samedi 24 janvier 2026
كتاب الرأي

عبد الإلاه القصير : الملاعب تصنع المال…فهل تصنع تنمية؟

عبد الإلاه القصير : الملاعب تصنع المال…فهل تصنع تنمية؟ عبد الإلاه القصير

لم تعد كرة القدم في المغرب مجرد لعبة تُلعب داخل المستطيل الأخضر، بل تحولت تدريجياً إلى قطاع اقتصادي قائم بذاته، يُنتج الثروة ويُحرّك الاستثمارات ويؤثر في صورة البلاد داخلياً وخارجياً. التظاهرات القارية والدولية التي احتضنها المغرب خلال  السنوات الأخيرة أظهرت قدرة تنظيمية عالية، لكنها كشفت أيضاً أن الرياضة أصبحت جزءاً من معادلة التنمية، لا نشاطاً معزولاً عنها.

فالملاعب التي تُشيَّد، وشبكات النقل التي تُطوَّر، والخدمات السياحية التي تنتعش، كلها عناصر تؤكد أن كرة القدم دخلت مجال الاقتصاد المنتج. لم يعد الحدث الرياضي يوماً للمباراة فقط، بل دورة اقتصادية كاملة: وظائف مؤقتة ودائمة، استهلاك، استثمار، وتسويق لصورة المدن والبلد ككل. حتى اللاعب نفسه أصبح أصلاً اقتصادياً، والعلامة الرياضية تحولت إلى رأسمال رمزي قابل للتحويل إلى عائدات مادية.

غير أن الوجه الآخر لهذه الصورة برز في النقاشات التي رافقت بعض المباريات الكبرى، حيث طغت أحياناً قراءات انفعالية أو هوياتية ضيقة. هذا التوتر يذكّر بأن كرة القدم ليست مالاً فقط، بل مجال حساس لإدارة المشاعر الجماعية والرموز الوطنية والعلاقات بين الشعوب. أي أن الاقتصاد الرياضي يظل مرتبطاً بسياق اجتماعي وثقافي يحتاج بدوره إلى حكامة رشيدة.
هنا تحديداً يطرح السؤال الجوهري: إذا كانت كرة القدم تُنتج ثروة جماعية، فكيف تُدار هذه الثروة؟ ومن يستفيد منها؟

فالدولة تستثمر في البنيات التحتية، والجمهور يصنع الفرجة، والإعلام يوسع السوق، واللاعبون يخلقون القيمة داخل الملعب. لكن من دون آليات واضحة للشفافية وإعادة التوزيع، قد تتحول هذه المنظومة إلى اقتصاد يراكم الأرباح في القمة، بينما تبقى القاعدة الكروية: التكوين، الأحياء، الجهات البعيدة عن المركز في وضع هش.
وتزداد أهمية هذا النقاش مع اقتراب الاستحقاقات الكروية الكبرى التي يستعد المغرب لاحتضانها (2030)، حيث تحول الاستثمار الرياضي إلى مشروع وطني ضخم. التحدي لن يكون فقط في نجاح التنظيم، بل في ما سيبقى بعده: هل ستتحول الملاعب إلى فضاءات حياة رياضية دائمة؟ هل سيستفيد الشباب من فرص التكوين؟ هل ستنعكس الاستثمارات على العدالة المجالية؟

كرة القدم اليوم في المغرب تقف عند مفترق طرق: إما أن تظل اقتصاداً للفرجة والرمزية الموسمية، أو أن تتحول إلى رافعة تنموية حقيقية، تُدار بحكامة، وتُوزَّع عائداتها بعدالة، ويُربط نجاحها الرياضي بأثر اجتماعي مستدام.

فالنتائج لا تُقاس فقط بعدد الأهداف المسجلة… بل بعدد الفرص التي تفتحها خارج الملعب.