منذ سنوات، كانت المدرسة الفرنسية في المغرب تُباع لنا كقطعة فاخرة: تعليم راقٍ، مسار مضمون، لغة تفتح الأبواب، وبطاقة عبور إلى عالم “النخبة”. اليوم، يبدو أن القطعة نفسها ما تزال في الواجهة… لكن الفاتورة تضخّمت، والخدمة تقلّصت، والزبون — أي الأسرة — مطالب بالابتسام وهو يدفع.
الزيادات المتتالية في رسوم التمدرس، وإدخال أو تعميم رسوم تسجيل سنوية، لم تأتِ من فراغ. بل ترتبط مباشرة بضغط مالي متزايد داخل شبكة التعليم الفرنسي بالخارج، نتيجة عوامل معروفة ومُوثّقة: ارتفاع كلفة المعاشات المدنية للأساتذة الموفدين، اختلال التمويل العمومي، ومحاولات متكررة لإعادة التوازن عبر نقل العبء إلى المؤسسات… أي إلى الأسر. الأرقام المتداولة في المغرب — زيادات بالآلاف سنوياً للتلميذ الواحد، ورسوم تسجيل قد تبلغ عشرات آلاف الدراهم — ليست استثناءً، بل جزء من مسار عام.
الأخطر أن هذه الزيادات لا تترافق مع تحسن في جودة التدريس أو الخدمات. بل على العكس، تتزامن مع مؤشرات تراجع مقلقة: غياب تعويض الأساتذة، تقليص الخيارات، تضخم الأقسام، ضعف التكوين المستمر، وتآكل بعض المواد، بما فيها اللغة العربية. حين ترتفع الكلفة وتنخفض الجودة في آن واحد، فالمشكلة لم تعد مالية فقط، بل أزمة ثقة ونموذج.
وقمّة العبث تتجلّى حين تدخل إلى مؤسسات يُفترض أنها “فرنسية” بالهوية والرمزية، فلا تجد فيها أستاذاً فرنسياً واحداً. لا أحد يشكك في كفاءة الأساتذة المحليين — بل كثير منهم يحملون التجربة والاحترافية — لكن السؤال يبقى مشروعاً: ما الذي يبقى من “النموذج الفرنسي” حين تُستورد الرسوم وتُصدَّر الفاتورة، بينما تختفي الموارد البشرية التي كانت تمنحه مشروعيته الأصلية؟ يصبح الأمر شبيهاً بامتياز علامة تجارية بلا مصنع: لافتة فرنسية، برنامج مترجم، وأقساط تُدفع باليورو… لكن الواقع أقرب إلى مدرسة محلية تُدار باسم مستعار. هنا لا يتعلق الأمر باللغة، بل بالمصداقية: هل نشتري تعليماً فرنسياً فعلاً، أم مجرد ذكرى تسويقية من زمن آخر؟
والأطرف أن الأزمة تُقدَّم وكأنها حادثة محلية، بينما الحقيقة أنها مسلسل دولي طويل. في لبنان، مثلاً، لم يكتفِ النظام التعليمي الفرنسي برفع الأسعار، بل قرر أن يتحدث بالدولار مباشرة. وفي أماكن أخرى، تغيّرت الصيغة لكن الفكرة واحدة: حين تضيق الميزانية في باريس، يضيق الفصل الدراسي في الخارج. المغرب ليس استثناءً، بل مجرد حلقة أخرى في سلسلة “تدويل العجز”.
لكن لا بأس، لأن الخطاب الرسمي ما يزال يحدّثنا عن “التميز” و”الإشعاع”. إشعاعٌ يشبه مصباحاً قديماً: كلما ضعفت الإضاءة، طلبوا منك شراء بطارية أغلى. الأساتذة يُغيبون دون تعويض، الخيارات تُغلق بهدوء، الأقسام تكبر، والتكوينات تُنظم أثناء الدروس… ومع ذلك يُطلب من الأسر أن تؤمن بأن كل شيء يسير نحو الأفضل. ربما لأن التفاؤل — مثل اللغة الفرنسية — مادة إلزامية.
الحقيقة أن التعاطف مع بعض أولياء الأمور أصبح صعباً. ليس لأنهم مخطئون في غضبهم، بل لأنهم يستمرون في لعب دور الزبون المخلص في متجر يعلن “تصفية كبرى” منذ سنوات. كرامتهم تُستنزف في الاجتماعات، أبناؤهم يُحتجزون داخل مسار لا رجعة فيه، وجيوبهم تتحمل عبء نظام تعليمي في سقوط حر. التعاطف لا يكون مع من يواصل الدفع رغم اختلال العقد، بل مع من يُجبر على ذلك لاعتقاده — أو إيهامه — أن “لا بديل”. والحال أن البدائل الوطنية موجودة، وتتطور، وتثبت سنة بعد أخرى أن الجودة ليست حكراً على لغة أو راية أجنبية..
الاستمرار في تمويل نموذج متراجع، فقط خوفاً من الخروج من المسار، هو شكل من الاحتجاز التعليمي الناعم. اقتصادياً، هذا وضع احتكاري: كلفة التحول مرتفعة، والخطاب التخويفي حاضر، بينما الواقع تغيّر. لا يمكن لأسر واعية أن تقبل معادلة مفادها: ادفع أكثر… واحصل على أقل… وانتظر الأفضل غداً.
ويبقى استلاب بعض الأسر التي تصرّ على هذا المسار لغزاً يصعب تفسيره بمنطق العقل وحده. فقد أثبتت المدرسة الوطنية، بشقيها العمومي والخاص، أنها قادرة — رغم كل ما يقال عنها — على ابتكار نموذج تعليمي متماسك ومتجدد، منفتح على اللغات والمعارف الحديثة. نعم، لسنا راضين عنه تماماً، لكن المقارنة لم تعد كما كانت قبل عقدين. اليوم، هناك مؤسسات وطنية تُدرّس بصرامة أكاديمية وتُخرّج تلاميذ ينافسون — بل يتفوّقون — على نظرائهم في البعثات الفرنسية، حتى في لغة موليير نفسها. ومع ذلك، ما تزال بعض الأسر أسيرة وهم التفوق المستورد، تدفع بثقة عمياء نحو نموذج يتآكل أمام أعينها؛ تاهوا بين وهم الامتياز واستنزاف الجيوب، فلا الجودة تحققت كما وُعدوا، ولا الكلفة توقفت كما تمنّوا، وبقي الحنين إلى العلامة الأجنبية أقوى من الاعتراف بأن البديل المحلي لم يعد مجرد خيار ثانوي، بل واقعاً يُفرض بإنجازاته لا بشعاراته.
ما وراء الرسوم والحكامة ليس مجرد أزمة تدبير، بل اختلالٌ وجودي يضرب صميم الوعي ويعيد تشكيل نظرة المتعلم إلى ذاته وثقافته. خللٌ يمسّ بنية الوعي قبل بنية المدرسة. فهذه البعثات التعليمية لا تكتفي بتلقين لغةٍ أو برنامج، بل تُرسِّخ لدى بعض المتعلمين شعوراً خفياً بالدونية تجاه ثقافتهم الأصلية، وتزرع في المقابل افتتاناً شبه غريزي بالثقافة الوافدة. ينشأ التلميذ وهو ينظر إلى مجتمعه من علٍ، متوهماً أنه ينتمي إلى فضاءٍ أرقى، قبل أن يكتشف — عند وصوله إلى المتروبول التي طالما قُدِّمت له بوصفها الأفق النهائي — أنه ليس سوى عابرٍ في منطقة انتظار حضارية. هناك، وبعد سنوات من السعي المحموم للاندماج في لغةٍ وهويةٍ ليستا له، يُعاد دفعه بقسوة نحو جذورٍ كان قد تعلّم التنكّر لها، دون أن يُمنح اعترافاً كاملاً من العالم الذي ظنّ أنه أصبح جزءاً منه. هكذا يُصنع جيلٌ معلّق بين ضفتين: لا هو متجذّر هنا كما ينبغي، ولا هو مُعترف به هناك كما وُعِد.
و الغريب أنه منذ سنوات، لم يترك لنا بعض “منظّري السيادة” دقيقة هدوء. خطبٌ نارية، بيانات رنّانة، وقصائد حماسية عن التفوق الوطني الذي يختزلونه في القفطان والكسكس والملحون، وكأن الأمة تُبنى بالأقمشة والأطباق لا بالأفكار والعقول. يتحدثون عن الاستقلال وكأنه معرض تراثي متنقل، يرفعون شعار الإنتاج المحلي حين يتعلق الأمر بالمنتجات الاستهلاكية، لكنهم يصمتون فجأة حين يصل النقاش إلى التعليم واللغة والمعرفة. هناك، تختفي السيادة، وتتحول إلى همس خجول أو تبرير مرتبك، وكأن الاستقلال مشروع جزئي يُطبّق على المائدة لا في المدرسة.
المفارقة الساخرة أن هؤلاء أنفسهم يغضّون الطرف عن جوهر السيادة الحقيقي: السيادة الثقافية والاستقلال اللغوي. فاللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل أداة إنتاج للمعنى، ومفتاح للابتكار، وشرط لامتلاك القرار. كيف نتحدث عن اقتصاد سيادي بينما عقولنا تتلقى المعرفة بلغة الآخرين، وتبحث عن الاعتراف خارج ذاتها؟ السيادة ليست قصيدة تُلقى في مهرجان، بل منظومة فكرية تُبنى في الصفوف الدراسية والمختبرات. ومن لا يملك لغته وثقافته، لا يملك مشروعه… مهما كثرت الصور في حملات التسويق.
لكن الأهم من كل ذلك هو فهم أن هذه الأزمة ليست تقنية ولا ظرفية. إنها أزمة بنيوية مرتبطة بتراجع التأثير الثقافي الفرنسي نفسه. فرنسا لم تعد قادرة اقتصادياً على تمويل إشعاعها كما في السابق، فاختارت — بوعي أو بدونه — تحويل الإشعاع إلى نشاط مدفوع بالكامل. وحين يتحول المشروع الثقافي إلى فاتورة، يفقد معناه. التأثير لا يُشترى، واللغة لا تُفرض بالأسعار، والهيبة لا تُموَّل عبر رسوم تسجيل.
والبدائل موجودة. نعم، موجودة، لكنها لا تحمل ذلك البريق الرمزي الذي يجعل بعض الأسر تفضّل دفع ثمن الأسطورة على اختبار الواقع. هنا يكمن جوهر الأزمة: ليست فقط أزمة رسوم، بل أزمة هيمنة ثقافية تتراجع تحت ضغط الاقتصاد. فرنسا لم تعد قادرة على تمويل إشعاعها كما في السابق، فحوّلت المدرسة إلى نشاط مدفوع بالكامل. حين يتحول المشروع الثقافي إلى فاتورة شهرية، يصبح السؤال مشروعاً: هل ما نشتريه تعليماً… أم حنيناً؟
نحن أمام لحظة تاريخية فاصلة: آن الأوان للخروج من التبعية الذهنية، لا فقط من التبعية التعليمية. الاستقلال الحقيقي لا يُقاس بعدد الأعلام، بل بالقدرة على الاعتزاز بلغتنا، وبناء نموذج تعليمي جيد خاص بنا: منفتح، متعدد اللغات، صارم أكاديمياً، مرتبط بسوق الشغل، ومتجذر ثقافياً. نموذج لا يطلب من الأسرة أن تختار بين الجودة والكرامة، ولا يضع اللغة الأجنبية في موقع التفوق الرمزي الدائم.
بل أكثر من ذلك: لماذا لا نفكر في تصدير هذا النموذج؟ المغرب راكم تجربة تنظيمية وبشرية وبيداغوجية حقيقية. وإذا كان الآخرون يراجعون نماذجهم تحت ضغط الاقتصاد، فهذه فرصة لنا لا للانكفاء، بل للبناء بثقة. التعليم ليس مجرد خدمة، بل أداة سيادة، ورافعة تأثير، واستثمار طويل الأمد.
الخلاصة بسيطة وإن كانت غير مريحة: التعليم الفرنسي بالخارج لم يعد ما كان عليه، والأزمة ليست معزولة، ولا مؤقتة، ولا قابلة للحل عبر زيادات إضافية. من يواصل الدفع دون مساءلة يموّل السقوط. ومن يبحث عن بدائل لا يخون أحداً، بل يستعيد حقه في الاختيار. وفي زمن التحولات الكبرى، لا تُبنى النهضة التعليمية بالحنين، بل بالجرأة.
حكايتان حقيقيتان تختصران عمق الأزمة أكثر من ألف تقرير رسمي. الأولى عن تلك السيدة التي استنزفت سنواتٍ طويلة من أقساط البعثات الأجنبية ومدخرات والديها، مقتنعة أن الطريق مفروشٌ بامتيازات مهنية لا تُضاهى. لكنها حين ولجت سوق الشغل في أحد أكبر الأبناك، اكتشفت ببرودة الواقع أن سيرتها الدراسية لم تمنحها أي أفضلية تُذكر: لا عند التوظيف ولا عند الترقية. هناك، حيث تُقاس الكفاءة بالمهارة لا باللغة، سقط وهم التفوق المستورد، وبقيت فقط فاتورة سنواتٍ طويلة من الاستثمار العاطفي والمالي في “علامة” لم تعد تفتح الأبواب كما كان يُروَّج.
أما الحكاية الثانية فهي أشد قسوة: أبٌ مكلوم ظن أنه وجد المعادلة السحرية بين تربية مغربية أصيلة وانفتاح عالمي عبر البعثات الأجنبية، ليصحو بعد سنوات على مفارقة موجعة. ابنه لم يعد يشبه البيت الذي نشأ فيه، يعامله ببرودةٍ مستوردة كأنها نسخة رديئة من علاقة فرنسية متخيَّلة، وفي المقابل لم يحصل حتى على المسار الأكاديمي اللامع الذي وُعد به، بل انتهى به المطاف في مدرسة هامشية داخل مدينة فرنسية لا يعرفها حتى الفرنسيون. بين فقدان الجذور وضياع الوعد الأكاديمي، اكتشف الأب متأخراً أن الانفتاح لا يعني الاستلاب، وأن الطريق إلى العالم لا يمر دائماً عبر بوابة واحدة مهما بدا بريقها قوياً.
نبيل عادل، أستاذ باحث في الاقتصاد والعلاقات الدولية
عضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية