالة ذعر حاد. تاريخياً، تدفع الحروب الكبرى المستثمرين نحو الدولار باعتباره ملاذاً آمناً، ما يعزز الطلب عليه ويرفع قيمته مؤقتاً. لكن هذا التعزيز سيكون ذا طبيعة قسرية لا بنيوية: أي أنه ناتج عن الخوف لا عن الثقة المستدامة.
في هذا السيناريو، قد تستعيد واشنطن جزءاً من هيبتها النقدية عبر إظهار قدرتها على فرض الاستقرار بالقوة. غير أن الكلفة ستكون مضاعفة: ارتفاع أسعار الطاقة، اضطراب سلاسل الإمداد، وتزايد الديون الأمريكية لتمويل الحرب. وهنا يتعمق التناقض: فكلما احتاجت الولايات المتحدة إلى تمويل عجز أكبر، زادت حساسيتها لأي تراجع مستقبلي في الطلب العالمي على سنداتها.
بمعنى آخر، قد ينتعش الدولار آنياً، لكنه يصبح أكثر اعتماداً على استدامة التفوق العسكري.
السيناريو الثاني: انهيار النظام الإيراني – ردع نقدي مؤقت ورسالة ردعية للآخرين
إذا أدت الضربات إلى تفكك القيادة الإيرانية وانهيار مؤسسات الدولة، فستكون الرسالة الموجهة إلى بقية الدول واضحة: تحدي النظام الدولاري يقترن بمخاطر وجودية.
هذا السيناريو قد يبطئ مشاريع التخلي عن الدولار في المدى القصير، ويدفع بعض الدول المترددة إلى إعادة تموضع احتياطياتها نحو الأصول الأمريكية.
غير أن الأثر البنيوي سيكون أكثر تعقيداً. فإسقاط نظام منخرط في البريكس قد يدفع الصين وروسيا إلى تسريع بناء أنظمة دفع بديلة بشكل أكثر تنظيماً وسرية، بعيداً عن المواجهة المباشرة. أي أن الردع العلني قد يولّد سباقاً صامتاً لتقويض الامتياز الأمريكي بوسائل أقل استفزازاً.
النتيجة هنا: تأجيل التحول النقدي لا إلغاؤه.
السيناريو الثالث: جمود وحرب استنزاف – تسارع التعددية النقدية
وهو السيناريو الأكثر خطورة على المدى المتوسط. فإذا دخل الصراع في مرحلة استنزاف طويلة، مع استمرار العقوبات وتوسّع المواجهات غير المباشرة، فستسعى الدول الإقليمية إلى تقليل تعرضها للمخاطر المرتبطة بالدولار.
دول الخليج، التي وجدت قواعدها هدفاً مباشراً، قد تبدأ بتنويع احتياطياتها بوتيرة أسرع. الصين قد توسع عقود الطاقة المسعّرة باليوان. روسيا قد تدفع نحو شبكات تسوية أعمق خارج سويفت. ومع كل خطوة احترازية، يتراجع الاستخدام الحصري للدولار في التجارة العالمية تدريجياً.
في هذا السيناريو، لا ينهار الدولار فجأة، لكنه يفقد طابعه الاحتكاري ويتحوّل إلى عملة مهيمنة ضمن نظام متعدد الأقطاب، بدلاً من كونه مركز النظام بلا منازع.
الخلاصة الاستراتيجية
إن ما يجري يتجاوز كثيراً حدود المنشآت النووية أو حسابات الردع الإقليمي. نحن أمام اختبار تاريخي للعلاقة العضوية بين العملة والقوة في النظام الدولي. فالدولار لم يكن يوماً مجرد وسيط تبادل، بل ركيزة لنظام عالمي يسمح لواشنطن بتمويل قوتها العسكرية عبر الطلب العالمي على عملتها. وعندما يتعرض هذا الامتياز للاهتزاز، يصبح الدفاع عنه مسألة بنيوية لا ظرفية.
إذا نجحت الولايات المتحدة في فرض تسوية سريعة تُعيد الانضباط السياسي وتكبح مشاريع الخروج من المدار الدولاري، فقد تُمدَّد دورة الهيمنة الحالية لسنوات إضافية. أما إذا طال أمد الصراع، أو كشف حدود القدرة على فرض الاستقرار بالقوة، فإن الحرب قد تتحول إلى محفّز لتسريع التعددية النقدية التي تسعى أصلاً إلى احتوائها.
في هذه اللحظة المفصلية، لا يُقاس الانتصار بعدد الأهداف المدمّرة، بل بقدرة أي طرف على الحفاظ على قواعد النظام الذي يخدم مصالحه. والسؤال الجوهري لم يعد: من سيربح هذه الحرب؟ بل: أيُّ نظامٍ مالي سيخرج من تحت أنقاضها؟
فإما أن يُعاد تثبيت الترابط بين الدولار والسلاح بوصفه قاعدة الاستقرار العالمي،
وإما أن يبدأ انتقال تدريجي — بطيء لكنه تراكمي — نحو نظام تتوزع فيه مراكز القوة النقدية، وتفقد فيه العملة الواحدة قدرتها على احتكار الطاعة.
في نهاية المطاف، لن تُقاس نتائج هذه الحرب بعدد الصواريخ التي سقطت أو المنشآت التي دُمّرت، بل بالجواب على سؤالين مصيريين: هل ينجح السلاح في تثبيت عرش الدولار المتهاوي؟ وهل تستطيع القوة الصلبة استعادة الشعور بالأمن الوجودي، وتتويج إسرائيل كخليفة على الشرق الأوسط، وسط منطقة تموج بتحولات جيوسياسية كبرى تعيد صياغة موازين القوى العالمية؟
الدكتور عبد الواحد غيات
باحث في العلوم السياسية
يتبع...
.