كشف التقرير الثاني لمرصد برنامج إعادة الإعمار بعد زلزال الأطلس الكبير، الذي تشرف عليه ترانسبرانسي المغرب، عن استمرار اختلالات هيكلية واجتماعية في تنزيل البرنامج المندمج لإعادة الإعمار، الممتد بين 2024 و2029، والذي رُصدت له ميزانية إجمالية قدرها 120 مليار درهم.
ويرصد التقرير، الذي يغطي الفترة ما بين أكتوبر 2024 ودجنبر 2025، حصيلة سنة ونصف من العمل الحكومي، بالاعتماد على تحليل الوثائق الرسمية وبحث ميداني شمل 454 أسرة بالدواوير الأكثر تضررا بإقليمي الحوز وشيشاوة.
220 مؤسسة تعليمية خارج الخدمة
في قطاع التعليم، أشار التقرير إلى أن 220 مؤسسة تعليمية بأقاليم الحوز وأزيلال وشيشاوة ما تزال خارج الخدمة، وفق بلاغ لرئيس الحكومة بتاريخ 10 شتنبر 2025، حيث أوضح البلاغ أنه تم إطلاق طلبات عروض لتأهيل 186 مؤسسة، فيما توجد 34 أخرى في طور إعادة التأهيل.
واعتبر المرصد أن هذا التأخر ينعكس سلبا على تمدرس آلاف التلاميذ للسنة الدراسية الثالثة على التوالي بعد الزلزال.
خصاص صحي وتأخر مشاريع
في القطاع الصحي، سجل التقرير أن إقليم الحوز لا يتوفر سوى على مستشفى “قرب” بسعة 45 سريرا، في ظل خصاص في التخصصات الطبية والجراحية والأطر شبه الطبية والتجهيزات. كما أشار إلى أن مستشفى آيت أورير، الذي انطلقت أشغال بنائه سنة 2013، لم يدخل الخدمة بعد، إضافة إلى استمرار عدم تأهيل عشرات المراكز الصحية.
أرقام متباينة حول السكن
في ما يتعلق بالسكن، ذكّر التقرير بأن الحكومة أعلنت بتاريخ 22 شتنبر 2023 أن نسبة الانهيار الكلي بلغت 32 في المائة، قبل أن يتم الإعلان لاحقا عن نسبة 10 في المائة فقط. واعتبر المرصد أن هذا الفارق يطرح تساؤلات حول منهجية الإحصاء وتصنيف الأضرار.
وبحسب البحث الميداني، لم تستفد سوى 17 أسرة من أصل العينة من منحة 140 ألف درهم المخصصة لإعادة بناء المساكن المنهارة كليا، فيما توصلت 102 أسرة بمبالغ تراوحت بين 20 ألفا و80 ألف درهم.
كما أظهر البحث أن 44 في المائة من الأسر لا يعيشون في مساكنهم وقت إجراء الدراسة، وأن 209 "كوانين" يعيشون في خيام أو حاويات أو مساكن هشة، رغم إعلان تقليص عدد الخيام إلى 47 فقط على الصعيد الرسمي.
تدهور اجتماعي واقتصادي
على المستوى الاجتماعي، أفاد التقرير بأن 42 في المائة من المستجوبين بدون عمل منذ وقوع الزلزال، وأن 50 في المائة من الأسر تتوفر على دخل شهري يقل عن 1000 درهم. كما أن 16.3 في المائة من الأسر تسيرها نساء أرامل.
وأشار المرصد إلى أن 33 في المائة من الأسر تم إقصاؤهم من المساعدة الخاصة بإعادة البناء، وأن 71 في المائة من هؤلاء يعزون السبب إلى تعقيدات إدارية.
ملاحظات حول الحكامة والشفافية
في الجانب المؤسساتي، سجل التقرير تباطؤا في وتيرة اجتماعات اللجنة الوزارية خلال سنتي 2024 و2025، وتأخرا في التدخل الفعلي لوكالة تنمية الأطلس الكبير، إضافة إلى صعوبات في التنسيق وتمركز القرارات.
وعلى المستوى المالي، أشار المرصد إلى أن الصندوق الخاص رقم 126 تم تمويله عبر تضامن وطني فاق 23 مليار درهم، مع تسجيل نقص في وضوح تدبير الميزانية ومحدودية ولوج المواطن للمعلومة.
وهكذا، فيما يتعلق بالحوكمة، تم تسجيل ثلاث ملاحظات هامة: تباطؤ التدخل العمومي، وغياب الرضا والحضور المبالغ فيه لأجهزة وزارة الداخلية في الجوانب العملية لإعادة البناء. مع أولى الأشهر التي تلت الزلزال، وضعت الحكومة هندسة مؤسساتية تترأسها اللجنة الوزارية وتم تدعيمها بخلق وكالة تنمية الأطلس الكبير، التي أصبحت أهم فاعل في البرنامج. غير أن هذه الدينامية خلقت خيبات أمل وشعورا بالمرارة لدى ضحايا الزلزال.
في 2024 و2025، تراجع إيقاع القيادة : تناقص عدد اجتماعات اللجنة، وتم تراجع نسبي للملف فيبرنامج الحكومة وسجل التدخل الفعلي لوكالة تنمية الأطلس الكبير تأخرا. شكلت صعوبة التنسيق وتمركز القرارات وضعف تعبئة الفاعلين المحليين عوامل إضافية زادت من الشعور بالهوة بين الدولة وبين التجمعات المتضررة.
وعلى الصعيد المالي، سجل المرصد نقصا كبيرا في الشفافية ووضوح تدبير الميزانية. إذا كان تمويل الصندوق الخاص رقم 126 يتم عبر التضامن الوطني، بما يمثل موارد تفوق 23 مليار درهم، تبقى مساهمة الدولة ضعيفة وبعض النفقات تبدو بعيدة عن المهمة الأولى للصندوق. هذا الواقع يبين كيف عوض الالتزام المواطن تدريجيا المجهود الحكومي ويسائل الانسجام بين برنامج بحدود مالية غير واضحة، خاصة فيما يتعلق بجوانب التنمية المجالية. بالمجمل، تسجل محدودية واضحة في ولوج المواطن للمعلومة والمحاسبة والمشاركة والتتبع. أين ذهبت 120 مليار درهم التي تم إعلانها بشكل حماسي إبان إطلاق البرنامج ؟