"الرياضة حرب بلا رصاص" - هكذا وصف الكاتب البريطاني جورج أورويل كرة القدم في منتصف القرن الماضي. لم يكن أورويل يعلم أن عبارته ستتحول إلى نبوءة تتجسد بوضوح في قلب واشنطن، حيث يحوّل دونالد ترامب كأس العالم 2026 إلى منصة دعائية ضخمة لأجندته السياسية.
كانت كرة القدم تُلقّب بـ"اللعبة الجميلة" - تلك التي توحد الشعوب وتمحو الحدود. لكن في عهد ترامب، لم تعد اللعبة جميلة بالمعنى الإنساني، بل أصبحت "لعبة ترامب الجميلة" - أداة سياسية يستخدمها لتحقيق مكاسبه الجيوسياسية وتعزيز نفوذه العالمي. ما كان رمزاً للسلام تحوّل إلى سلاح في حرب بلا رصاص.
حفل القرعة: مسرح سياسي بامتياز
شهد العالم كيف استغل ترامب حفل قرعة كأس العالم 2026 الذي أُقيم في مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية في واشنطن العاصمة. حضر الحفل قادة أمريكا الشمالية الثلاثة - ترامب، وكارني من كندا، وشينباوم من المكسيك - في استعراض للوحدة القارية. لكن من بين الثلاثة، كان ترامب نجم الحفل بلا منازع. فقد شهد الحدث تتويجه بجائزة السلام من الفيفا، وهي المرة الأولى التي تُمنح فيها هذه الجائزة على الإطلاق.
جاءت الجائزة بعد فشل ترامب في الفوز بجائزة نوبل للسلام، التي ذهبت لصالح زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو. التوقيت لم يكن مصادفة: أنشأت الفيفا جائزة السلام الخاصة بها - قبل حوالي شهر من القرعة - كهدية تعويضية للرئيس الأمريكي بعد خسارته جائزة نوبل.
ترامب وإنفانتينو: أي علاقة؟
لم تكن هذه المرة الأولى التي يمدح فيها رئيس الفيفا جياني إنفانتينو دونالد ترامب. بدأت هذه العلاقة الحميمة عام 2018 عندما تم الإعلان عن استضافة الولايات المتحدة وكندا والمكسيك لكأس العالم 2026. ووفقاً لباسكال بونيفاس، خبير في مجال الجيوسياسة، فقد منحت الفيفا شرف الاستضافة لهذه الدول الثلاث ليس لأغراض تجارية فحسب، بل لأسباب سياسية أيضاً - أبرزها إسكات تحقيقات مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) في ملفات الفساد داخل الفيفا.
في مشهد لخّص استراتيجية ترامب في تسخير الرياضة لتحقيق مكاسب سياسية، بدا حفل سحب القرعة في مركز كينيدي أشبه بتجمع انتخابي لترامب منه بحدث رياضي دولي. قدمت فرقة "ذا فيليدج بيبول" عرضاً حياً على المسرح أمام ممثلي 211 اتحاداً لكرة القدم من جميع أنحاء العالم، مؤدية أغنية "Y.M.C.A" - النشيد غير الرسمي لحملات ترامب الانتخابية. لم يكن هذا قراراً عفوياً، بل رسالة واضحة: حتى المنصات الرياضية التي تدّعي الحياد السياسي أصبحت في قبضة ترامب. ورغم أن الحفل كان يُفترض أن يكون احتفالاً بكرة القدم، إلا أنه تحول إلى عرض صارخ للقوة السياسية الأمريكية.
يدري د.ترامب جيدا عن القيمة الرمزية التي يحظى بها الاتحاد الدولي لكرة القدم. نضرب على سبيل المثال ، أن الفيفا تضم 211 اتحادا وطنيا، في حين أن الأمم المتحدة تضم فقط 193 دولة. ربما هذا يفسر العلاقة التي تجمع بين الرئيس الامريكي و جاني انفانتينو.
توقيت حساس وصراعات متصاعدة
جاءت القرعة في توقيت بالغ الحساسية: ترامب يخوض صراعات مع دول أمريكا اللاتينية حول سياسات الترحيل والهجرة، ويهدد بالسيطرة العسكرية على قناة بنما وغرينلاند، ويفرض قيوداً على السفر تطال أكثر من 30 دولة - بعضها تأهل لكأس العالم ذاته.
لم نشهد في هذا الحفل مجرد حدث رياضي تسللت إليه السياسة، بل مثالاً صارخاً على تحويل الرياضة إلى أداة جيوسياسية. عندما تصبح ملاعب كرة القدم منصات لمنح جوائز سلام مشكوك فيها، وتتحول احتفالات كرة القدم إلى مهرجانات سياسية على طراز ترامب، فإن ذلك يشير إلى تحول خطير في العلاقة بين الرياضة والسلطة. لم يكتفِ ترامب بحضور الحفل أو رعايته، بل استغل شغف مليارات مشجعي كرة القدم للترويج لأجندته السياسية ونفوذه الدولي، محولاً البطولة إلى مسرح لعلامته التجارية الشخصية.
تهديدات بالمقاطعة
يأتي مونديال 2026 في سياق سياسي معقد، حيث تتصاعد تهديدات بعض الدول المشاركة (ألمانيا، بلجيكا،...) بمقاطعة البطولة.
في مقابلة مع صحيفة "بيلد"، أشار السياسي الألماني يورغن هاردت - عضو الاتحاد الديمقراطي المسيحي وشخصية مقربة من المستشار فريدريش ميرتس - إلى إجراء من شأنه أن يضع الفيفا في موقف لا تُحسد عليه: "لن يتم النظر في المقاطعة إلا كحل أخير لجعل الرئيس ترامب يعيد النظر في مسألة غرينلاند". لا يزال هاردت يثق في التوصل إلى حل دبلوماسي، لكنه لا يستبعد الضغط الرمزي الذي قد تمثله مقاطعة البطولة.
التهديد ليس بالهيّن: ألمانيا، حاملة لقب البطولة أربع مرات (1954، 1974، 1990، 2014)، واحدة من أعرق المنتخبات في العالم، وعنصر أساسي في نجاح أي نسخة من كأس العالم على الصعيدين الرياضي والاقتصادي. وبهذا قد تواجه الفيفا، بقيادة جياني إنفانتينو ودعمها المعتاد لترامب، معضلة كبرى إذا تحولت هذه التهديدات من كلام إلى أفعال.
التاريخ يعيد نفسه
تاريخياً، لطالما كانت بطولة كأس العالم رمزاً قوياً للصراعات والدعاية السياسية. على سبيل المثال، سوّق موسوليني فوز إيطاليا بنسخة 1934 على أنه ليس فوزاً لإيطاليا فقط، بل للحركة الفاشية أيضاً.
السؤال الآن: إذا كانت الفيفا - المنظمة التي لطالما افتخرت بحيادها السياسي - قد استسلمت بهذه السهولة للرئيس الأمريكي، فماذا يمكن أن نتوقع من بطولة كأس العالم 2026 نفسها؟ هل سنشاهد بطولة كرة قدم أم منصة دعائية عملاقة لدونالد ترامب وسياساته؟ قد تكون الإجابة أكثر إثارة للقلق مما نتصور، خاصة عندما ندرك أن الرجل الذي يرقص على أنغام "Y.M.C.A" في تجمعاته الانتخابية أصبح الآن يمسك بزمام أكبر حدث رياضي على وجه الأرض.
ياسر أزيار
إعلامي رياضي وباحث في الجيوبوليتيك و الرياضة.