mercredi 28 janvier 2026
سياسة

سقوط المخطط الجزائري لفصل المغرب عن إفريقيا

سقوط المخطط الجزائري لفصل  المغرب عن إفريقيا

واجه‭ ‬المغرب،‭ ‬خلال‭ ‬استضافته‭ ‬لكأس‭ ‬أمم‭ ‬إفريقيا،‭ ‬محاولات‭ ‬ممنهجة‭ ‬لضرب‭ ‬صورته‭ ‬ونسيجه‭ ‬الرمزي‭ ‬داخل‭ ‬القارة،‭ ‬إذ‭ ‬حاول‭ ‬العسكر‭ ‬الجزائري،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬أوتي‭ ‬من‭ ‬خبث،‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬للنيل‭ ‬منه،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الرمزي‭ ‬والسياسي،‭ ‬عبر‭ ‬حملة‭ ‬مضللة‭ ‬استهدفت،‭ ‬أولا،‭ ‬تشويه‭ ‬التنظيم‭ ‬المغربي،‭ ‬والتشكيك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬استضافة‭ ‬البطولات‭ ‬الكبرى؛‭ ‬ثم‭ ‬ثانيا‭ ‬استغلال‭ ‬أي‭ ‬خطأ‭ ‬أو‭ ‬ادعاء‭ ‬قصور‭ ‬مفترض‭ ‬لتكريس‭ ‬صورة‭ ‬سلبية‭ ‬عنه‭ ‬داخل‭ ‬إفريقيا‭.‬

 

ففي‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬صعد‭ ‬الإعلام‭ ‬الجزائري،‭ ‬مدعوما‭ ‬بشبكات‭ ‬رقمية‭ ‬متصلة‭ ‬ببعضها،‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬الهجوم‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬المغرب،‭ ‬مركّزا‭ ‬ترويج‭ ‬أباطيل‭ ‬حول‭ ‬ضعف‭ ‬الملاعب،‭ ‬والقصور‭ ‬اللوجستي،‭ ‬واتهام‭ ‬المغرب‭ ‬بعدم‭ ‬الاستعداد‭ ‬الكافي‭ ‬لاستضافة‭ ‬البطولة،‭ ‬بينما‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬كان‭ ‬بخلاف‭ ‬ذلك‭ ‬يشهد‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬تجهيزات‭ ‬ضخمة،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬التنسيق‭ ‬المتقن‭ ‬بين‭ ‬الدولة‭ ‬والفاعلين‭ ‬المحليين،‭ ‬كما‭ ‬حضرت‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والطرق‭ ‬والإقامة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬التنظيم‭ ‬المغربي‭ ‬نموذجا‭ ‬يحتذى‭ ‬به‭ ‬رغم‭ ‬التحديات‭. ‬

 

لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬الرياضية،‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال،‭ ‬مجرد‭ ‬تشويش‭ ‬إعلامي‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬حاقدة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬رمزية‭ ‬أوسع‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬العمق‭ ‬الإفريقي‭ ‬للمغرب،‭ ‬وإثارة‭ ‬الريبة‭ ‬حول‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬لعب‭ ‬دوره‭ ‬التاريخي‭ ‬كحلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬إفريقيا‭ ‬والعالم،‭ ‬بما‭ ‬يعكس‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬يشنها‭ ‬العسكر‭ ‬الجزائري‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬لمحاولة‭ ‬النيل‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬عبر‭ ‬الفضاء‭ ‬الرمزي‭ ‬والثقافي،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬والصراعات‭ ‬التقليدية‭.‬

 

إن‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬خلال‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬الأخيرة‭ ‬تفرض‭ ‬علينا‭ ‬إدراك‭ ‬هذا‭ ‬البعد‭ ‬الرمزي‭ ‬للحملة،‭ ‬وفهم‭ ‬الآليات‭ ‬الإعلامية‭ ‬والتحريضية،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬النقد‭ ‬المشروع‭ ‬والمغالطات‭ ‬الممنهجة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬درسا‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬مواجهة‭ ‬الحروب‭ ‬الرمزية‭ ‬وحماية‭ ‬الرسوخ‭ ‬المغربي‭ ‬في‭ ‬عمقه‭ ‬الإفريقي‭ ‬واستثمار‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى‭ ‬لتعزيز‭ ‬المكانة‭ ‬وليس‭ ‬الإضرار‭ ‬بها،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬النقط‭ ‬التالية:

أولا:‬‭ ‬تعرض‭ ‬المغرب‭ ‬لحملة‭ ‬ممنهجة‭ ‬ومركّزة‭ ‬استهدفت‭ ‬علاقته‭ ‬العضوية‭ ‬بإفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬استعمال‭ ‬المهاجرين‭ ‬الأفارقة‭ ‬كأداة‭ ‬توتر‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭ ‬لإظهار‭ ‬المغرب‭ ‬كمعقل‭ ‬للتمييز‭ ‬والعنصرية،‭ ‬مما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬الحملة‭ ‬كانت‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬خلق‭ ‬صورة‭ ‬المغرب‭ ‬كدولة‭ ‬معادية‭ ‬للإفريقيين،‭ ‬لتقويض‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬والشركاء‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء،‭ ‬ولزرع‭ ‬الانطباع‭ ‬بأن‭ ‬المغرب‭ ‬لا‭ ‬يحترم‭ ‬التزاماته‭ ‬التاريخية‭ ‬تجاه‭ ‬القارة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬الحقيقة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬أكدت‭ ‬التزام‭ ‬المغرب‭ ‬بسياسات‭ ‬إدماج‭ ‬المهاجرين‭ ‬وتنمية‭ ‬التبادل‭ ‬الثقافي‭ ‬والتجاري‭.‬

ثانيا‭:‬‭ ‬اتخذت‭ ‬الحملة‭ ‬أسلوب‭ ‬التضليل‭ ‬المنهجي‭ ‬عبر‭ ‬إنتاج‭ ‬سردية‭ ‬داخلية‭ ‬استهدفت‭ ‬فئات‭ ‬مغربية‭ ‬معينة‭ ‬لتوليد‭ ‬شعور‭ ‬بالتهديد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬المهاجرين‭. ‬والحال‭ ‬أن‭ ‬المهاجرين‭ ‬باتوا‭ ‬حقيقة‭ ‬سكانية‭ ‬يعرفها‭ ‬كل‭ ‬المغاربة،‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬وجودهم‭ ‬يثير‭ ‬أي‭ ‬إشكالي‭ ‬اجتماعي‭ ‬أو‭ ‬قانوني‭.‬

ثالثا‭:‬‭ ‬استخدمت‭ ‬الحملة‭ ‬آليات‭ ‬دقيقة‭ ‬لتعميق‭ ‬الانطباعات‭ ‬السلبية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التضخيم‭ ‬الإعلامي‭ ‬لأي‭ ‬قصور‭ ‬تنظيمي‭ ‬طفيف،‭ ‬وإعادة‭ ‬عرض‭ ‬صور‭ ‬قديمة‭ ‬أو‭ ‬مفبركة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬وقائع‭ ‬حديثة،‭ ‬وإطلاق‭ ‬تصريحات‭ ‬مبالغ‭ ‬فيها،‭ ‬ولا‭ ‬تمت‭ ‬للواقع‭ ‬بصلة،‭ ‬عبر‭ ‬منصات‭ ‬جزائرية‭ ‬رسمية‭ ‬وغير‭ ‬رسمية،‭ ‬كلها‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬المغرب‭ ‬على‭ ‬التنظيم،‭ ‬وتقديمه‭ ‬كدولة‭ ‬عاجزة‭ ‬على‭ ‬صعيد‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬إذ‭ ‬أثبتت‭ ‬البطولة‭ ‬نجاحا‭ ‬تنظيميا‭ ‬كبيرا،‭ ‬وغيّرت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الروايات‭ ‬المضللة‭ ‬التي‭ ‬حاولت‭ ‬تصوير‭ ‬المغرب‭ ‬كفشل‭.‬

رابعا‭:‬‭ ‬استُخدمت‭ ‬الحملة‭ ‬الرقمية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬استهداف‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الشكاوى‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬الحوادث‭ ‬العابرة‭ ‬لتصبح‭ ‬روايات‭ ‬كلية‭ ‬عن‭ ‬الفشل‭ ‬والفساد،‭ ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬متعارف‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الرمزية‭ ‬الحديثة‭. ‬وقد‭ ‬عملت‭ ‬هذه‭ ‬الشبكات‭ ‬على‭ ‬إيهام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬بأن‭ ‬التنظيم‭ ‬المغربي‭ ‬يفتقر‭ ‬للكفاءة،‭ ‬وأن‭ ‬الأحداث‭ ‬الرياضية‭ ‬مجرد‭ ‬واجهة‭ ‬لإخفاء‭ ‬أزمات‭ ‬داخلية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نية‭ ‬مسبقة‭ ‬لتوظيف‭ ‬البطولة‭ ‬كأداة‭ ‬للتأثير‭ ‬النفسي‭ ‬والسياسي‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭.‬

خامسا‭:‬‭ ‬لعب‭ ‬العسكر‭ ‬الجزائري‭ ‬دورا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬الحملة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬الإعلام‭ ‬الرسمي،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬مؤسسات‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالضغط‭ ‬الرمزي‭ ‬داخل‭ ‬إفريقيا،‭ ‬محاولا‭ ‬توظيف‭ ‬أي‭ ‬حادثة‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬البطولة‭ ‬لإحداث‭ ‬أزمة‭ ‬ثقة‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وشركائه،‭ ‬وإيهام‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الإفريقي‭ ‬بأن‭ ‬المغرب‭ ‬غير‭ ‬جدير‭ ‬بقيادة‭ ‬المبادرات‭ ‬الإفريقية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتسق‭ ‬مع‭ ‬استراتيجية‭ ‬أوسع‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬مكانة‭ ‬المغرب‭ ‬الرمزية‭ ‬والسياسية‭ ‬في‭ ‬القارة‭.‬

سادسا‭:‬‭ ‬الهجمات‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬إليها‭ ‬المغرب‭ ‬اصطدمت‭ ‬بعمق‭ ‬تاريخي‭ ‬وثقافي‭ ‬استحكم‭ ‬عبر‭ ‬قرون،‭ ‬فالارتباط‭ ‬المغربي‭ ‬بإفريقيا‭ ‬جنوب‭ ‬الصحراء‭ ‬متجذر‭ ‬في‭ ‬التجارة،‭ ‬والروابط‭ ‬الصوفية،‭ ‬والمبادلات‭ ‬العلمية،‭ ‬والعلاقات‭ ‬العائلية،‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬أي‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬تفكيك‭ ‬تلك‭ ‬الروابط‭ ‬العميقة‭. ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬بطولة‭ ‬كأس‭ ‬إفريقيا‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬الحدث‭ ‬لتعزيز‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭.‬

سابعا:‭ ‬اختار‭ ‬المغرب‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬بضبط‭ ‬النفس‭ ‬والفعالية،‭ ‬دون‭ ‬الانجرار‭ ‬إلى‭ ‬الردود‭ ‬الانفعالية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تضعف‭ ‬موقفه،‭ ‬مع‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬السياسات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تجاه‭ ‬المهاجرين،‭ ‬وضمان‭ ‬تنظيم‭ ‬البطولة‭ ‬بنجاح،‭ ‬وتفكيك‭ ‬المزاعم‭ ‬عبر‭ ‬بيانات‭ ‬رسمية‭ ‬ودبلوماسية،‭ ‬واستعراض‭ ‬الحقائق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬بما‭ ‬يحمي‭ ‬مكانته‭ ‬ويؤكد‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الحملات‭ ‬الرمزية‭ ‬والميدانية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭.‬

ثامنا‭:‬‭ ‬واصل‭ ‬المغرب‭ ‬تعزيز‭ ‬حضوره‭ ‬الإفريقي‭ ‬عبر‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية،‭ ‬والاستثمار‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتطوير‭ ‬الرؤية‭ ‬الملكية‭ ‬للتعاون‭ ‬جنوب-جنوب،‭ ‬والمبادرات‭ ‬الثقافية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬محاولات‭ ‬التشويه‭ ‬الإعلامية‭ ‬تصطدم‭ ‬بواقع‭ ‬ملموس‭. ‬فالنجاح‭ ‬التنظيمي‭ ‬للبطولة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المبادرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية،‭ ‬أعاد‭ ‬تأكيد‭ ‬المغرب‭ ‬كشريك‭ ‬جدير‭ ‬بالثقة،‭ ‬وأظهر‭ ‬محدودية‭ ‬تأثير‭ ‬الحملات‭ ‬الرقمية‭ ‬المضللة‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

تاسعا‭:‬‭ ‬كشفت‭ ‬الحملة‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نقاش‭ ‬عقلاني‭ ‬حول‭ ‬الهجرة‭ ‬والسياسات‭ ‬القارية،‭ ‬ونحو‭ ‬وعي‭ ‬مجتمعي‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تمييز‭ ‬النقد‭ ‬المشروع‭ ‬عن‭ ‬التضليل‭ ‬الإعلامي‭ ‬الممنهج‭. ‬

عاشرا‭:‬‭ ‬أكدت‭ ‬الحملة‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬يواجه‭ ‬اليوم‭ ‬حربا‭ ‬جديدة،‭ ‬مما‭ ‬يضعه‭ ‬أمام‭ ‬اختبار‭ ‬جديد‭ ‬لتعزيز‭ ‬عمقه‭ ‬الإفريقي،‭ ‬واستثمار‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى،‭ ‬كالرياضة،‭ ‬لإظهار‭ ‬التنظيم‭ ‬والجدارة‭ ‬والفعالية،‭ ‬وتحويل‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للنيل‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬لتأكيد‭ ‬مكانته‭ ‬التاريخية‭ ‬والإستراتيجية‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭.‬

لقد‭ ‬أظهرت‭ ‬الوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬المغربي‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عال‭ ‬من‭ ‬الاحترافية‭. ‬إذ‭ ‬تم‭ ‬تجهيز‭ ‬تسعة‭ ‬ملاعب‭ ‬موزعة‭ ‬على‭ ‬ست‭ ‬مدن،‭ ‬ووضع‭ ‬برامج‭ ‬دقيقة‭ ‬لإدارة‭ ‬النقل‭ ‬والإقامة‭ ‬والأمن،‭ ‬كما‭ ‬تم‭ ‬إعداد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬متطوع‭ ‬لتقديم‭ ‬الخدمات‭ ‬والمرافقة‭ ‬للجماهير‭ ‬والزوار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬التحضيرات‭ ‬شملت‭ ‬أيضا‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬والثقافي‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬العلاقات‭ ‬مع‭ ‬الشعوب‭ ‬الإفريقية‭. ‬وكان‭ ‬احتضان‭ ‬«الكان»‭ ‬فرصة‭ ‬لتفعيل‭ ‬التعاون‭ ‬الثقافي‭ ‬والدبلوماسي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استقبال‭ ‬الجماهير‭ ‬الأفريقية‭ ‬بحرارة،‭ ‬وتقديم‭ ‬فعاليات‭ ‬ثقافية‭ ‬ترسخ‭ ‬الروابط‭ ‬التاريخية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬القارة‭. ‬

 

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ظهور‭ ‬بعض‭ ‬الانتقادات‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬قبل‭ ‬البطولة،‭ ‬فإنها‭ ‬لم‭ ‬تؤثر‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬الميدانية‭ ‬ولا‭ ‬على‭ ‬الانطباع‭ ‬العام‭ ‬للجماهير‭ ‬والزوار،‭ ‬إذ‭ ‬أشاد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬بالملاعب‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مدرب‭ ‬المنتخب‭ ‬الجزائري‭ ‬فلاديمير‭ ‬بيتكوفيتش،‭ ‬الذي‭ ‬وصف‭ ‬التجهيزات‭ ‬بالجيدة،‭ ‬وأكد‭ ‬أن‭ ‬التنظيم‭ ‬كان‭ ‬سلسا‭ ‬وفعالا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يدل‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الانتقادات‭ ‬الإعلامية‭ ‬التي‭ ‬قادتها‭ ‬المخابرات‭ ‬الجزائرية‭ ‬وبعض‭ ‬أزلامها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المنبر‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬كانت‭ ‬محدودة‭ ‬التأثير،‭ ‬ولم‭ ‬تشكل‭ ‬سوى‭ ‬محاولة‭ ‬لخلق‭ ‬توتر‭ ‬إعلامي‭ ‬أمام‭ ‬نجاح‭ ‬حقيقي‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

 

لقد‭ ‬استطاع‭ ‬المغرب،‭ ‬إذن،‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬منتصرا،‭ ‬إذ‭ ‬أثبت‭ ‬للجميع‭ ‬أن‭ ‬النجاح‭ ‬التنظيمي‭ ‬والمصداقية‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬هما‭ ‬معيار‭ ‬التأثير‭ ‬الحقيقي،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬مغرضة،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬ذلك‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التقارير‭ ‬الدولية‭ ‬التي‭ ‬رصدت‭ ‬البطولة‭ ‬وأشادّت‭ ‬بفعالية‭ ‬التنظيم،‭ ‬وجودة‭ ‬الملاعب،‭ ‬وتجربة‭ ‬الجماهير،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬لم‭ ‬تنجر‭ ‬وراء‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لتشويه‭ ‬صورتها،‭ ‬بل‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬قدراتها‭ ‬وإمكانياتها‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭.‬

 

إن‭ ‬خروج‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحملة‭ ‬الإعلامية‭ ‬منتصرا‭ ‬يعكس‭ ‬قدرته‭ ‬الكبيرة‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمات،‭ ‬وفهم‭ ‬الديناميات‭ ‬الإعلامية‭ ‬الإقليمية،‭ ‬واستثمار‭ ‬النجاح‭ ‬الميداني‭ ‬لإظهار‭ ‬التزامه‭ ‬بالقارة،‭ ‬وهو‭ ‬درس‭ ‬مهم‭ ‬يبين‭ ‬أن‭ ‬الواقعية‭ ‬والاحترافية‭ ‬هما‭ ‬أفضل‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬الحملات‭ ‬المغرضة‭. ‬كما‭ ‬تبرز‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬خاضها‭ ‬المغرب‭ ‬باقتدار‭ ‬ضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬العمق‭ ‬الإفريقي‭ ‬بوصفه‭ ‬خيارا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬طويل‭ ‬النفس،‭ ‬وتقوية‭ ‬الخطاب‭ ‬العام‭ ‬حول‭ ‬الهجرة‭ ‬والقضايا‭ ‬الإفريقية،‭ ‬وتطوير‭ ‬آليات‭ ‬رصد‭ ‬وتحليل‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلامية‭ ‬الممنهجة،‭ ‬لضمان‭ ‬تفكيك‭ ‬التضليل‭ ‬قبل‭ ‬وصوله‭ ‬إلى‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الخطاب‭ ‬المعادي،‭ ‬أو‭ ‬يتم‭ ‬تجاهله‭ ‬عمدا،‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬إفريقيا‭ ‬ليست‭ ‬«عمقا‭ ‬وظيفيا»‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬فضاء‭ ‬انتماء‭ ‬ومصير‭ ‬مشترك‭. ‬والدليل‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الحضور‭ ‬القوي‭ ‬للبعد‭ ‬الديني‭ ‬والروحي‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الإفريقية‭ ‬للمغرب،‭ ‬عبر‭ ‬إمارة‭ ‬المؤمنين،‭ ‬وتكوين‭ ‬الأئمة،‭ ‬وإحياء‭ ‬الروابط‭ ‬الصوفية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬تاريخيا‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬التواصل‭ ‬بين‭ ‬المغرب‭ ‬وإفريقيا‭ ‬الغربية‭. ‬

 

ولذلك،‭ ‬فإن‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬اليوم‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬العمق‭ ‬الإفريقي‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجه‭ ‬باستمرار،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭ ‬بسرعة،‭ ‬وتتصاعد‭ ‬فيه‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬إفريقيا‭ ‬بوصفها‭ ‬فضاء‭ ‬استراتيجيا‭ ‬واعدا‭. ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭ ‬عادت‭ ‬بقوة‭ ‬إلى‭ ‬القارة،‭ ‬كلٌ‭ ‬بأجندته‭ ‬وأدواته،‭ ‬مما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬مطالب‭ ‬بأن‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الواقعية‭ ‬السياسية‭ ‬والوفاء‭ ‬لمنطق‭ ‬الشراكة‭ ‬المتكافئة،‭ ‬وبين‭ ‬حماية‭ ‬مصالحه‭ ‬الوطنية‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬القارة‭ ‬الكبرى،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬الصراع‭ ‬الإقليمي‭ ‬الذي‭ ‬انخرط‭ ‬فيه‭ ‬العسكر‭ ‬الجزائري‭ ‬منذ‭ ‬حرب‭ ‬الرمال،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬باب‭ ‬التعاون‭ ‬الإفريقي‭ ‬باعتباره‭ ‬خيارا‭ ‬استراتيجيا‭ ‬واعيا،‭ ‬تشكّل‭ ‬عبر‭ ‬تراكم‭ ‬تاريخي‭ ‬طويل،‭ ‬ثم‭ ‬أعيدت‭ ‬صياغته‭ ‬في‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن‭ ‬بمنطق‭ ‬المصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬وتكامل‭ ‬الأدوار‭ ‬داخل‭ ‬القارة‭. ‬

 

لقد‭ ‬أبانت‭ ‬التجربة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الأخيرة،‭ ‬أن‭ ‬منطق‭ ‬الوصاية‭ ‬أو‭ ‬التبعية،‭ ‬الذي‭ ‬حكم‭ ‬علاقات‭ ‬دول‭ ‬القارة‭ ‬مع‭ ‬قوى‭ ‬خارجية،‭ ‬لم‭ ‬يُنتج‭ ‬سوى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الهشاشة‭ ‬والاختلالات‭ ‬البنيوية‭. ‬ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يكتسب‭ ‬التعاون‭ ‬الإفريقي–الإفريقي‭ ‬معناه‭ ‬الحقيقي‭ ‬حين‭ ‬يُبنى‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬الندية،‭ ‬وعلى‭ ‬تقاسم‭ ‬الخبرات‭ ‬بدل‭ ‬تصدير‭ ‬النماذج‭ ‬الجاهزة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬اختار‭ ‬المغرب‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬نفسه‭ ‬شريكا‭ ‬ومساهما‭ ‬في‭ ‬البناء،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬انخراطه‭ ‬المكثف‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬طويلة‭ ‬النفس،‭ ‬تتجاوز‭ ‬منطق‭ ‬الربح‭ ‬السريع‭ ‬نحو‭ ‬أفق‭ ‬الاستدامة‭.‬

 

لقد‭ ‬راهن‭ ‬المغربـ،‭ ‬منذ‭ ‬عودته‭ ‬إلى‭ ‬الاتحاد‭ ‬الإفريقي،‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬منطق‭ ‬المحاور‭ ‬المغلقة‭ ‬أو‭ ‬الاصطفافات‭ ‬الإيديولوجية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬التوافقات‭ ‬التدريجية،‭ ‬وعلى‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬ووحدتها‭ ‬الترابية‭. ‬كما‭ ‬راهن،‭ ‬أمنيا،‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬(الإرهاب؛‭ ‬الجريمة‭ ‬المنظمة؛‭ ‬المتاجرة‭ ‬في‭ ‬البشر؛‭ ‬الاتجار‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬المخدرات؛‭ ‬والهجرة‭ ‬غير‭ ‬النظامية)،‭ ‬مما‭ ‬جعله‭ ‬رقما‭ ‬صعبا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬الإقليمي،‭ ‬عبر‭ ‬تبادل‭ ‬المعلومات،‭ ‬وتكوين‭ ‬الأطر،‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬مقاربات‭ ‬شمولية‭ ‬تربط‭ ‬الأمن‭ ‬بالتنمية،‭ ‬وتدرك‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬منابع‭ ‬العنف‭ ‬والتطرف‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬أعمق‭ ‬أبعاد‭ ‬التعاون‭ ‬الإفريقي‭ ‬يظل‭ ‬هو‭ ‬البعد‭ ‬الإنساني‭ ‬والثقافي‭. ‬فالتقارب‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬الشعوب‭ ‬ليُبنى‭ ‬عبر‭ ‬إعادة‭ ‬اكتشاف‭ ‬الروابط‭ ‬المشتركة،‭ ‬وإحياء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الإفريقية‭ ‬الجماعية،‭ ‬التي‭ ‬حاول‭ ‬الاستعمار‭ ‬تفكيكها‭. ‬

 

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تؤكد‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬لها‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬كأسس‭ ‬أمم‭ ‬إفريقيا‭ ‬أن‭ ‬المغرب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الهجمات‭ ‬الرمزية‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬لتعزيز‭ ‬مكانته‭ ‬في‭ ‬إفريقيا،‭ ‬وتقوية‭ ‬علاقاته‭ ‬التاريخية‭ ‬والثقافية‭ ‬مع‭ ‬عمقه‭ ‬القاري،‭ ‬وضمان‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬الأحداث‭ ‬الكبرى،‭ ‬كالرياضة،‭ ‬منصة‭ ‬لإبراز‭ ‬الجدارة‭ ‬والفعالية‭.‬

 

تفاصيل أوفى تجدونها في العدد الجديد من أسبوعية  " الوطن الآن"

رابط العدد هنا

https://anfaspress.ma/alwatan/voir/423-2026-01-27-06-44-24