jeudi 29 janvier 2026
اقتصاد

عبد الله لوغشيت: سوق البحيرة بالمدينة القديمة كان معلمة ثقافية والدار البيضاء جسد يحتاج إلى روح ثقافية

عبد الله لوغشيت: سوق البحيرة بالمدينة القديمة كان معلمة ثقافية والدار البيضاء جسد يحتاج إلى روح ثقافية عبد الله لوغشيت، صحفي ومهتم بالشأن الثقافي بالدار البيضاء

في‭ ‬خضم‭ ‬الجدل‭ ‬الذي‭ ‬أثاره‭ ‬قرار‭ ‬هدم‭ ‬سوق‭ ‬البحيرة‭ ‬بالمدينة‭ ‬القديمة‭ ‬للدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬وما‭ ‬خلفه‭ ‬من‭ ‬احتجاجات‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬التجار‭ ‬والمهتمين‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬وتوقيته،‭ ‬وكذا‭ ‬انعكاساته‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والثقافية‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬مدن‭ ‬المملكة‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬يوضح‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬لوغشيت،‭ ‬صحفي‮ ‬‭ ‬مهتم‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬رؤيته‭ ‬لهدم‭ ‬سوق‭ ‬يعتبره‭ ‬معلمة‭ ‬ثقافية‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فضاء‭ ‬تجاريا،‭ ‬مسلطا‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬مكانة‭ ‬الكتبيين‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الحضري،‭ ‬وعلى‭ ‬غياب‭ ‬البدائل،‭ ‬وضعف‭ ‬إدماج‭ ‬البعد‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النهضة‭ ‬العمرانية‭ ‬واستحقاقات‭ ‬كبرى‭ ‬من‭ ‬حجم‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2030‭.‬


 انتفض‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬تجار‭ ‬سوق‭ ‬البحيرة‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬بالدارالبيضاء‭ ‬ضد‭ ‬قرار‭ ‬هدمه،‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليك‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬هدم‭ ‬هذا‭ ‬السوق‭ ‬قرارا‭ ‬صائبا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التوقيت؟
 في‭ ‬الحقيقة،‭ ‬لا‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بهدم‭ ‬سوق‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بإبادة‭ ‬معلمة‭ ‬ثقافية،‭ ‬فهذا‭ ‬السوق‭ ‬كان‭ ‬يضم‭ ‬عددا‭ ‬من‭ ‬الحرف،‭ ‬لكن‭ ‬الأساس‭ ‬فيه‭ ‬هو‭ ‬بيع‭ ‬الكتب‭. ‬وعندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬بيع‭ ‬الكتب‭ ‬فنحن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬معلمة‭ ‬ثقافية‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬هناك‭ ‬تمرسوا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المهنة،‭ ‬وأصبحوا‭ ‬على‭ ‬دراية‭ ‬بالشأن‭ ‬الثقافي،‭ ‬وباحتياجات‭ ‬وانتظارات‭ ‬الطالب،‭ ‬والباحث،‭ ‬والتلميذ،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭. ‬وإن‭ ‬الوقفة‭ ‬الرمزية‭ ‬التي‭ ‬قمنا‭ ‬بتنظيمها‭ ‬مع‭ ‬مؤرخ‭ ‬وموقف‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة‭ ‬الاستاذ‭ ‬المصطفى‭ ‬الناصري‭ ‬أمام‭ ‬مكتبة‭ ‬المرحوم‭ ‬بوعزة‭ ‬تكريما‭ ‬له‭ ‬بقراءة‭ ‬الفاتحة‭ ‬على‭ ‬روحه‭ ‬هي‭ ‬رسالة‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬السأن‭ ‬العام‭ ‬مفادها‭ ‬أن‭ ‬المدن‭ ‬بدون‭ ‬معالم‭ ‬ثقافية‭ ‬هي‭ ‬مدن‭ ‬ميتة‭. ‬ويعود‭ ‬نشاط‭ ‬المرحوم‭ ‬بوعزة‮ ‬‭ ‬إلى‭ ‬سنة‭ ‬1953،‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬مواليد‭ ‬1929،‭ ‬وتوفي‭ ‬رحمه‭ ‬الله‭ ‬سنة‭ ‬2004‭.‬‮ ‬‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬تعرف‭ ‬المرحوم‮ ‬‭ ‬بوعزة‮ ‬‭ ‬سواء‭ ‬تعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بالباحثين‭ ‬أو‭ ‬الجامعين‭ ‬أو‭ ‬المهندسين،فلقد‭ ‬كنت‭ ‬تجد‭ ‬عند‭ ‬المرحوم‭ ‬بوعزة‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬تطلبه‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬حقول‭ ‬المعرفة‭. ‬وكان‭ ‬التجار‭ ‬هناك‭ ‬يتوفرون‭ ‬على‭ ‬تخصصات‭ ‬ومعرفة‭ ‬دقيقة‭.‬‮ ‬‭ ‬وكان‭ ‬المرحوم‮ ‬‭ ‬بوعزة‮ ‬‭ ‬يعرف‭ ‬آخر‭ ‬الإصدارات،‮ ‬‭ ‬ما‭ ‬تحتاجه‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬تحتاجه‭. ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬البحتة،‭ ‬الرياضيات،‭ ‬الفيزياء،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الثانوي‭ ‬أو‭ ‬الجامعي،‭ ‬وكان‭ ‬الرجل‭ ‬ضليعًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭. ‬وهو‭ ‬ليس‭ ‬حالة‭ ‬فريدة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬نموذج‭ ‬فقط‭. ‬وقد‭ ‬نظمنا‭ ‬الوقفة‭ ‬قبل‭ ‬تنفيذ‭ ‬الهدم‭. ‬وإننا‭ ‬نتحسر‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعلمة‭ ‬الثقافية‭.‬

 

 هناك‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬السوق‭ ‬كان‭ ‬سوقا‭ ‬جماعيا،‭ ‬وكان‭ ‬معروفا‭ ‬أنه‭ ‬سيتم‭ ‬هدمه‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إنجاز‭ ‬مشروع‭ ‬المحج‭ ‬الملكي‭ ‬بالدار‭ ‬البيضاء‭ ‬الذي‭ ‬تعثر‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬فلماذا‮ ‬‭ ‬في‭ ‬رأيك‭ ‬كانت‭ ‬الصدمة‭ ‬كبيرة؟
 الصدمة‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الاستعجال،‭ ‬وفي‭ ‬غياب‭ ‬البديل‭ ‬الحقيقي‭. ‬فسبعة‭ ‬ملايين‭ ‬سنتيم‭ ‬كتعويض،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعوض‭ ‬مورد‭ ‬رزق‭ ‬بين‭ ‬عشية‭ ‬وضحاها‭. ‬كان‭ ‬يجب‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬بديل‭ ‬حقيقي،‭ ‬خصوصا‭ ‬لحرفتي‭ ‬الكتبيين‭ ‬وصناع‭ ‬الحقائب‭ ‬اليدوية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الأمر‭ ‬مجرد‭ ‬محلات،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬دورة‭ ‬اقتصادية‭ ‬وطنية،‭ ‬حيث‭ ‬يأتي‭ ‬الناس‭ ‬للتزود‭ ‬بالجملة،‭ ‬وكان‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يشغل‭ ‬خمسة‭ ‬أو‭ ‬عشرة‭ ‬أو‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬شخصا‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬شبابا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديهم‭ ‬مورد‭ ‬عيش‭ ‬سوى‭ ‬هذه‭ ‬الحرفة‭.‬

 

 ولماذا‭ ‬كان‭ ‬الاحتجاج‭ ‬مركزا‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬الكتبيين‭ ‬دون‭ ‬غيرهم‭ ‬من‭ ‬الحرف؟
 لأن‭ ‬الاحتجاج‭ ‬كان‭ ‬مزدوجًا:‭ ‬اجتماعيا‭ ‬وثقافيا‭. ‬الكتبي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭ ‬يعتبر‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬للمدينة‭. ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬إلى‭ ‬بغداد‭ ‬إلى‭ ‬لندن،‭ ‬يتم‭ ‬تخصيص‭ ‬فضاءات‭ ‬للكتبيين‭ ‬داخل‭ ‬المدن‭. ‬وكان‭ ‬يمكن‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬تخصيص‭ ‬ساحات‭ ‬أو‭ ‬فضاءات‭ ‬مجاورة،‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أسواق‭ ‬ثقافية‭ ‬نموذجية‭ ‬دائمة،‭ ‬تشكل‭ ‬علامة‭ ‬ثقافية‭ ‬للدار‭ ‬البيضاء،‭ ‬وتحافظ‭ ‬على‭ ‬روح‭ ‬المدينة‭. ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬لطالما‭ ‬وصفت‭ ‬بأنها‭ ‬مدينة‭ ‬الإسمنت،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬روح‭ ‬ثقافية،‭ ‬وهذه‭ ‬الروح‭ ‬لا‭ ‬تُبنى‭ ‬إلا‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬المعالم‭.‬
 

 هل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالجانب‭ ‬الثقافي‭ ‬حاضر‭ ‬بقوة‭ ‬لدى‭ ‬من‭ ‬يدبرون‭ ‬الشأن‭ ‬العام‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬أكبر‭ ‬مدينة‭ ‬بالمغرب‭؟.‬
 لو‭ ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬الإرادة‭ ‬حاضرة‭ ‬لما‭ ‬تم‭ ‬الهدم‭ ‬دون‭ ‬بدائل‭. ‬فلقد‭ ‬تم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬السوق‮ ‬‭ ‬كأي‭ ‬سوق‭ ‬تجاري،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬معلمة‭ ‬ثقافية‭. ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬دون‭ ‬إشراك‭ ‬حقيقي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬تنمية‭ ‬متوازنة‭. ‬الفصل‭ ‬13‭ ‬من‭ ‬الدستور‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬الإشراك،‭ ‬لكن‭ ‬لجان‭ ‬التشاور‭ ‬غير‭ ‬مفعلة‭ ‬بالشكل‭ ‬المطلوب‭. ‬المغربي‭ ‬واقعي،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المساس‭ ‬بحقه‭ ‬دون‭ ‬حوار‭.‬

 

 في‭ ‬ظل‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬النهضة‭ ‬العمرانية،‭ ‬أين‭ ‬يتموقع‭ ‬الجانب‭ ‬الثقافي‭ ‬في‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء؟
 للأسف،‭ ‬الجانب‭ ‬الثقافي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬مغيبًا‭. ‬الدليل‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬الكبير‭ ‬لمدينة‭ ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬لم‭ ‬يُفتح‭ ‬بعد‭. ‬ونطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬مشروعًا:‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬ضروريا‭ ‬تشييده‭ ‬بهذه‭ ‬الضخامة؟‭ ‬ولماذا‭ ‬لم‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬المسرح‭ ‬البلدي‭ ‬القديم،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬معلمة‭ ‬ثقافية‭ ‬ومعمارية؟‭. ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬تزخر‭ ‬بتراث‭ ‬كبير،‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬مستغل‭ ‬سياحيًا‭ ‬وثقافيًا‭. ‬السياح‭ ‬يأتون‭ ‬ويصورون،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬جولات‭ ‬ثقافية‭ ‬منظمة‭ ‬تبرز‭ ‬هذا‭ ‬الكنز‭ ‬الثقافي‭.‬

 

 ما‭ ‬هي‭ ‬الحلول‭ ‬برأيك‭ ‬لربح‭ ‬الرهان‭ ‬الثقافي،‭ ‬خصوصًا‮ ‬‭ ‬أفق‭ ‬2030‭ ‬تاريخ‭ ‬تنظيم‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬لكرة‭ ‬القدم؟
 كأس‭ ‬العالم‭ ‬ليس‭ ‬كرة‭ ‬قدم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬ثقافة‭ ‬وسياحة‭ ‬وهوية‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يُعطى‭ ‬الشأن‭ ‬الثقافي‭ ‬أولوية‭ ‬في‭ ‬بلورة‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تنمية‭ ‬سياحية‭ ‬دون‭ ‬مضمون‭ ‬ثقافي‭. ‬الدار‭ ‬البيضاء‭ ‬ليست‭ ‬جسدًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬لها‭ ‬روح‭. ‬نحن‭ ‬نفتخر‭ ‬بالنهضة‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬لكن‭ ‬التنمية‭ ‬لها‭ ‬أبعاد‭ ‬حقوقية:‭ ‬سياسية،‭ ‬اجتماعية،‭ ‬ثقافية،‭ ‬اقتصادية،‭ ‬وحقوق‭ ‬الأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬في‭ ‬الثقافة‭ ‬والبيئة‭.‬