يعيش قطاع المحاماة، ومعه منظومة العدالة، أزمة ثقة خانقة. أزمة ليست وليدة اللحظة ولا مرتبطة بواقعة طارئة، وإنما هي نتيجة تراكمات متتالية ظلت تتكرر خلال هذه الولاية الحكومية، وتحديدا منذ تعيين الأستاذ عبد اللطيف وهبي وزيرا للعدل. غير أن الأخطر في هذه الأزمة ليس استمرارها فقط، بل تحولها من خلافات تقنية يمكن تدبيرها بالحوار إلى أزمة منهج وتصور، تطرح فيها أسئلة جوهرية ومقلقة من قبيل كيف يدار الحوار المؤسساتي؟ وكيف تصان الالتزامات السياسية والأخلاقية داخل الدولة؟ وهل ما راج داخل الاجتماعات الرسمية يبقى له معنى فعلا حين يتعلق الأمر بصياغة التشريع وتحديد المواقف النهائية؟
إن التمعن في مسار التفاوض حول مشروع قانون مهنة المحاماة يفضي إلى نتيجة واحدة لا لبس فيها هي أن التفاوض مع وزير العدل قد وصل إلى الباب المسدود. فمن خلال تتبع جلسات الحوار واللقاءات المشتركة، يتبين أن كل محاولة لإنتاج توافق، أو تقليص الهوة، أو الوصول إلى صيغة متوازنة، كانت تنتهي إلى المصير نفسه، فإما تراجع لاحق، أو التفاف على ما تم الاتفاق عليه، أو إعادة صياغة تفرغ النقاش من مضمونه. فتتحول التوافقات إلى مجرد أفكار عابرة غير ملزمة، وتتحول الوعود إلى تصريحات ظرفية لا أثر لها في النص النهائي ولا في السلوك السياسي العملي. ومن المقلق في هذا المسار أن الوزير، بدل أن يتحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية في احترام ما يتم التوافق بشأنه داخل مؤسسات الدولة، كان يلجأ في الكثير من المحطات إلى تبرير هذا التراجع بادعاء أنه يتعرض لضغوط من أطراف خارجية، وأنه مضطر إلى التشبث بمواقف معينة أو تعديلها تحت تأثير اعتبارات سياسية حزبية أو شخصية تبقى كلها خارج منطق الحوار. وهذا التبرير، في جوهره، ليس سوى إعلان غير مباشر عن حقيقة واحدة أصبحت راسخة وهي ان من لا يملك قراره لا يمكن أن يكون طرفاً جدياً في التفاوض. لأن التفاوض الحقيقي لا يقوم على العبارات الرنانة ولا على طمأنة ظرفية، بل يقوم على الوضوح والالتزام وحسن النية واستقرار الموقف. أما التقلب والتنصل، فهما إعلان صريح عن موت الثقة، ولا تفاوض بدون ثقة.
غير أن الأمر لا يتوقف عند حدود التعثر في التوافقات أو التراجع عن الالتزامات، بل يتخذ منحى أكثر خطورة حين يتم نقل الصراع من المؤسسات إلى الرأي العام، عبر توظيف الإعلام والبرلمان ليس لتفسير حقيقة المشروع والإنصات إلى التخوفات المهنية والمجتمعية، بل لتأجيج الشارع ضد المحامي وتقديمه ضمنياً أو صراحة كأنه خصم للإصلاح وكأنه عقبة أمام تحديث العدالة. وهذا انزلاق خطير لا يليق بوزير العدل ولا بمنطق الدولة. لأنه عندما يحرض المجتمع على المحامي، فإن المستهدف الحقيقي ليس المحامي كشخص أو كمهنة، بل حق الدفاع كمبدأ، والمحاكمة العادلة كضمانة، والتوازن داخل منظومة العدالة كقاعدة. فالمحامي ليس امتيازات ولا عبئا. المحامي وظيفة دستورية وضمانة وجودية للمواطن داخل المحكمة، وصوت للضعيف في مواجهة سلطة الاتهام والقوة العمومية، وحائط صد ضد كل اختلال في ميزان العدالة. وإذا فتح الباب لإضعاف الدفاع أو تشويه صورته أو تقديمه كخصم للمجتمع، فإننا لا نناقش حينها إصلاحا تشريعيا، بل نشارك في صناعة مناخ يبرر المساس بالحقوق والحريات الأساسية، ويسهل تقبل الانحرافات تحت غطاء الإصلاح.
ومن هنا فإنه ينبغي التأكيد على أن قطاع العدل لا يدار بالاستعراض ولا بالشعبوية، ولا تحسم فيه الملفات الكبرى بمنطق "الخطاب السريع" و "القفز على التوافقات" و"صناعة العدو المهني". لأن الإصلاح الحقيقي يحتاج إلى شركاء لا إلى خصوم، يحتاج إلى بناء الثقة لا إلى نسفها، يحتاج إلى تشريع متوازن لا إلى نصوص صادمة تطبخ في مناخ التوتر والانقسام. لذلك، ومادام أن التفاوض قد وصل إلى الباب المسدود، فإن واجب الدولة باعتبارها الضامن للحقوق والحريات وللتوازن المؤسساتي أن تتدخل لتصحيح المسار، وإعادة الاعتبار لمنطق الحوار المسؤول، ووقف كل خطاب يرمي إلى تحويل الدفاع إلى موضوع للشيطنة، أو المحامي إلى خصم للمواطن. والرسالة في هذا السياق يجب أن تكون واضحة وغير قابلة للتأويل وهي اننا كمحاميات ومحامين ننتمي الى جسم المحاماة بالمغرب لا نرفض الإصلاح، بل نرفض العبث. وأننا لا نرفض تطوير المهنة بل نرفض ضرب جوهرها ومقومات استقلاليتها. وأننا لا نرفض الحوار بل نرفض التفاوض المسرحي الذي لا ينتهي إلا إلى التنصل والتراجع.
لقد وصل التفاوض مع وزير العدل إلى طريق مسدود، لأن من لا يحترم الاتفاقات لا يمكن الوثوق به، ومن يحرض المجتمع على المحامي لا يحمي العدالة بل يهدم الثقة فيها. ثم إن الادعاء بتمثيل الدولة أو حماية الدولة لا يبرر هذا المنهج، لأن الدولة ليست شخصاً ولا مزاجاً سياسياً، بل هي دستور ومعايير ومؤسسات. والدستور المغربي، كما التزامات المغرب في الاتفاقيات الدولية، جعلت الحق في الدفاع والمحاكمة العادلة ثوابت لا تقبل المقايضة ولا التوظيف السياسوي والشعبوي.
خالد الادريسي، عضو مجلس هيئة المحامين بالرباط