في خضم الجدل الذي أثاره قرار هدم سوق البحيرة بالمدينة القديمة للدار البيضاء، وما خلفه من احتجاجات في صفوف التجار والمهتمين بالشأن الثقافي، يبرز السؤال حول جدوى هذا القرار وتوقيته، وكذا انعكاساته الاجتماعية والثقافية على أكبر مدن المملكة.
في هذا الحوار، يوضح عبد الله لوغشيت، صحفي مهتم بالشأن الثقافي في الدار البيضاء رؤيته لهدم سوق يعتبره معلمة ثقافية قبل أن يكون فضاء تجاريا، مسلطا الضوء على مكانة الكتبيين في المشهد الحضري، وعلى غياب البدائل، وضعف إدماج البعد الثقافي في السياسات العمومية، خاصة في ظل الحديث عن النهضة العمرانية واستحقاقات كبرى من حجم كأس العالم 2030.
انتفض مجموعة من تجار سوق البحيرة في المدينة القديمة بالدارالبيضاء ضد قرار هدمه، بالنسبة إليك هل كان هدم هذا السوق قرارا صائبا في هذا التوقيت؟
في الحقيقة، لا يتعلق الأمر بهدم سوق بقدر ما يتعلق بإبادة معلمة ثقافية، فهذا السوق كان يضم عددا من الحرف، لكن الأساس فيه هو بيع الكتب. وعندما نتحدث عن بيع الكتب فنحن نتحدث عن معلمة ثقافية. هؤلاء الأشخاص الذين كانوا هناك تمرسوا في هذه المهنة، وأصبحوا على دراية بالشأن الثقافي، وباحتياجات وانتظارات الطالب، والباحث، والتلميذ، وغير ذلك. وإن الوقفة الرمزية التي قمنا بتنظيمها مع مؤرخ وموقف المدينة القديمة الاستاذ المصطفى الناصري أمام مكتبة المرحوم بوعزة تكريما له بقراءة الفاتحة على روحه هي رسالة القائمين على السأن العام مفادها أن المدن بدون معالم ثقافية هي مدن ميتة. ويعود نشاط المرحوم بوعزة إلى سنة 1953، وهو من مواليد 1929، وتوفي رحمه الله سنة 2004. والعديد من الناس تعرف المرحوم بوعزة سواء تعلق الأمر بالباحثين أو الجامعين أو المهندسين،فلقد كنت تجد عند المرحوم بوعزة أي شيء تطلبه في مختلف حقول المعرفة. وكان التجار هناك يتوفرون على تخصصات ومعرفة دقيقة. وكان المرحوم بوعزة يعرف آخر الإصدارات، ما تحتاجه وما لا تحتاجه. وكذلك في العلوم البحتة، الرياضيات، الفيزياء، سواء على المستوى الثانوي أو الجامعي، وكان الرجل ضليعًا في هذا المجال. وهو ليس حالة فريدة، بل هو نموذج فقط. وقد نظمنا الوقفة قبل تنفيذ الهدم. وإننا نتحسر على هذه المعلمة الثقافية.
هناك من يقول إن السوق كان سوقا جماعيا، وكان معروفا أنه سيتم هدمه من أجل إنجاز مشروع المحج الملكي بالدار البيضاء الذي تعثر منذ عقود، فلماذا في رأيك كانت الصدمة كبيرة؟
الصدمة كانت في الاستعجال، وفي غياب البديل الحقيقي. فسبعة ملايين سنتيم كتعويض، لا يمكن أن يعوض مورد رزق بين عشية وضحاها. كان يجب التفكير في بديل حقيقي، خصوصا لحرفتي الكتبيين وصناع الحقائب اليدوية التي لم تكن الأمر مجرد محلات، بل كانت هناك دورة اقتصادية وطنية، حيث يأتي الناس للتزود بالجملة، وكان هناك من يشغل خمسة أو عشرة أو خمسة عشر شخصا. كما أن هناك شبابا لم يكن لديهم مورد عيش سوى هذه الحرفة.
ولماذا كان الاحتجاج مركزا أكثر على الكتبيين دون غيرهم من الحرف؟
لأن الاحتجاج كان مزدوجًا: اجتماعيا وثقافيا. الكتبي في كل أنحاء العالم يعتبر جزءا من المشهد الثقافي للمدينة. من القاهرة إلى بغداد إلى لندن، يتم تخصيص فضاءات للكتبيين داخل المدن. وكان يمكن التفكير في تخصيص ساحات أو فضاءات مجاورة، وتحويلها إلى أسواق ثقافية نموذجية دائمة، تشكل علامة ثقافية للدار البيضاء، وتحافظ على روح المدينة. الدار البيضاء لطالما وصفت بأنها مدينة الإسمنت، لكنها في حاجة إلى روح ثقافية، وهذه الروح لا تُبنى إلا بمثل هذه المعالم.
هل تعتقد أن الاهتمام بالجانب الثقافي حاضر بقوة لدى من يدبرون الشأن العام المحلي في أكبر مدينة بالمغرب؟.
لو كانت هذه الإرادة حاضرة لما تم الهدم دون بدائل. فلقد تم التعامل مع هذا السوق كأي سوق تجاري، في حين أنه كان معلمة ثقافية. السياسات العمومية دون إشراك حقيقي لا يمكن أن تحقق تنمية متوازنة. الفصل 13 من الدستور ينص على الإشراك، لكن لجان التشاور غير مفعلة بالشكل المطلوب. المغربي واقعي، لكنه لا يقبل المساس بحقه دون حوار.
في ظل الحديث عن النهضة العمرانية، أين يتموقع الجانب الثقافي في الدار البيضاء؟
للأسف، الجانب الثقافي ما زال مغيبًا. الدليل أن المسرح الكبير لمدينة الدار البيضاء لم يُفتح بعد. ونطرح سؤالًا مشروعًا: هل كان ضروريا تشييده بهذه الضخامة؟ ولماذا لم نحافظ على المسرح البلدي القديم، الذي كان معلمة ثقافية ومعمارية؟. الدار البيضاء تزخر بتراث كبير، لكنه غير مستغل سياحيًا وثقافيًا. السياح يأتون ويصورون، لكن لا توجد جولات ثقافية منظمة تبرز هذا الكنز الثقافي.
ما هي الحلول برأيك لربح الرهان الثقافي، خصوصًا أفق 2030 تاريخ تنظيم كأس العالم لكرة القدم؟
كأس العالم ليس كرة قدم فقط، بل هو ثقافة وسياحة وهوية. يجب أن يُعطى الشأن الثقافي أولوية في بلورة السياسات العمومية. لا يمكن الحديث عن تنمية سياحية دون مضمون ثقافي. الدار البيضاء ليست جسدًا فقط، بل يجب أن تكون لها روح. نحن نفتخر بالنهضة في البنيات التحتية، لكن التنمية لها أبعاد حقوقية: سياسية، اجتماعية، ثقافية، اقتصادية، وحقوق الأجيال القادمة في الثقافة والبيئة.