jeudi 29 janvier 2026
منوعات

من المسؤول عن تعطيل تنفيذ منتجع ربيعي وصيفي يحول فضاءات غابة "الْعَرُّوكْ" إلى قبلة استجمام وترفيه باليوسفية؟

من المسؤول عن تعطيل تنفيذ منتجع ربيعي وصيفي يحول فضاءات غابة "الْعَرُّوكْ" إلى قبلة استجمام وترفيه باليوسفية؟ في انتظار أن تتحول غابة العروك لمنتجع ربيعي وصيفي

لا حديث بعاصمة إقليم اليوسفية يعلو عن نقاش تعطيل ملف تأهيل غابة العروك، حيث يطرح الرأي العام المحلي عدة أسئلة من قبيل: "ما هي الأسباب التي حالت دون انطلاق تنفيذ المشروع البيئي والاجتماعي المرتبط بتهيئة وتأهيل غابة العروك الذي حددت تكلفته ودراسته؟ ولماذا هذا التعثر في الإعلان عن وقت تنفيذه؟ وهل سيبقى هذا المشروع معلّقا ومصنّفا في باب كم من حاجة قضيناها بتركها، علما أن هناك شركاء في ذات المشروع على مستوى جهة مراكش أسفي؟"

 

 ملف بيئي واجتماعي بصبغة حقوقية

 

فأغلب المتتبعين والمهتمين بتدبير الشأن المحلي بإقليم اليوسفية، يعتبرون أن هناك تعتيم غير مفهوم على مستوى تواصل المؤسسات الترابية والمنتخبة والإدارية والقطاعية، وتنوير الرأي المحلي حول مستجدات هذا المشروع وأفق تنفيذه، مما يجعل الرأي العام المحلي مستغربا من عدم الإعلان عن توقيت إطلاق مشروع تهيئة وهيكلة غابة العروك المتواجدة بتراب الملحقة الإدارية الثانية بالمدينة الفوسفاطية، مما يطرح أكثر من علامة استفهام تتصل باحترام ذكاء المواطنين والتقيد بحقوق الإنسان بيئيا واجتماعيا وترفيهيا ورياضيا.

 

من المعلوم، أن مشروع تهيئة غابة العروك قد أسال مدادا غزيرا، وكان من بين المشاريع المهمة التي ترافعت عنها عدة جمعيات ثقافية واجتماعية وبيئية وتنموية، قبل أن ترتقي اليوسفية إلى عمالة /إقليم سنة 2009. لكن للأسف الشديد هناك نوع من الإهمال واللامبالاة بخصوص مآله الدراسي والتمويلي والتزام الشركاء، خصوصا أن عاصمة الإقليم مدينة اليوسفية تفتقر لفضاءات خضراء، وتنعدم فيها المنتجعات الربيعية والصيفية والحدائق التي تخفف عن الأسرة من ثقل رتابة الحياة رفقة أفرادها من الشباب والأطفال، وتفتح شهية الساكنة على الطبيعة بعيدا عن غرف الإسمنت وضجيج الشوارع والأزقة البئيسة.

 

 فضاءات غابة العروك ملاذ بيئي للبسطاء في الضفة الأخرى

 

خلال بداية استنبات الأحياء الأولى "حي الْعَرْصَةْ وحي الرْمَلْ" من أجل إحداث مدينة اليوسفية الفوسفاطية، لم يكن العقل الإداري والهندسي ـ المتخلف طبعا ـ يستحضر أبعاد أهمية التصاميم الهندسية، ولا حتى العمل بالدراسات التقنية ذات الصلة بالشوارع والأزقة والمعابر والقناطر. هذه "العشوائية" سمحت بعدم توفُّر تجهيزات أساسية ومرافق عمومية، وغياب بنية تحتية لمجاري قنوات التطهير، حيث كانت الحفر "مْطَامَرْ" هي الوسيلة المتاحة لجمع المياه الملوثة التي تنتجها الساكنة من داخل منازلها. أما مياه الأمطار فكانت ومازالت إلى حدود اليوم، تبحث لها عن مجاري بين الأزقة والدروب وتشكل مستنقعات متعفنة تعيق التنقل والحركة.

 

وقعت هذه الكارثة المعمارية والعمرانية في ستينيات القرن الماضي بمجموعة من الأحياء الشعبية، على مرأى ومسمع مختلف الإدارات والقطاعات المعنية، في الوقت الذي كان الجميع يندهش بإعجاب من نموذج مواصفات بنايات/فيلات وسكنيات تقع في الضفة الأخرى، بحيث أنها لا تبعد عن الأحياء المحدثة في الهامش إلا بتوقيت طفيف يتطلب عبور وقطع ممر خطوط السكك الحديدية التي قسمت المدينة إلى قسمين متباينين نتج عنه عدة تناقضات صارخة على جميع المستويات.

 

هذا النموذج المعماري والعمراني الذي خُصِّصَ للأطر الفوسفاطية، وكذا عينة من عمال قطاع الفوسفاط حسب مستواهم الإداري ـ الكابران/ الشاف / المهندس ـ بمواصفات رفيعة المستوى، حيث الشوارع العريضة والأزقة الجميلة، والبساتين الخلابة، والحزام الأخضر الذي ينط المنطقة بهندستها العمرانية والمعمارية الأوروبية ـ نتيجة الدراسات التقنية والبيئية طبعا ـ التي عملت على تواجد وتوفير عدة مرافق ثقافية واجتماعية ورياضية وفنية بالحاضرة الفوسفاطية باليوسفية، فكانت مياهها الملوثة تتدفق بسلاسة عبر مجاري وقنوات التطهير، التي تَمُرَّ من تحت "قنطرة/الْخَرَّاجَةْ" التي يعبرها قطار نقل الفوسفاط، لتستقر مع مياه الأمطار داخل "الْوَادْ الْخَانَزْ" بغابة العروك الشاسعة الأطراف.

  

نوستالجيا...ذاكرة غابة العروك

 

ومن المعلوم أن غابة العروك قد تم إحداثها خلال الخمسينيات من القرن الماضي، على مساحة شاسعة تضم عشرات الهكتارات، وكانت أشجارها الباسقة والوارفة الظلال ملاذا آمنا للعديد من أصناف الطيور، والوحيش، والزواحف، ـ الحجل ـ البوم ـ الطيور المغردة ـ الأرانب ـ الثعالب ...إلخ، دون الحديث عن تنوع النباتات المختلفة الأشكال والألوان، حيث كانت الغابة وجهة معهودة للساكنة التي تتقاطر على فضاءها من مختلف أحياء المدينة، خصوصا في فصل الربيع والصيف.

  

الأشجار تموت واقفة بغابة العروك

 

 اليوم تتعرض غابة العروك أمام أعين من أسندت إليهم مسؤولية تدبير الشأن المحلي، للإهمال والتدمير واقتلاع مختلف أنواع الأشجار، حيث تحولت بقدرة قادر إلى مكبّ ومطرح للنفايات الصلبة ـ بقايا الياجور وحطام الأحجار والإسمنت ـ دون أن تحرك ضمائر من يحتكرون ويحتلون كراسي المسؤولية الترابية، علما أن هناك فعاليات وجمعيات تقدمت بمشاريع تخص رد الاعتبار لهذه الغابة الشاسعة الأطراف.

 

إن تعطيل تنفيذ مشروع تهيئة وتأهيل وتنمية مجال غابة العروك البيئي والرياضي والاجتماعي بشراكة مع جهة مراكش أسفي وباقي الشركاء المفترضين، يساءل كل المسؤولين، على اعتبار أنه سيشكل متنفسا بيئيا، وفضاء أخضرا ومنتجعا للإستجمام والراحة هروبا من إكراهات وضغوط الحياة التي تحولت إلى جحيم هنا والآن في غياب مرافق اجتماعية وحدائق للفسحة والاسترخاء.

 

إن تنفيذ مشروع تهيئة وتأهيل فضاءات غابة العروك، القريب من عدة أحياء هامشية، من خلال إحداث مرافقه الاجتماعية والفنية والثقافية والرياضية، وفتح أبوابه أمام الأسر وأطفالهم الذين هم في أمس الحاجة لـ الّلعب والترفيه في عز الصيف، بدل حرمانهم من هذا الحق المقدس، سيمثل صراحة نقطة ضوء في مسار تدبير الشأن المحلي الذي ينتصر للحياة الجميلة، ودعم حاملي المشاريع لإقامة وتسيير ملاعب القرب الرياضية، ومواقف للسيارات، ومقاهي متحركة، وحدائق تليق بساكنة أفنوا رجالها زهرة حياتهم تحت الأنفاق وداخل المناجم.

 

إن الأحياء التابعة للملحقة الإدارية الثانية، مثل حي "السمارة" و "التقدم" و "لبيطا" و "الأمل" و "أجنديس" تفتقد لحدائق وفضاءات خضراء، وجميعها تحتاج إلى هبّة نسيم أوكسيجين نقي يساهم في تخفيض من حدة التوتر العصبي والقلق الذهني والنفسي، بل أنها في الحاجة إلى عبير رائحة الأشجار وعبق الورود والأزهار لمقاومة بعضا من الثلوث الذي ينخر الأبدان، ولا يمكن أن تُلَبَّى هذه الحقوق إلا من خلال الإسراع بإخراج ملف مشروع تهيئة وتأهيل غابة العروك ونفض الغبار عليه من الرفوف الخشبية التي ينخرها التسوس.