mardi 10 février 2026
كتاب الرأي

عبد الصمد بن شريف: من مدريد تبدأ التسوية.. الحكم الذاتي خيار وحيد تحت رعاية أمريكية وغطاء أممي

عبد الصمد بن شريف: من مدريد تبدأ التسوية.. الحكم الذاتي خيار وحيد تحت رعاية أمريكية وغطاء أممي عبد الصمد بن شريف

إن الاكتفاء بتغريدة مقتضبة صادرة عن البعثة الدائمة للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة  ونشرها أيضا الموقع الرسمي لوزارة الخارجية الأمريكية،لا يمكن قراءته كتصريح بروتوكولي عابر، بل باعتباره رسالة سياسية وقانونية مركّبة. فصدور الإعلان من داخل الممثلية الأمريكية لدى المنظمة الأممية يؤكد بوضوح أن التحرك يتم تحت مظلة الأمم المتحدة ووفق مرجعيتها، بما يمنحه شرعية دولية صريحة وينفي عنه أي طابع ثنائي أو مبادرة موازية. كما أن الإشارة المباشرة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 (2025) تعني أن الحوار الجاري لا يهدف إلى إعادة فتح النقاش حول الأسس أو الخيارات، بل يندرج حصريًا في إطار تنفيذ مقتضيات هذا القرار.
وفي هذا السياق، يكتسي مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب خلال هذه المحادثات أهمية مركزية، باعتباره الخيار الوحيد المطروح للنقاش. فقد تقدم المغرب بوثيقة مفصلة من أربعين صفحة، تتضمن تصورًا مؤسسياً وقانونياً متكاملاً لتنزيل الحكم الذاتي في الأقاليم الجنوبية، يحدد بدقة توزيع الصلاحيات، وآليات الحكامة المحلية، وضمانات المشاركة الديمقراطية، والعلاقة بين السلطات المحلية والدولة المركزية، في انسجام مع المعايير الدولية المعتمدة في تسوية النزاعات الترابية. وتفيد المعطيات بأن الوفود المعنية ستطلع على هذه الوثيقة بشكل معمق قصد التفاعل معها وصياغة مواقفها وتصوراتها انطلاقًا منها، كما يجري التداول بشأن تشكيل لجنة من الخبراء لرسم خارطة طريق عملية لتفعيل الحكم الذاتي، بما ينقل النقاش من مستوى الشعارات السياسية إلى مستوى الهندسة المؤسساتية والتطبيق القانوني.
الحديث عن مشاركة وفود رفيعة المستوى يؤكد أن المسار دخل مرحلة القرار السياسي الفعلي، ولم يعد مجرد مشاورات تقنية أو جس نبض دبلوماسي. وهو ما يعكس جدية الأطراف واستعدادها للانتقال من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية مستدامة.
أما ترتيب ذكر الأطراف – المغرب، ثم جبهة البوليساريو، فالجزائر، فموريتانيا – فلا يبدو اعتباطياً. فالمعطيات السياسية توحي بأن الجزائر حرصت على ألا تظهر في مواجهة مباشرة مع المغرب، رغم كونها طرفًا أساسياً وفعليًا في النزاع، وهو ما يتماشى مع الخطاب الذي جدده وزير خارجيتها أحمد عطاف، في سياق تهيئة تدريجية للرأي العام الداخلي للانخراط في المحادثات دون الإقرار العلني بتغيير المواقف أو التنازل عن السرديات التقليدية.
وفي المقابل، فإن غياب أي تفصيل رسمي بشأن مضمون المحادثات يعكس رغبة واضحة في حماية المسار من التشويش الإعلامي أو التوظيف السياسي المبكر، خاصة وأن العملية لا تزال في بدايتها. كما يتيح هذا التكتم المدروس للوفود العودة إلى عواصمها للتشاور، ويؤكد في الوقت ذاته أن واشنطن لا ترغب في استخدام أوراق ضغط علنية قد تعطل دينامية التفاوض.
اختيار مدريد لاحتضان هذا المسار يحمل بدوره دلالة تاريخية وسياسية عميقة. فالعاصمة الإسبانية كانت سنة 1975 مسرحًا لتحول مفصلي في مسار قضية الصحراء، ومنها يُعاد اليوم إطلاق مسار البحث عن الحل النهائي. وإسبانيا، بوصفها القوة الاستعمارية السابقة، تتحمل مسؤولية تاريخية في تعثر تصفية الاستعمار، غير أن مركز الثقل الفعلي يبقى بيد الولايات المتحدة التي تضطلع بدور الراعي والضامن الحقيقي للمسار.
ويعزز هذا المعطى التحرك الدبلوماسي الإسباني الموازي، إذ استقبل وزير الخارجية الإسباني المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، قبل أن يستقبل بعد نحو ساعتين، وبشكل منفصل، وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة. هذه الاجتماعات المتتابعة، التي جرت بالتزامن مع المشاورات الرباعية المنعقدة تحت إشراف أمريكي في مقر السفارة الأمريكية بمدريد، تعكس تنسيقًا دقيقًا بين المسارين الأممي والدبلوماسي، وتؤكد أن إسبانيا تسعى إلى لعب دور داعم ومسهِّل، دون أن تزاحم الدور القيادي لواشنطن.
كما تكشف صياغة التغريدة الأمريكية عن توازن محسوب بين الفعل الأمريكي والغطاء الأممي؛ فذكر الولايات المتحدة أولاً ثم الأمم المتحدة يفيد بأن واشنطن هي الفاعل الأساسي، لكنها تتحرك ضمن الشرعية الدولية لتأمين القبول السياسي والقانوني الأوسع..كما  راجت أخبار لم يتم التأكد بعد من صحتها، أ أشارت إلى أن  اجتماعا  جرى  في مدريد بين دي ميستورا ووفد عن حركة "صحراويون من أجل السلام" الغريم القوي لجبهة البوليساريو .وهو ما يفهم منه على أنه تكريس لمبدأ مفاده أن البوليساريو لم تعد "الممثل الشرعي والوحيد" لسكان الصحراء
 ومن شأن هذه الخطوة أن ترفع منسوب الجدل  بخصوص تفرد البوليساريو بتمثيلها للصحراويين ووقد ينعكس سلبا على  موقفها في المفاوضات.
ومن منظور المصالح الجيوسياسية، تتصرف الولايات المتحدة وفق منطق براغماتي بعيد المدى. فالجزائر، بما تملكه من احتياطات استراتيجية من النفط والغاز والمعادن، تفرض مقاربة أمريكية قائمة على المرونة والاحتواء الناعم. في المقابل، يظل المغرب حليفًا استراتيجيًا وتاريخيًا، مؤهلاً لوجستيًا وجغرافيًا ليشكل منصة متقدمة للمصالح الأمريكية عبر الأطلسي، خاصة من خلال موانئه في الأقاليم الجنوبية، وفي مقدمتها الداخلة، بما تحمله من أهمية تجارية وأمنية وعسكرية متزايدة.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن المؤشرات الصادرة من داخل الكونغرس الأمريكي بشأن الدعوات إلى تصنيف جبهة البوليساريو ضمن لائحة التنظيمات الإرهابية، وهي ورقة ضغط قانونية وسياسية لا يمكن التقليل من دلالاتها. ومن المرجح أن الجزائر والبوليساريو قد استوعبتا الرسائل الضمنية التي تحملها هذه التحركات.
وأخيرًا، فإن إسناد البيان إلى بعثة واشنطن لدى الأمم المتحدة، وبصيغة شديدة الاقتضاب، يهدف إلى تثبيت حقيقة انعقاد المحادثات وقطع الطريق أمام أي تسريبات أو روايات متضاربة قد توظف الوقائع إعلاميًا بصورة مضللة. وهو ما يعكس إرادة أمريكية واضحة في التحكم في السردية الدولية ومنع أي طرف من التشويش أو خلق بلبلة دعائية.
تأسيسا على ماسبق،يمكن القول إن القطار قد انطلق فعلاً، وأن المسار دخل مرحلة عملية وجدية، تقودها واشنطن تحت المظلة الأممية، في توازن دقيق بين الشرعية الدولية وحسابات المصالح الاستراتيجية، وعلى أساس مرجعية واضحة وخيار وحيد مطروح للنقاش: الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية. وما يجري اليوم ليس مجرد لقاءات دبلوماسية، بل بداية هندسة سياسية وقانونية لتسوية نهائية لنزاع طال أمده.