يثير مقال المستشار الدكتور حسن بن ثابت، وهو قاضٍ يشغل موقعا دستوريًا حساسًا، نقاشًا يتجاوز حدود الرأي إلى سؤال الذاكرة المؤسساتية داخل منظومة العدالة. فقبل الخوض في مقترحات تقييد عمل المحامي أو إعادة رسم حدود دوره، يجدر التذكير بحقيقة أساسية: المحامون كانوا، تاريخيًا وعمليًا، في طليعة المدافعين عن استقلال القضاء نفسه، في مراحل دقيقة لم يكن فيها هذا الاستقلال مضمونًا ولا محميًا كما هو اليوم.
لقد وقف المحامون، عبر هيئاتهم وتنظيماتهم ومواقفهم العلنية، في صف قضاء مستقل ونزيه، ودافعوا عن القضاة حين تعرّضوا للضغط أو التهميش، وناصروا مبدأ فصل السلط، وتحملوا كلفة هذا الموقف مهنيًا وسياسيًا. ولم يكن ذلك دفاعًا عن امتيازات، بل عن عدالة متوازنة لا يستقيم فيها القضاء دون دفاع قوي ومستقل.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تحديد حد أقصى لعدد القضايا التي يباشرها المحامي، حين تصدر عن قاضٍ، تثير مفارقة مؤلمة: كيف يُطالَب المحامي بالتقليص والتقييد، وهو الذي دافع عن استقلال السلطة التي يُخاطَب منها اليوم؟
إن هذا المقترح لا يمس فقط حرية الممارسة، بل يُفرغ مبدأ الاستقلال المهني من محتواه، ويحوّل المحامي إلى فاعل خاضع لمنطق الضبط، بدل كونه شريكًا متكافئًا في إقامة العدل.
كما أن طرح إمكانية الاستغناء عن المحامي بدعوى كفاءة صاحب المصلحة القانونية، أو التخفيف من إلزامية الدفاع، يتجاهل أن حضور المحامي لم يكن يومًا عبئًا على العدالة، بل كان – ولا يزال – خط الدفاع الأول عن حقوق المتقاضين وعن مشروعية الأحكام نفسها. فكم من اجتهاد قضائي راقٍ كان ثمرة مرافعات جريئة، وكم من خطأ قضائي تم تداركه بفضل دفاع يقظ؟
إن التذكير بالتخصص وجودة الأداء لا يجب أن يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج نظرة وظيفية ضيقة للمحاماة، تتجاهل بعدها الحقوقي والنضالي. فالمحامي ليس مجرد “مُقدّم خدمة قانونية”، بل فاعل في حماية الحقوق والحريات، وضامن لتوازن الخصومة، وسند تاريخي لاستقلال القضاء.
إن إصلاح مهنة المحاماة لا يكون بنسيان ما قدمته للعدالة، ولا بتقييدها من داخل السلطة القضائية، بل بالاعتراف بدورها، وتعزيز استقلالها، واستحضار أن القضاء الذي يتمتع اليوم بضمانات دستورية، لم يصل إلى ذلك دون دفاع قوي وشجاع.
فمن دافع عن استقلال القضاء، لا يمكن أن يُكافأ بتقليص دوره.
جميلة السيوري/ محامية، الرئيسة السابقة لجمعية عدالة