كشفت التساقطات المطرية الغزيرة التي عرفها المغرب منذ نهاية السنة الماضية ومطلع 2026 عن الدور الاستراتيجي لمشروع "الطريق السيار المائي".
وهو المشروع الذي كان مبرمجا منذ عهد الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1997، لم يُنجز إلى اليوم إلا في جزء محدود منه، والمتمثل في تحويل المياه من حوض سبو إلى حوض أبي رقراق، من أجل إنقاذ الدار البيضاء والمحمدية وبرشيد من أزمة العطش، وهو المشروع الذي تم تنفيذه على عجل قبل نحو سنة ونصف أو سنتين عندما بلغ الإجهاد المائي في المغرب مستويات مقلقة بسبب توالي سنوات الجفاف.
اليوم، بات من الضروري استثمار الفوائض المائية بعد هذه التساقطات المطرية، بدل تركها تصب في البحر. فالمياه الزائدة في حوض اللوكوس يمكن تحويلها إلى حوض سبو، وفوائض سبو إلى حوض أبي رقراق، ثم إلى حوض أم الربيع، ومنه إلى حوض تانسيفت، وهكذا دواليك، في إطار شبكة وطنية متكاملة لتحويل المياه بين الأحواض.
هذا التوجه يحقق عدة أهداف في آن واحد:
أولاً، تفادي ضياع كميات هائلة من المياه في البحر.
ثانياً، توجيه الموارد المائية نحو المناطق الأكثر خصاصاً في التساقطات.
ثالثاً، حماية المدن والقرى الواقعة بالمناطق الغزيرة الأمطار من أخطار الفيضانات، والحد من الخسائر التي تلحق بالحقول والأنشطة الفلاحية.
وأوضح ذ. موسى المالكي، رئيس الجمعية المغربية للأبحاث الجغرافية والتنمية المجالية، ل *"أنفاس بريس"*، أن المغرب يعيش المغرب منذ أزيد من شهر على وقع تساقطات مطرية كثيفة ومستمرة شملت النصف الشمالي للمملكة، وخاصة أقاليم الشمال الغربي، فيما غطت الثلوج 55 ألف كلم مربع تتوزع بين مرتفعات جبال الأطلس الكبير والأطلس المتوسط وجبال الريف. وقد سمحت هذه الوضعية المناخية بمضاعفة المخزون المائي، لتبلغ معها نسبة ملء السدود 58 %، وترفع حقينتها إلى ما يناهز 10 مليارات متر مكعب من المياه.
وتشير التوقعات الحالية، إلى استمرار التساقطات المطرية والثلجية خلال الأيام المقبلة، مما يفرض على المغرب الانتقال من مرحلة تدبير الندرة طيلة 7 سنوات المنصرمة، إلى مرحلة تدبير الوفرة على الأقل خلال الفترة الحالية، خاصة مع بلوغ مجموعة من السدود طاقتها التخزينية القصوى (واد المخازن، الشريف الإدريسي، سيدي محمد بن عبد الله، ...)، بينما يقترب أكبر سد في المغرب وهو سد الوحدة من بلوغ نفس المستوى بحجم مياه يقترب من 3 مليارات متر مكعب، وبنسبة ملء وصلت 80 %.
وأكد المالكي أن هذه الوضعية تعيد التأكيد مجددا على جدوى وأهمية بل واستعجالية مد "الطريق السيار المائي"، من أجل تدبير حالة الوفرة المائية، وتجنيب سهل اللوكوس وسهل الغرب من مخاطر غمر مساحات كبرى بالمياه نظرا لطابعهما الطبغرافي المنبسط والمنخفض على أقدام الجبال، وأمام تعدد وأهمية الأودية التي تخترق السهلين المذكورين.
لقد عرفت المرحلة الأولى، يتابع المالكي، من الربط بين الأحواض المائية لسبو وأبي رقراق، نجاحا استثنائيا وسرعة قياسية في مدة الإنجاز مكنت في أوقات حرجة من تحديات تدبير الندرة واستدامة توفير مياه الشرب لملايين السكان بين الرباط والدار البيضاء.
في المقابل، كان إيلاء مشروع الربط بين حوضي أبي رقراق بعدما بلغت نسبة سد أبي رقراق 98 في المائة، وبين حوض أم الربيع، نفس الأهمية والسرعة والحزم في الإنجاز، أن يسهم الآن في استيعاب فائض مياه أحواض الشمال وعدم ضياعها أو تسببها في مخاطر، حيث لم تتجاوز نسبة ملء أكبر سدود حوض أم الربيع وثاني أكبر سد في المغرب وهو سد المسيرة 15 في المائة.
وقد سبق لوزير التجهيز والماء أن كشف خلال شهر أكتوبر المنصرم، عن قرب التوقيع على الاتفاقية الخاصة بإطلاق عملية الربط بين الحوضين المائيين أبي رقراق وأم الربيع (كانت مبرمجة في حدود شهر دجنبر 2025)، وذلك خلال أشغال الجلسة العامة للأسئلة الشفهية بمجلس النواب.
وأشار المالكي إلى أن هذا الربط من شأنه، بالإضافة إلى تصريف فائض مياه أحواض الشمال، والحماية من الفيضانات الفجائية للمناطق السهلية، أن يعزز التزويد بمياه الشرب والمياه الصناعية، وأيضا أن يسهم بقسم من مياه السقي لمناطق فلاحية مهمة بالمغرب (إقليم سطات)، بعدما عانت الزراعات من تبعات نقص أو انقطاع مياه السقي بسبب فترة الخصاص المائي في سبيل التركيز على توفير مياه الشرب.
إن تدبير مرحلة الوفرة، يشمل أيضا ما يسمى جغرافيا ب"العاليات" أي المناطق الجبلية، حيث حاصرت الثلوج العديد من القرى وتسببت في انقطاع العديد من الطرقات بشكل مؤقت، مما يفرض عناية دقيقة ويقظة مستمرة تستحضر سكان تلك المناطق، وتلبي احتياجاتهم من المؤن الغذائية، وتراعي استدامة توفير الخدمات الصحية والاحتياجات الطاقية، وأيضا احتياجات قطعان الماشية من الأعلاف، التي تعتبر في صميم الاقتصاد الجبلي.
وأشاد المالكي بالجهود الكبيرة التي تقوم بها السلطات المحلية في مختلف تلك المناطق، بمعية القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي ومختلف القطاعات الوصية، من خلال المساهمة في عمليات فك العزلة، وصيانة الطرقات والإنقاذ والإجلاء والنقل الجوي عبر المروحيات، الذي فرضه طوق الثلوج وتعدد الانهيارات التي عرفتها مقاطع من بعض الطرقات وتسببت في انقطاعها.
وخلص محاورنا تصريحه بالقول أن تجديد السياسات المائية المغربية، مطالب بتدبير وضعيات مختلفة ومعقدة تجمع بين فترات الندرة الطويلة، وفترات الوفرة الفجائية والقصيرة، من أجل تدبير استراتيجي ذكي ومستدام للموارد المائية، يرتكز على منظومة متكاملة تجمع بين السدود، ومحطات تحلية مياه البحر، والربط المائي بين أحواض الشمال اتجاه الوسط، ومعالجة المياه العديمة، وتقنيات اقتصاد الماء، وأيضا مراجعة الخريطة الفلاحية المغربية من أجل تحقيق الأمن المائي والسيادة الغذائية.