dimanche 22 février 2026
كتاب الرأي

يوسف حميتو : أيديولوجيا الطهرانية.. إعدام الواقع واغتيال النص

يوسف حميتو : أيديولوجيا الطهرانية.. إعدام الواقع واغتيال النص يوسف حميتو

يقف المرء اليوم أمام نزيف المعنى في دنيانا، فيعتصره ألم الغربة. أجيال تتسرب من بين أيدينا، ويوما بعد يوم تغترب عن لغة الأرض التي نكلمهم بها، والوجع أكبر بكثير من ضعف الخطاب الوعظي، أو عي في اللغة الخطابية المنبرية مضمونا وبلاغة ومنهجا، فالأزمة أزمة معرفية قاسية جدا، هي أزمة رؤية للعالم تخطئ تعريف الديني وكيف له أن يلامس طين العالم المتغير.  لقرون توالت، كبلنا الوهم القاهر، وهم أن قداسة الخطاب الديني تنبع وتكمن في تعاليه المستمر، وطهرانيته التي لا يجب أن تفارقه، ووصايته الفوقية، ووقوفه خارج حلبة التاريخ موقف الآمر لواقع نفترض سلفا أنه مدنس ومتمرد.

ألم يسأل أحد منا نفسه: أيهما يهرب من الآخر؟ أالواقع يهرب من الخطاب الديني؟ أم الخطاب الديني يعجز عن ترجمة نفسه في الواقع الموار بالغرائز، والمزدحم بصراعات السياسة وحسابات الاقتصاد واصطفافات الأيديولوجيات؟

ألم يسأل أحدنا نفسه: لماذا دائما نجعل الواقع خطيئة نلعنها وننسب إليها الرذائل؟ بينما الخطاب الديني يستحوذ على كل الفضائل التي نرى افتقار الواقع إليها؟

ألا يسأل أحدنا نفسه: أليس الخطاب الديني لغة من بين عدة لغات لمخاطبة الواقع؟ أليس حامل هذه اللغة أولى بأن ينزل إلى السوق التداولي المزدحم ليعرض لغته ضمن لغات العصر، فيقايض هذه اللغة، ويتكامل مع تلك، ويتسالف مع أخرى، ويجاور رابعة؟ يعامل لغة الاجتماع، ويتاجر مع لغة الاقتصاد، ويناظر لغة السياسة، ليأخذ حركة الحياة العمياء هذه، ويعيد صياغتها عبر شبكة من المفاهيم ذات الصبغة التداولية، دون أن يكبت دوافع الإنسان إلى الحياة، أو يقمع ميولاته نحوها، ويحول العبث المادي الطاحن إلى واقع شرعي حمال لمعاني الاستخلاف وقيم العمران البعيدة عن الأدلجة والقولبة والتنميط.

لا يستطيع عاقل أن يقول شيئا غير أنها مكابدة، ولكن من رحمها تنبثق حقيقة ينكرها فقط العقل الجامد، وهي حقيقة المفاهيم الدينية نفسها، التي أورثنا الخوف على المقدس ميلا مرضيا لتحنيط معانيها، لقد نسينا أو أنسينا أن الدين نواة صلبة متينة من القطعيات، لكنها وإن اتسمت بالقطع إلا أنها بمجموعها تصوغ أنساقا مفتوحة ومنفتحة على الواقع الذي نهرب منه، ونريد أن نجعله فقط مادة مفعولا بها وليس مادة شريكة في الفعل الحضاري، إنها وإن اتسمت بالقطع لا ترضى منا أن نجعلها قوالب صماء نسقطها إسقاطا آليا باردا على نوازل الأيام.

هل سألنا أنفسنا يوما: بدل أن يظل هذا الواقع ينظر إلى المفاهيم الدينية من بعيد، وتظل المفاهيم الدينية في خطابنا تنظر إلى الواقع من عل، أليس من الممكن بل أن يصبح هذا الواقع جزءا من ماهيات المفاهيم الدينية، وشريكا في عملها وفاعليتها وحركتها؟

إن أي جواب عن الأسئلة السابقة يزعج حماة الأسوار الذين تحمر أنوفهم إذا ما قامت دعوة إلى تحرير النصوص من أسر المسلمات المتقادمة والأعراف التي ظنناها دينا، ويزعج العقل المستقيل من حركة العقل الذي يصر على القيام بوظيفته صياغة رؤية للعالم حية تسري في شرايين الزمن وصناعة براديغمات الحياة، فلن يجدوا إلا سلاح الثنائيات الحادة، وافتعال المعارك بينها، هذه ثنائية الإيمان والمعرفة، وتلك ثنائية الاعتقاد والانتقاد، وأخرى ثنائية المقدس والمدنس، فكلما زادت الحداثة وما بعدها، والإنسانية وما بعدها من منسوب أسئلتها المربكة انسحب العقل المستقيل إلى كهوف الماضي.

وحتى لا نكلف بعضهم عناء محاولة الفهم، فإننا نؤكد أن هذا الدمج بين المفاهيم الدينية والواقع لا يعني بحالٍ سقوط المفهوم الديني في السيولة المعرفية أو خضوعه لنسبية الزمان والمكان. بل إن دقة التأسيس البحثي تقتضي التمييز الصارم بين تحقيق المناط الذي هو كشفٌ عن صورة الواقع لإنزال الحكم عليه، وبين تغيير المناط الذي يؤول إلى تحريف أصل المفهوم. فالواقع هنا ليس مصدراً منشئاً للحكم ابتداءً، إنما هو وعاءٌ وموجهٌ معرفي يحدد شرائط الفاعلية ومآلات التطبيق. إننا نتحدث عن ارتباط وظيفي يجعل المفهوم الديني قوة لا تكتسب فاعليتها إلا عبر الاشتباك مع تعقيدات الواقع.

ما نبحث عنه اليوم، بقلوب وجلة وعقول يقظة، هوجودة الانسجام الكيميائي الدافئ بين المفاهيم الدينية والواقع، وترصيف مساحة يتعانق فيها الضمير الديني المطمئن مع الواقع المجتمعي شديد التعقيد، وأطر دينية ومعرفية وإنسانية تذوب فيها الفجوة الموحشة بين كليات الشريعة ومقاصدها، وبين مقتضيات الزمان الضاغطة.

نحن بشر، وحين نقرأ كلام الله وكلام رسوله لا ندخل إليهما بعقول بيضاء فارغة، وإنما ندخل محملين بخلفياتنا، وتاريخنا، وجراح جيلنا، في دائرة تأويلية لا فكاك منها، وهذا ليس عيبا نتهرب منه. لكن الخطيئة الكبرى أن نترك حدوسنا العامية، وأعرافنا البالية، ومخاوفنا النفسية، تتسيد على مراد الشارع الحكيم، فالتأسيس المعرفي يطالبنا بمكابدة السمو، وأن نهذب خلفياتنا بقسوة العلم ونور البصيرة، لندع حقائق الأشياء ذاتها وغايات الدين الكبرى، هي التي تصوغ فهمنا، وتغسل وعينا، وتوجه بوصلتنا.

وعليه، فإن هذه المكابدة تقتضي صياغة إبستمولوجيا وسيطة تمزج بصرامة بين أصول الفقه باعتباره مرجعا حتميا لا غناء عنه، والفلسفة لتكون أداة نقدية تفكيكية، والفكر ليكون أفقا استشرافيا، كل ذلك بغرض كسر الأصنام المعرفية التي حنطت المفاهيم الدينية في قوالب التاريخ، ولتحويل الأصول من مدونة إجرائية صماء إلى فلسفة تشريعية حية، فهذا ما يحول الواقع من خطيئة نلعنها إلى محراب للاستخلاف، ويحول الدين من سلطة كابحة إلى طاقة دافعة تمنح الوجود معناه الغائب في ضجيج المادة.

لا نزايد على أحد بهذا التأسيس، ولكننا نرى أنه الممر الإجباري لرد الروح إلى الخطاب الديني، ولكي نعيد للإنسان سكينته التي طالما بحث عنها في السماء، فأسأنا نحن – بغفلتنا- إيصالها إليه في الأرض.

 

يوسف حميتو               
باحث في الدراسات الإسلامية وقضايا الواقع