dimanche 22 février 2026
كتاب الرأي

جمال الدين ريان: التكنولوجيا والسطحية السياسية.. كيف أصبح الهاتف منصة للتحليل العشوائي؟

جمال الدين ريان: التكنولوجيا والسطحية السياسية.. كيف أصبح الهاتف منصة للتحليل العشوائي؟ جمال الدين ريان

في عصر التكنولوجيا الحديث، حيث أصبح الهاتف الذكي والكاميرا في متناول الجميع، نشهد ظاهرة غريبة ومقلقة: انتشار التحليل السياسي العشوائي من قِبل أفراد ليس لديهم أي خلفية علمية أو معرفة أكاديمية تؤهلهم للخوض في قضايا السياسة المعقدة. هذه الظاهرة، التي يمكن وصفها بـ"السطحية السياسية"، لا تؤدي فقط إلى تشويه الحقائق، بل تُسهم في تضليل الرأي العام وتقويض الوعي المجتمعي.

 

السياسة ليست مجرد آراء عشوائية تُلقى على الملأ دون دراسة مستفيضة أو فهم شامل للمشهد العام. هي علم قائم على قواعد ومعطيات، وتتطلب خلفية معرفية قوية تشمل التاريخ، الاقتصاد، العلاقات الدولية، والقوانين. ومع ذلك، نجد اليوم أشخاصًا يتحدثون في السياسة كأنها مجرد حديث عابر في مقهى، دون أي التزام بمعايير البحث العلمي أو التحقق من المصادر. هذه السطحية تؤدي إلى إنتاج محتوى مليء بالمغالطات والأكاذيب التي تضر أكثر مما تنفع.

 

لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته التكنولوجيا في تسهيل الوصول إلى المنصات العامة. أي شخص يمتلك هاتفًا وكاميرا يمكنه أن يُنشئ قناة على وسائل التواصل الاجتماعي ويبدأ بإلقاء "تحليلاته السياسية"، مستغلًا سهولة الوصول إلى جمهور واسع. في كثير من الأحيان، يكون هؤلاء الأفراد مدفوعين بالسعي وراء الشهرة أو الربح المالي، وليس بهدف تقديم محتوى جاد أو مفيد. النتيجة؟ محتوى سطحي يفتقر إلى العمق، ويُقدَّم بأسلوب عاطفي يثير الجدل بدلًا من أن يُثري النقاش.

 

إن أبرز خطورة لهذه الظاهرة تكمن في تأثيرها السلبي على الرأي العام. فالجمهور، وخاصة إذا كان غير واعٍ أو غير مُطلع، قد يتأثر بمثل هذه التحليلات غير المسؤولة، مما يؤدي إلى انتشار المفاهيم الخاطئة وزيادة الاستقطاب المجتمعي. بدلًا من أن تكون التكنولوجيا وسيلة لنشر الوعي والمعرفة، أصبحت في كثير من الأحيان أداة لنشر التضليل والإشاعات.

 

لمواجهة هذه الظاهرة، يجب أن تكون هناك مساءلة اجتماعية وثقافية. ليس كل من يمتلك كاميرا وهاتفًا مؤهلًا للحديث عن السياسة أو أي مجال آخر يتطلب التخصص. من الضروري تعزيز ثقافة البحث والتحقق من المعلومات، وتشجيع الجمهور على استقاء المعلومات من مصادر موثوقة ومختصين. كما يجب على المنصات التكنولوجية أن تلعب دورًا أكثر مسؤولية في تنظيم المحتوى وضمان عدم انتشار المعلومات المغلوطة.

 

إن التحليل السياسي ليس لعبة أو هواية. هو مسؤولية كبيرة تتطلب معرفة عميقة وإلمامًا بالقضايا المطروحة. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام واقع مرير حيث أصبحت السياسة مرتعًا للسطحية والاستعراض. لا يمكننا أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذه الظاهرة؛ بل يجب أن نعمل جميعًا على تعزيز الوعي الجماعي، والتأكيد على أهمية التخصص والمعرفة، حتى لا تتحول الساحة الفكرية إلى فوضى من الأصوات غير المؤهلة.