ربما نحن اليوم في حاجة إلى إعادة التفكير في علم السياسة ذاته، أو على الأقل في صلاحيته لتفسير تحولات الفعل السياسي في السياق المغربي. فالنماذج النظرية الكلاسيكية، كما بلورها مثلاً ماكس فيبر، قامت على التمييز الجوهري بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية، وعلى فهم الفعل السياسي باعتباره مجالاً للتنافس المشروع حول السلطة وفق قواعد عقلانية مؤسساتية. غير أن واقعنا يشي بانفصال متزايد بين ما يُدرّس داخل الجامعات، وما يُمارَس في الحقل الانتخابي.
فالانتخابات اليوم تُدار بمنطق براغماتي محض، حيث تتحول الكفاءة الانتخابية إلى قدرة على تجميع الأصوات، لا إلى قدرة على إنتاج المعنى السياسي أو تأطير المواطنين حول مشاريع مجتمعية واضحة. هنا يظهر الفرق بين نخب الأحزاب ونخب الانتخابات:
نخب الأحزاب: يفترض فيها إنتاج الرؤية، التأطير، النقاش العمومي، وتكوين الأجيال السياسية.
نخب الانتخابات: وظيفتها الأساسية تعبئة الحشود، تدبير الحملات، وضمان أكبر عدد ممكن من الأصوات، بما يترتب عن ذلك من تموقع داخل المؤسسات المنتخبة.
في هذا السياق، تتراجع النخب الحزبية إلى الخلف، أو تكتفي بتنشيط لقاءات شبابية ونسائية، أو بالدفاع عن القيادات عند اشتداد النقد. بينما تتصدر المشهد نخبٌ انتخابية تُقاس شرعيتها بعدد المقاعد لا بعمق المشروع.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام معيارية، ولا نملك معطيات بحثية ميدانية كافية للحسم في الأمر. فالمقصود، كما أكدنا منذ انطلاق حواراتنا المفتوحة مع الأحزاب والرأي العام، هو الإسهام الإيجابي في دعم شروط العمل السياسي من منظور المواطنة المدنية والتجربة الميدانية.
إن ما نطمح إليه هو خلق مساحة للفاعل النقدي، بالمعنى الذي أشار إليه كل من جان بول سارتر وبيير بورديو، أي الفاعل القادر على مساءلة البنيات القائمة دون الارتهان لها، وكذلك استحضار تصور حنة آرنت للفعل السياسي بوصفه مجالاً للظهور العمومي والمشاركة الحرة.
فلكل فاعل دوره داخل المجتمع، شرط أن يكون تقسيم العمل السياسي إفرازاً موضوعياً لتحولات المجتمع، لا صناعة مُدبَّرة من فوق.
للأسف، يبدو أن الزمن السياسي لا يمنحنا اليوم ترف إعادة فرز نخب حزبية قادرة على قيادة الانتخابات المقبلة برؤية استراتيجية، بدل الاكتفاء بنخب انتخابية تسعى أساساً إلى ضمان تموقع مؤسساتي، سواء عبر فريق برلماني أو مشاركة حكومية.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن بلادنا قد راكمت نجاحات معتبرة في تدبير عدد من المحطات الوطنية الكبرى، بشهادة أوراش إصلاحية تحظى بتقدير واسع. غير أن استدامة هذا المسار تقتضي تجديد النخب على أساس الكفاءة السياسية، لا فقط القدرة التعبوية.
إن رؤية “الطريق الرابع" للمواطنة، ليست بديلاً عن المسار الديمقراطي، بل دعماً له وتعميقاً لمكاسبه، في أفق الانتقال نحو نموذج تنموي يقوم على:
+ العدالة الضريبية
+ العدالة الاجتماعية
+ المساواة
+ دمقرطة المشاركة وتداول المسؤولية
فالسؤال لم يعد فقط: من يفوز في الانتخابات؟
بل: أي نخب نريد لتأطير المجتمع وصناعة مغرب المستقبل؟
يتبع
المصطفى المريزق
فاعل مدني، مؤسس الطريق الرابع