يتأكد اليوم أن إشكالية الحق في الصحة لم تعد مجرد قضية خدمات عمومية أو سياسات وطنية، بل أصبحت مسألة سيادة استراتيجية مرتبطة بمنظومة عالمية تتحكم فيها مؤسسات مالية وصناعية ولوبيات دوائية عابرة للحدود.
من الحق في الصحة إلى حوكمة الصحة كأداة للهيمنة
لم يعد النقاش حول الصحة في العالم المعاصر نقاشاً تقنياً أو طبياً صرفاً، بل أصبح نقاشاً سياسياً وجيو-استراتيجياً بامتياز. فمع تصاعد دور المؤسسات الدولية والجهات المانحة الكبرى، تحولت الصحة من حق إنساني أصيل إلى مجال للتدبير العالمي الموجه وفق منطق السوق والربح. هذا التحول العميق أفرز واقعاً جديداً يتمثل في مصادرة استقلالية الدول في رسم سياساتها الصحية، ووضع الشعوب أمام حالة لا أمن صحي بنيوي.
إن الانتقادات المتزايدة الموجهة لبعض المؤسسات الدولية، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية، لا تعني رفض التعاون الدولي في المجال الصحي، بل تعكس مخاوف مشروعة من تحوّل هذه المؤسسات إلى أدوات ضمن منظومة أوسع تخدم مصالح الصناعة الدوائية العالمية ولوبياتها الاقتصادية والسياسية. وهو ما يستدعي مساءلة بنيوية: هل أصبحت الحوكمة الصحية العالمية خاضعة لتوازنات السوق والتمويل السياسي بدل أن تكون خاضعة لمبادئ العدالة الصحية وحقوق الإنسان؟
أولاً: العولمة الصحية وتحول المؤسسات الدولية إلى فاعل سياسي مؤثر
1. من منظمة تقنية إلى فاعل جيوسياسي
لقد أنشئت منظمة الصحة العالمية باعتبارها مؤسسة تقنية تهدف إلى تنسيق الجهود الدولية لمواجهة الأمراض وتعزيز الصحة العمومية. غير أن تطور النظام الدولي، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، جعل هذه المنظمة تتحول تدريجياً إلى فاعل جيوسياسي يتأثر بتوازنات القوى الدولية ومصالح الدول الممولة الكبرى.
فتمويل المنظمة لم يعد قائماً أساساً على مساهمات الدول الإلزامية، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على التمويل الطوعي المشروط من دول ومؤسسات خاصة، وهو ما أدى إلى توجيه أولوياتها الصحية وفق أجندات الممولين، لا وفق الحاجيات الفعلية للشعوب. وهنا تبرز خطورة تسييس القرار الصحي العالمي وتحويله إلى أداة ضمن صراعات النفوذ الدولي.
2. انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية كنموذج للصراع على الحوكمة الصحية
إن قرار انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية – كما ناقشته في مقال سابق – لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل كشف عن حقيقة جوهرية: أن الصحة العالمية أصبحت ساحة صراع جيوسياسي بين القوى الكبرى، وأن المؤسسات الصحية الدولية لم تعد محايدة بشكل كامل، بل أصبحت جزءاً من منظومة النفوذ الدولي.
هذا الحدث أبرز هشاشة النظام الصحي العالمي، حيث إن انسحاب قوة عظمى من مؤسسة صحية أممية يمكن أن يهز منظومة الاستجابة للأوبئة والجوائح، ما يطرح تساؤلاً خطيراً: هل أصبحت الصحة العالمية رهينة لتوازنات السياسة الدولية بدل أن تكون حقاً إنسانياً محمياً بمنظومة قانونية دولية مستقلة؟
ثانياً: سيطرة لوبيات الصناعة الدوائية على السياسات الصحية العالمية
1. اقتصاد الدواء: من خدمة الصحة إلى احتكار السوق
أحد أخطر مظاهر الهيمنة في مجال الصحة يتمثل في سيطرة الشركات الدوائية متعددة الجنسيات على سوق الدواء العالمي. هذه الشركات لا تكتفي بإنتاج الأدوية، بل تؤثر في سياسات البحث العلمي، وتوجيه التمويل الدولي، بل وحتى في صياغة السياسات الصحية للدول عبر شبكات الضغط الاقتصادي والسياسي.
إن نظام براءات الاختراع، رغم أهميته في تشجيع الابتكار، تحول في كثير من الحالات إلى أداة احتكار تمنع الدول النامية من إنتاج الأدوية الجنيسة بأسعار مناسبة، ما يجعل الحق في العلاج خاضعاً لمنطق السوق لا لمنطق الحقوق الأساسية.
2. توجيه البحث العلمي لخدمة الربحية الدوائية
لم يعد البحث العلمي الطبي نشاطاً محايداً بالكامل، بل أصبح مرتبطاً إلى حد كبير بتمويل المؤسسات الكبرى والشركات الدوائية. هذا الواقع أدى إلى تركيز الأبحاث على الأمراض المربحة تجارياً، مثل الأمراض المزمنة التي تتطلب استهلاكاً دائماً للأدوية، مقابل إهمال أمراض الفقر أو الأمراض المتوطنة في الجنوب العالمي.
وهكذا، يتحول العلم الطبي من أداة لتحسين الصحة الإنسانية إلى أداة لإنتاج أرباح ضخمة، ما يهدد مبدأ العدالة الصحية ويجعل السياسات الصحية العالمية خاضعة لمعادلات الربح والخسارة.
ثالثاً: مصادرة السيادة الصحية للدول في ظل الهيمنة الدوائية العالمية
1. التبعية الصحية كأحد أشكال التبعية الاستراتيجية
تعاني الدول النامية من تبعية بنيوية للصناعة الدوائية العالمية بسبب ضعف قدراتها في البحث والتصنيع. هذه التبعية تجعلها غير قادرة على التحكم في أسعار الأدوية أو ضمان توفرها في أوقات الأزمات، كما حدث خلال جائحة كوفيد-19 حين احتكرت الدول الغنية اللقاحات وتركت دول الجنوب تواجه نقصاً حاداً في الإمدادات.
إن هذا الواقع لا يعكس مجرد خلل اقتصادي، بل يعكس شكلاً جديداً من أشكال التبعية الاستراتيجية، حيث تصبح السيادة الصحية للدول مرهونة بقرارات شركات ومؤسسات دولية، ما يشكل مساساً جوهرياً باستقلال القرار الوطني.
2. التمويل المشروط وتوجيه السياسات الصحية الوطنية
تعتمد العديد من الدول النامية على التمويل الدولي لتنفيذ برامجها الصحية، غير أن هذا التمويل غالباً ما يكون مشروطاً بتبني سياسات معينة أو أولويات محددة. وهو ما يؤدي إلى فرض نماذج صحية جاهزة لا تراعي الخصوصيات الاجتماعية والثقافية للدول، ويجعل السياسات الصحية الوطنية انعكاساً لإرادة الممولين لا لحاجيات المواطنين.
وهكذا، تتحول الدولة من فاعل سيادي في المجال الصحي إلى منفذ لبرامج دولية موجهة، ما يؤدي إلى إضعاف دورها الاجتماعي في ضمان الحق في الصحة.
رابعاً: من الحق في الصحة إلى حالة اللا أمن الصحي العالمي
1. هشاشة الأمن الصحي في ظل احتكار اللقاحات والأدوية
إن احتكار إنتاج اللقاحات والأدوية عالمياً يجعل الدول في حالة هشاشة دائمة، حيث يصبح الحصول على العلاج رهيناً بالعلاقات السياسية والقدرة المالية. وقد كشفت الأزمات الصحية العالمية أن الأمن الصحي لم يعد مسألة وطنية فحسب، بل أصبح مرتبطاً بتوازنات القوة في النظام الدولي.
هذا الوضع يضع الشعوب، خاصة في الدول النامية، أمام حالة لا أمن صحي بنيوي، حيث لا يمكنها ضمان حقها في العلاج إلا إذا توفرت شروط السوق العالمية أو الإرادة السياسية للدول المهيمنة.
2. تعميق اللامساواة الصحية عالمياً
إن سيطرة المؤسسات المالية واللوبيات الدوائية على منظومة الصحة العالمية أدت إلى تعميق الفوارق الصحية بين الشمال والجنوب. ففي حين تتمتع الدول الغنية بإمكانية الوصول السريع إلى الابتكارات الطبية، تعاني الدول الفقيرة من نقص حاد في الأدوية الأساسية وارتفاع أسعارها.
وهذا التفاوت لا يعكس فقط خللاً في توزيع الموارد، بل يعكس اختلالاً بنيوياً في النظام الصحي العالمي، حيث يتم تفضيل منطق الربح الاقتصادي على منطق التضامن الإنساني.
خامساً: نحو استعادة السيادة الصحية للشعوب ومقاومة تسليع الصحة
1. بناء استقلال دوائي وطني
إن مواجهة الهيمنة الدوائية العالمية تقتضي من الدول تعزيز صناعاتها الدوائية الوطنية، وتشجيع إنتاج الأدوية الجنيسة، والاستثمار في البحث العلمي المحلي. فاستقلال القرار الصحي لا يمكن تحقيقه دون استقلال نسبي في إنتاج الدواء والتكنولوجيا الطبية.
كما أن التعاون الإقليمي بين دول الجنوب يمكن أن يشكل بديلاً استراتيجياً لمواجهة الاحتكار العالمي، عبر تبادل الخبرات والتكنولوجيا وتنسيق السياسات الدوائية.
2. إصلاح منظومة الحوكمة الصحية العالمية
إن ضمان الحق في الصحة كحق إنساني يتطلب إصلاحاً جذرياً في منظومة الحوكمة الصحية العالمية، عبر تقليص نفوذ اللوبيات الاقتصادية وتعزيز دور الدول والمجتمع المدني في اتخاذ القرارات الصحية الدولية.
كما ينبغي إعادة النظر في قواعد الملكية الفكرية بما يسمح للدول النامية باستخدام آليات استثنائية لإنتاج الأدوية في حالات الطوارئ الصحية، تحقيقاً للتوازن بين حماية الابتكار وضمان الحق في الحياة.
خاتمة: الصحة ليست سلعة… بل حق وسيادة
إن التحولات التي يعرفها النظام الصحي العالمي تكشف بوضوح أن الصحة لم تعد مجرد قطاع اجتماعي، بل أصبحت مجالاً للصراع الاقتصادي والسياسي الدولي. فسيطرة بعض المؤسسات واللوبيات الدوائية على السياسات الصحية أدت إلى مصادرة جزئية لحق الشعوب في تقرير سياساتها الصحية، ووضعها أمام حالة لا أمن صحي دائم.
ومن هنا، فإن الدفاع عن الحق في الصحة لم يعد يقتصر على تحسين الخدمات الطبية، بل أصبح معركة من أجل السيادة والعدالة الصحية العالمية. فالصحة ليست سلعة تخضع لقوانين السوق، بل هي حق إنساني أساسي وركيزة من ركائز السيادة الوطنية. وأي نظام صحي عالمي لا يضع هذا المبدأ في صلب أولوياته سيظل نظاماً غير عادل، يعمق اللامساواة ويهدد الأمن الصحي للشعوب بدل أن يحميه.