جواو دوريا، نائب رئيس مجلس الإدارة لمجموعة «ليدج»، العمدة والحاكم السابق لولاية ساو باولو رفقة الزميل عبد الرحيم أريري
جواو دوريا João Doria، العمدة السابق لمدينة ساوباولو والحاكم السابق لولاية ساوباولو )الولاية الأكثر كثافة ديموغرافيا والأغنى ثروة) يعد من أبرز الشخصيات العمومية بالبرازيل، بالنظر إلى خطابه الواضح والفصيح بشأن موافقه القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية بالبرازيل، حيث أهله تمرسه في التواصل وعدائه للغة الخشب إلى إيصال رؤيته لأوسع فئة من الشعب البرازيلي.
«جواو دوريا» الذي كان مؤهلا لقيادة البرازيل في الانتخابات السابقة، سحب ترشيحه وابتعد عن العمل السياسي، بحيث تفرغ لأعماله التجارية والمالية.
في مكتبه بالشارع الراقي "فاريا ليما" Faria Lima، استقبل دوريا جريدة "الوطن الآن" وموقع " أنفاس بريس" التي خصهما بحوار تناول الشراكة المغربية البرازيلية وآفاق التعاون بين البلدين والمجالات الواعدة بالاستثمار، وكذا رؤيته لاحتضان المغرب لمونديال 0302.
من موقعك كحاكم سابق لولاية ساو باولو وأحد أبرز الفاعلين في المشهد الاقتصادي البرازيلي وأمريكا اللاتينية، كيف تقيّم المسار التاريخي للعلاقات التجارية بين البرازيل والمغرب؟ وبأي شكل يمكن لمجموعتكم الإسهام في توسيع وتعميق هذه العلاقة، لا سيما في ظل افتتاح وحدة "ليدج" الدولية في المغرب وتنظيم منتدى الأعمال البرازيلي–المغربي في مراكش خلال العام الماضي؟
يحتل كلٌّ من البرازيل والمغرب مواقع استراتيجية في التجارة الدولية، وتشكل هذه التكاملية رصيدًا مهمًا لتعزيز العلاقات الثنائية. فالبرازيل تُعد أحد أبرز الفاعلين داخل تكتل "ميركوسور" وفي أمريكا اللاتينية، بينما رسّخ المغرب مكانته كواحد من أكثر الاقتصادات استقرارًا وانفتاحًا في القارة الإفريقية، فضلًا عن دوره كجسر طبيعي يربط إفريقيا بأوروبا والعالم العربي. هذا التقارب يجعل العلاقات التجارية بين البلدين إيجابية ومتينة، وتتوفر على إمكانات كبيرة للتوسع والنمو.
في مجال التجارة والاستثمارات، ما القطاعات التي تبرز اليوم كفرص ملموسة لتعميق وتوسيع الشراكة بين البرازيل والمغرب؟
أرى فرصًا واضحة جدًا في قطاعات مثل الزراعة (الأعمال الزراعية)، والسياحة، واللوجستيك. ففي المجال الزراعي، يتركز في المغرب نحو 70% من الاحتياطي العالمي للفوسفاط، بينما تُعد البرازيل من أكبر منتجي الغذاء في العالم ومن كبار مستوردي الأسمدة، ما يجعل هذه العلاقة استراتيجية من منظور الأمن الغذائي.
أما في قطاع السياحة، فإن استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البرازيل والمغرب يهيئ بيئة جديدة لنمو حركة الأشخاص والاستثمارات والأعمال. وفي يوليوز من العام الماضي، وخلال منتدى ليدج البرازيل–المغرب الذي احتضنته مدينة مراكش، جرى نقاش هذه المحاور على نطاق واسع بمشاركة رجال أعمال ومسؤولين وقيادات من البلدين، وكانت الحصيلة إيجابية للغاية، تمثلت في تعزيز الحوار وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والاجتماعي
ويأتي افتتاح وحدة "ليدج" الدولية في المغرب، ومقرها الرباط، في السياق نفسه، بهدف تحفيز نقاشات نوعية وربط رجال الأعمال المغاربة والبرازيليين، وخلق مناخ من الثقة يشجع على تطوير الأعمال والابتكار وتحقيق نمو مستدام. ويتمثل دورنا في العمل كجسر دائم بين القطاعات الإنتاجية، وتحويل الاهتمام المشترك إلى مشاريع ملموسة
بصفتك مؤسسًا ونائبا لرئيس مجلس إدارة أكبر شبكة عالمية لقادة الأعمال "ليدج" كيف يمكن للدبلوماسية الاقتصادية والتجارية أن تعمل بشكل عملي على ربط الفاعلين الاقتصاديين المغاربة بنظرائهم البرازيليين، بعيدًا عن الأطر والبروتوكولات التقليدية؟
تُعد الدبلوماسية والحوار أدوات أساسية لتعزيز العلاقات، وتقليص الحواجز، ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعندما تُحسن ممارستها، تتجاوز الدبلوماسية الاقتصادية الإطار الشكلي والبروتوكولي لتتحول إلى وسيلة عملية للتقريب بين رجال الأعمال والمستثمرين والحكومات
وهنا يبرز دور "ليدج"، من خلال جمع قيادات من قطاعات ودول مختلفة في فضاء ملائم لتبادل الخبرات، وبناء الثقة وتحديد فرص حقيقية للأعمال. ومن خلال هذا الحوار المباشر، يصبح كل فاعل اقتصادي أكثر قدرة على فهم السياقات والتحديات، وكذلك إمكانات الاستثمار المتاحة
وقد أظهرت الفعالية التي نُظّمت في مراكش نتائج ملموسة لهذا النهج. فعلى سبيل المثال، أعلن المجمع الشريف للفوسفاط المغربي أن البرازيل تُعد من بين محاوره الرئيسية للتوسع الدولي. ويبرهن هذا النوع من المبادرات على أن اللقاءات المُحكمة التنظيم، مع مشاركة فاعلة للقطاع الخاص، قادرة على تسريع اتخاذ القرارات الاستراتيجية وإحداث تأثيرات حقيقية في الاقتصاد.
يراهن المغرب بشكل متزايد على السياحة كقطاع استراتيجي للتنمية والانفتاح الدولي. كيف تقيّم آفاق التعاون بين المغرب والبرازيل في مجال السياحة، سواء على مستوى الاستثمارات أو تبادل الخبرات أو الترويج المشترك بين أمريكا اللاتينية وشمال إفريقيا؟
إن استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البرازيل والمغرب يتيح بالفعل استشراف دورة جديدة من النمو السياحي بين البلدين. وتُعد السياحة محرّكًا اقتصاديًا مهمًا وعنصر جذب قويًا للاستثمارات، سواء في القطاع الفندقي أو التجارة أو الخدمات أو البنيات التحتية، غير أن هذا الإمكان لا يقتصر على الأرقام وحدها، إذ تسهم السياحة أيضًا في تعزيز التبادل الثقافي، وتقريب الشعوب، وخلق مناخ أكثر ملاءمة للأعمال والاستثمارات طويلة الأمد
أطلق الملك محمد السادس مبادرة استراتيجية كبرى، تُعرف بـ «المبادرة الأطلسية»، بهدف إدماج الدول الإفريقية المطلة على المحيط الأطلسي، وترسيخ موقع المغرب كمنصة لوجستية وتجارية دولية. كيف تنظر إلى هذه المبادرة، وما الفرص التي يمكن أن تتيحها للبرازيل ولرجال الأعمال في أمريكا اللاتينية؟
تُعد «المبادرة الأطلسية» رؤية استراتيجية بالغة الأهمية، لأنها تُدرك أن اللوجستيك والتكامل الإقليمي عنصران أساسيان لتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة. ومن خلال السعي إلى ربط الدول الإفريقية التي تطل على المحيط الأطلسي وتعزيز الممرات اللوجستية، يرسّخ المغرب مكانته كمركز تجاري ولوجستي ذي بعد دولي.
وبالنسبة إلى البرازيل وأمريكا اللاتينية، تفتح هذه المبادرة آفاقًا واعدة، إذ يمكن للمغرب أن يبرز كمنصة ولوج إلى الأسواق الإفريقية الصاعدة، وفي الوقت نفسه يوفّر منفذًا ميسّرًا نحو أوروبا والعالم العربي
يستعد المغرب لاحتضان نهائيات كأس العالم 2030. ما التوصيات التي تقدمونها لتمكين البلاد من الاستفادة القصوى من هذا الحدث، بالاستناد إلى تجارب الدول التي سبق لها تنظيم المونديال، ومن بينها البرازيل التي استضافت نسخة 2014؟
إن اختيار المغرب لاحتضان كأس العالم 2030 يُمثل فرصة كبرى لتعزيز حضوره على الساحة الدولية وإبراز إمكاناته الاقتصادية والثقافية والسياحية. فمثل هذه التظاهرات الكبرى تُخلّف آثارًا تتجاوز بكثير فترة تنظيمها.
وكما حدث في البرازيل سنة 2014، يمكن لكأس العالم أن يترك إرثًا إيجابيًا في مجالات البنية التحتية والتنقل الحضري، والسياحة، والخدمات، بما يسهم في تحسين جودة حياة السكان وتعزيز جاذبية المدن
في ظل التحولات الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، كيف تنظر إلى مستقبل التعاون جنوب–جنوب بين المغرب وإفريقيا من جهة، والبرازيل وأمريكا اللاتينية من جهة أخرى؟ وما الرسالة التي تود توجيهها إلى رجال الأعمال البرازيليين بخصوص الاستثمار في المغرب باعتباره بوابة نحو إفريقيا وأوروبا والعالم العربي؟
من المنتظر أن يزداد التعاون جنوب–جنوب أهمية في سياق عالمي يتسم بتحولات جيوسياسية عميقة وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج، والبحث عن أسواق جديدة. إن التقارب بين إفريقيا وأمريكا اللاتينية يبدو طبيعيًا، لكونه يجمع بين اقتصادات متكاملة، وأسواق واعدة، وحاجة متزايدة إلى الاستثمارات في مجالات البنية التحتية والطاقة والأمن الغذائي والخدمات
ويحتل المغرب موقعًا استراتيجيًا في هذا الإطار، بفضل ما يوفره من استقرار مؤسساتي، واتفاقيات تجارية مهمة، وموقع جغرافي متميز. وبالنسبة لرجل الأعمال البرازيلي، فإن الاستثمار في المغرب لا يقتصر على الولوج إلى السوق المحلية فحسب، بل يشكل أيضًا مدخلًا استراتيجيًا نحو إفريقيا وأوروبا والعالم العربي.