لم يعد موضوع زرع القرنية في المغرب شأناً طبياً صرفاً.
لقد أصبح سؤالاً حقوقياً بامتياز_ .
اليوم، يعيش آلاف المغاربة في ظلام كان يمكن تفاديه.
ليس لأن العلاج غير موجود.
وليس لأن الكفاءات غائبة.
بل لأن المنظومة لا تمكّنهم من الوصول إلى حقهم في العلاج.
زرع القرنية إجراء طبي راسخ علمياً، يُمارَس عبر العالم بنتائج ممتازة، ويُمكّن مرضى فقدوا شفافيتهم القرنية من استعادة البصر بشكل كامل أو شبه كامل.
ومع ذلك، يظل هذا الحق في المغرب محدود الولوج، مرتبطاً بالاستيراد المكلف للقرنيات من الخارج، وبمساطر معقدة، وبغياب تعبئة وطنية شاملة للتبرع بالقرنية.
هنا يطرح السؤال الجوهري:
أليس الحق في البصر جزءاً من الحق في الصحة؟
وأليس الحق في الصحة من الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب؟
إن هيئات الدفاع عن حقوق الإنسان في المغرب، وعلى رأسها المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مطالَبة اليوم بفتح هذا الملف من زاوية حقوقية واضحة:
*هل يُعقل أن يُحرم مواطن من استعادة بصره بسبب فراغ تنظيمي أو قصور تشريعي؟*
الواقع أن العمى الناتج عن أمراض القرنية في عدد من الحالات هو عمى قابل للعلاج.
لكن غياب بنوك قرنيات وطنية مهيكلة، وعدم تفعيل ثقافة التبرع بعد الوفاة بشكل مؤطر، وقيود قانونية تحدّ من توسيع عمليات أخذ وزرع القرنيات داخل التراب الوطني، كلها عوامل تجعل الاستفادة من هذا العلاج امتيازاً محدوداً بدل أن تكون حقاً مضموناً.
إن استمرار هذا الوضع يطرح إشكالية مساواة وعدالة صحية.
فمن يملك القدرة المالية قد يتمكن من الولوج إلى العلاج عبر الاستيراد.
أما الفئات الهشة، فتبقى أسيرة الانتظار… أو الظلام.
ملف بهذه الحساسية لا ينبغي أن يبقى حبيس التقارير الطبية.
بل يجب أن يُناقَش داخل فضاءات الحقوق والحريات، لأنه يمسّ الكرامة الإنسانية، والاستقلالية، والحق في العمل، والتعليم، والحياة الكريمة.
وفي هذا السياق، يؤكد ائتلاف من إحدى عشرة جمعية طبية مغربية متخصصة في أمراض وجراحة العيون استعداده لوضع كل المعطيات العلمية والاقتصادية والاجتماعية رهن إشارة الهيئات الحقوقية وصناع القرار.
هذه المعطيات تُظهر بوضوح أن تطوير منظومة وطنية متكاملة لزرع القرنية ليس فقط مطلباً إنسانياً، بل خياراً عقلانياً من الناحية الاقتصادية، إذ يُعيد آلاف المواطنين إلى دائرة الإنتاج والمشاركة المجتمعية.
إن تجاهل هذا الملف لم يعد مجرد تأخر إداري. بل قد يُفهم كإخلال بمبدأ تكافؤ الفرص في الولوج إلى العلاج.
الحق في البصر ليس امتيازاً.
هو امتداد طبيعي للحق في الصحة.
والحق في الصحة ركيزة من ركائز حقوق الإنسان.
فتح هذا النقاش اليوم، بجرأة ومسؤولية، هو خطوة نحو مغرب يضمن لمواطنيه ليس فقط الحق في الحياة… بل الحق في أن يروها.
الدكتور أنور الشرقاوي، خبير في التواصل والإعلام الصحي