mardi 17 février 2026
جالية

الصادق العثماني: رمضان في البرازيل بين وحدة الصيام واستقلال الرؤية: رحلة البحث عن الانسجام الديني في بلاد المهجر

الصادق العثماني: رمضان في البرازيل بين وحدة الصيام واستقلال الرؤية: رحلة البحث عن الانسجام الديني في بلاد المهجر الصادق العثماني، أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية

يحلّ شهر رمضان المبارك كل عام على المسلمين في البرازيل محمّلًا بمعانٍ روحية عميقة، ومشاعر إيمانية خاصة، تمتزج فيها العبادة بالهوية والانتماء، والتقاليد بالمواطنة. وفي بلد قاريّ المساحة، متعدّد الثقافات، يغلب عليه الطابع المسيحي، يعيش المسلمون تجربة فريدة في استقبال هذا الشهر الكريم، تختلف في كثير من تفاصيلها عن التجربة في البلدان الإسلامية، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة مراقبة هلال رمضان وتحديد بدايته ونهايته.


يتكوّن المجتمع الإسلامي في البرازيل من فسيفساء بشرية وثقافية متنوّعة، تضم مهاجرين وأحفاد مهاجرين من دول عربية وإسلامية مختلفة، إلى جانب برازيليين اعتنقوا الإسلام. وقد جاء معظم المسلمين الأوائل من لبنان وسوريا وفلسطين ومصر والمغرب، حاملين معهم مرجعياتهم الدينية، وتقاليدهم الفقهية، وأنماط تدينهم المرتبطة بأوطانهم الأصلية. هذا التنوع أغنى الحضور الإسلامي في البلاد، لكنه في الوقت نفسه أفرز تحديات تنظيمية، كان من أبرزها مسألة إعلان دخول شهر رمضان.


على مدى سنوات طويلة، لم يكن للمسلمين في البرازيل مرجعية موحدة في تحديد بداية الصيام ونهايته. فكل جالية كانت ترتبط بالمؤسسة الدينية في بلدها الأم، وتنتظر إعلانها الرسمي لرؤية الهلال. فالجالية اللبنانية، مثلًا، كانت تعتمد على ما تصدره دار الفتوى اللبنانية، بينما كان المصريون والسوريون والمغاربة يتبعون مؤسسات بلدانهم، وتتبنّى جاليات أخرى دولًا مختلفة في تحري الهلال. ونتيجة لذلك، لم يكن من الغريب أن يبدأ بعض المسلمين الصيام يومًا قبل غيرهم، أو أن يحتفل البعض بعيد الفطر بينما لا يزال آخرون صائمين.


هذا التباين لم يكن مجرد مسألة فقهية داخلية، بل كانت له انعكاسات اجتماعية وإعلامية واضحة. فقد سبّب ارتباكًا داخل الأسر، وخلق حرجًا في أماكن العمل والمدارس، وأضعف من قدرة المساجد والمراكز الإسلامية على تنظيم أنشطتها بشكل موحّد. كما لاحظ المسلمون أن المجتمع البرازيلي، ووسائل الإعلام المحلية، ينظرون باستغراب إلى هذا الاختلاف، ويعتبرونه دليلًا على غياب التنظيم والانقسام الداخلي، ما أثّر سلبًا على صورة الجالية في بعض الأحيان.


أمام هذا الواقع، برزت الحاجة الملحّة إلى توحيد المرجعية الدينية، خصوصًا في القضايا الجماعية الكبرى مثل الصيام والعيد. وهنا لعبت رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية  والمجلس الأعلى للأئمة والشؤون الإسلامية في البرازيل دورًا محوريًا في لمّ الشمل، وفتح حوار واسع بين العلماء والأئمة وممثلي الجاليات المختلفة. وبعد نقاشات طويلة ومداولات فقهية وتنظيمية، تم التوافق على اعتماد رؤية المملكة العربية السعودية لتحديد بداية رمضان ونهايته.


لم يكن هذا القرار اعتباطيًا، بل استند إلى اعتبارات متعددة، من بينها المكانة الدينية للسعودية بوصفها بلد الحرمين الشريفين، وامتلاكها مؤسسات رسمية مختصة برصد الهلال، إضافة إلى رغبة الجالية في تجاوز حالة الانقسام وتقديم صورة موحّدة ومتوازنة عن الإسلام في البرازيل. ومنذ اعتماد هذا الخيار، دخل المسلمون في مرحلة جديدة من الاستقرار والانسجام، حيث أصبحوا يصومون ويفطرون في يوم واحد، وتنظم المساجد أنشطتها بشكل موحد، وتُقام صلاة العيد في أجواء جامعة تعكس روح الأخوة.


وقد انعكس هذا التوحيد إيجابيًا على مختلف جوانب الحياة الدينية والاجتماعية. فقد تعززت الثقة في المؤسسات الإسلامية، وتقوّت العلاقات بين الجاليات، وتطورت البرامج الرمضانية المشتركة، من موائد إفطار جماعية، ودروس دينية، وأنشطة خيرية، وحملات تضامن اجتماعي. كما تحسّنت صورة المسلمين لدى المجتمع البرازيلي، وأصبح رمضان مناسبة للتعريف بالإسلام وقيمه، بدل أن يكون مصدرًا للأسئلة والالتباس.


غير أن هذا الاستقرار لم يمنع ظهور نقاشات جديدة في السنوات الأخيرة، تتعلق بإمكانية انتقال الجالية من مرحلة “الاتباع الخارجي” إلى مرحلة “الاستقلال المحلي” في مسألة رؤية الهلال. فقد بدأ عدد من العلماء والمثقفين المسلمين في البرازيل يطرحون سؤالًا جوهريًا: لماذا لا نرصد الهلال في بلادنا، ونحن نعيش في دولة متقدمة علميًا، تمتلك مؤسسات فلكية حديثة، ولا تضع أي قيود على العمل الديني؟


تستند هذه الدعوة إلى واقع علمي ملموس، يتمثل في تطور البنية التحتية الفلكية في البرازيل، ووجود مراكز بحثية متخصصة، من أبرزها Instituto Nacional de Pesquisas Espaciais، الذي يصدر تقارير دقيقة حول حركة القمر، ومواعيد الاقتران، وإمكانية رؤية الهلال. وتؤكد هذه المؤسسات استعدادها للتعاون مع مختلف مكونات المجتمع، بما فيها الجالية المسلمة، في إطار البحث العلمي وخدمة الصالح العام.


ويرى أنصار هذا التوجه أن الاعتماد على المعطيات الفلكية لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية، بل يمكن أن يكون أداة مساعدة للرؤية البصرية، خاصة في بلد واسع المساحة ومتنوّع المناخ مثل البرازيل. ويستشهدون في ذلك بالحديث النبوي الشريف: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين”، معتبرين أن المقصود هو التثبت من دخول الشهر، سواء بالرؤية المباشرة أو بالوسائل العلمية الموثوقة التي تساعد على تحقيق هذا الهدف.


كما يشير هؤلاء إلى أن تأسيس تجربة محلية لرصد الهلال قد يعزز من استقلالية الجالية، ويقوّي شعورها بالانتماء، ويمنحها قدرة أكبر على إدارة شؤونها الدينية وفق واقعها الجغرافي والزمني. فالبرازيل تقع في نصف الكرة الجنوبي، وتختلف أفقها ومواقيتها عن الشرق الأوسط، ما يجعل الاعتماد المطلق على دول بعيدة جغرافيًا محل نقاش فقهي وعلمي.


في المقابل، يعبّر عدد من العلماء وقادة المؤسسات الإسلامية عن تخوفهم من أن يؤدي الانتقال غير المدروس إلى الرؤية المحلية إلى عودة الخلافات القديمة، خاصة في ظل التعدد المذهبي، واختلاف المناهج الفقهية، وتفاوت مستويات التأهيل العلمي. ولذلك يشددون على أن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تتم في إطار جماعي، وتحت إشراف هيئة وطنية تضم فقهاء وفلكيين وخبراء، وتعمل بشفافية كاملة، حتى تحظى بثقة الجميع.


وتُطرح في هذا السياق فكرة إنشاء لجنة وطنية دائمة لرؤية الهلال، تكون مهمتها التنسيق مع المراصد، وتنظيم عمليات الرصد، ودراسة المعطيات العلمية، وإصدار قرار موحد ملزم لكافة المساجد والمؤسسات. ويُنظر إلى هذا المشروع باعتباره خطوة طبيعية في مسار نضج الجالية وتطورها المؤسسي.


وسط هذه النقاشات، يظل رمضان في البرازيل أكثر من مجرد شهر للصيام والعبادة. إنه موسم للتقارب الاجتماعي، والانفتاح الثقافي، والعمل الإنساني. ففي هذا الشهر، تفتح المساجد أبوابها لغير المسلمين، وتنظم موائد إفطار مفتوحة، ولقاءات تعريفية بالإسلام، وحملات لدعم الفقراء والمحتاجين، ما يجعل من رمضان جسرًا للحوار والتعايش في مجتمع متعدد الأديان والثقافات.


لقد مرّ المسلمون في البرازيل بتجربة طويلة في مسألة رؤية الهلال، انتقلوا فيها من التعدد والاختلاف، إلى الوحدة والتنظيم، ثم إلى التفكير في الاستقلال المسؤول. وهي تجربة تعكس نضج الجالية، وقدرتها على التكيف مع محيطها، دون التفريط في ثوابتها الدينية.


واليوم، تقف الجالية المسلمة أمام مرحلة جديدة، تتطلب حكمة وتوافقًا، حتى تتمكن من الجمع بين متطلبات الوحدة، ومقتضيات العلم، وروح الشريعة. وإذا ما نجحت في بناء نموذج برازيلي متوازن لرؤية الهلال، فإنها لن تخدم أبناءها فحسب، بل ستقدم مثالًا ملهمًا لمسلمي المهجر في مختلف أنحاء العالم، حول كيفية التوفيق بين الانتماء الديني والمواطنة الفاعلة، وبين الأصالة والحداثة، في عالم سريع التغير .

 

 

الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية