الهدف من هذه المقالة، هو أن أبيِّنَ للقارئ أن الديمقراطيةَ، وحدها، لا تضمن، على الإطلاق، سِيَادةَ العدل وتطبيق القانون، تطبيقا صارِماً، لا يأخذ بعين الإعتبار المكانة الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية أو السياسية أو أي اعتبار، كيفما كان! بمعنى أن البشرَ، عندما يكونون أمام القضاء لسببٍ أو لآخر، فهم، مبدئِياً، سواسية أمام العدل وتطبيق القانون تطبيقا صارما les citoyens sont égaux devant la justice et l'application ferme de la loi، كما سبق الذكرُ.
إذن، فما الذي يضمن سيادةَ العدل وتطبيق القانون تطبيقاُ صارِماً؟ الشيء الذي يضمن سيادةَ العدل وتطبيقَ القانون تطبيقاً صارِما، هي الضمائر الحية les consciences imbues de morale. والضمير الحي هو الضمير المشبَّع بالأخلاق السامية les vertus morales التي تفرض على مَن يحمل هذه الأخلاق السامية، سماعَ، من الداخل، صوتِ الحق la vérité والنزاهة la probité والشفافية la transparence والاستقامة l'intégrité والإنصاف l'équité والشعور بالمسؤولية إزاء المجتمع être responsable vis-à-vis de la société…، وفي نهاية المطاف، تطبيق القانون بكيفيةٍ مُحايدة. لماذا؟
لأن القانونَ خُلِقَ ليُنظِّمَ تساكنَ cohabitation وتعايشَ coexistence البشر داخل المجتمعات. وهذان التَّساكن والتَّعايش غير مُمكنين بدون تنظبم. والتنظيم غير ممكنٍ بدون أعراف normes وقوانين lois. وكل مخالفة une violation لهذه الأعراف والقوانين تستحق عقابا une sanction يُحدِّده العُرفُ أو القانون. وهنا بيت القصيد، إذ، كما سبق الذكر، يظهر جليا دور الضمائر الحية التي تُصدِر الأحكام العادِلة.
وهنا، ساستدل بالحُكم الذي أصدره القضاء الفرنسي في حق رئيس الجمهورية الفرنسية، السابق Nicolas Sarkozy. خمس سنوات سِجناً مشفوع جزء منها بإيقاف التنفيذ avec sursis. لكن هذا القضاء أمر بسجنه فورا بعد صدور الحكم، مع احتفاظه بحق الاستئناف. والتُُهمة المُوجهة له، هي تكوين "عِصابة إجرامية" association de malfaiteurs. فماذا يعنيه هذا الحكم بالنسبة لمتتبِّّعي الشأن السياسي الفرنسي؟
أوَّل ملاحظة هي أن فرنسا دولة ديمقراطية. ثاني ملاحظة هي أن القضاء الفرنسي يتمتَّع باستقلالٍ تام عن السلطات الأخرى، التَّشريعية والتنفيذية. وهذا يعني أن فصلَ السُّلط شيءٌ ملموسٌ على أرض الواقع. ثالث ملاحظة هي أن المواطنين سواسية أمامَ القانون، أي أن القضاءَ الفرنسي يُعامل المواطنين، حين يمثلون أمامَه، على قدم المساواة، أي أن المواطنة تُعطي الفرنسيين والفرنسيات نفسَ الحقوق ونفس الواجِبات. وهنا، يتبادر إلى ذهني السؤال التالي : "هل يمكن أن يحدثَ نفس الحكم في بلادنا"؟
الجواب على هذا السؤال رهينٌ باستقلالية القضاء. والقضاء عندنا، رغم ما قامت به وتقوم به من إجراءاتٍ دستورية وقانونية موجودة على الورق، ليس مستقِلاًّ. وما دام استقلالُ القضاء مرتبطا بوجود الضمائر الحية، فالواقع هو الذي يسود. وما دام واقعُنا السياسي فاسد حتى النُّخاع، فاستقلال القضاء المرتبِط بوجود الضمائر الحية، لاوُجودَ له في واقع يُسيِّره الفساد.
والدليل على ذلك، لا الحكومة الحالية ولا الحكومات التي سبقتها لم تحارب الفسادَ. بل إنها كلها طبَّعت مع هذا الفساد وتركته ينخر مختلف أطيافِ المجتمع المغربي. وإلا كيف نفسِّر، أولاً، لماذا سحبَ قانون الإثراء غير المشروع l'enrichissement illicite من المناقشة البرلمانية؟ وثانياً، لماذا التَّآمُر على قانون الصحافة؟ وثالِثاً، لماذا السكوت عن الأرباح غير المشروعة المترتِّبة عن سعر المحروقات، رغم انخفاض هذا السِّعر في الأسواق العالمية؟ ورابعا، لماذا السكوت عن تضارب المصالح الذي غرق فيه رئيسُ الحكومة الحالية نفسُه؟ وخامسا، لماذا اللجوء إلى الزبونية في تعيين بعض الوزراء؟…
إن دلَّت هذه التصرُّفات على شيءٍ، إنما تدلُّ على أن السياسةَ، كما هي مُمارسَة اليوم، لا من طرف الحكومة الحالية ولا من طرف الحكومات التي سبقتها، هي سياسة مُسيَّرة من طرف الفساد ولوبِياتُ الفساد، وخصوصا، إن وُجِدت هذه اللوبيا،ت في قلب تدبير الشأن العام!