في كل مرة يُثار فيها النقاش حول الخطبة الموحّدة في المغرب، وحول الدور الذي تضطلع به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، وشخص وزيرها الدكتور أحمد التوفيق، يتكرّر الجدل ذاته بصيغ مختلفة، لكن بجوهر واحد: اتهامات جاهزة، تشكيك في المقاصد، وتوصيف إداري وتنظيمي يُقدَّم على أنه اعتداء على الدين أو تحكّم في المنبر. غير أن المتأمل في طبيعة هذا النقاش يلاحظ أنه غالبًا ما يُدار خارج شروط التفكير العقلاني، ويغلب عليه منطق التعبئة الأيديولوجية أكثر مما يحكمه منطق الفهم التاريخي والفقهي والسياسي لطبيعة الدولة الحديثة ووظائفها.
أغلب الأصوات التي تهاجم الخطبة الموحّدة على منصات التواصل الاجتماعي تنتمي إلى تيارات إسلامية مؤدلجة، اعتادت النظر إلى الدين باعتباره مجالًا خاصًا بها، وإلى المنبر بوصفه فضاءً طبيعيًا لبث خطابها، دون إدراك أن الزمن الذي نعيشه لم يعد زمن الجماعات المتناثرة ولا زمن المجال العام غير المنظم، بل زمن الدولة الوطنية التي تقوم، بحكم مسؤولياتها، بتنظيم مختلف القطاعات الحيوية التي تؤثر في المجتمع، بما فيها الحقل الديني. فكما تُنظم الدولة التعليم والصحة والإعلام والاقتصاد، فإن تنظيمها للشأن الديني ليس استثناءً شاذًا، بل هو جزء من منطق التخطيط العقلاني الذي تفرضه الحياة المعاصرة.
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه لا يتعلق بشرعية الخطبة الموحّدة من عدمها، بل يتعلق بكيفية تدبير الحقل الديني في سياق دولة حديثة، متعددة الحساسيات، حريصة على الاستقرار والسلم الاجتماعي. فهل يُعقل أن يُترك المنبر مفتوحًا دون ضوابط، في وقت نعلم فيه حجم التأثير العاطفي والرمزي للكلمة الدينية؟ وهل يمكن معالجة اختلالات الخطاب الديني إذا سُمح لكل من شاء، وبأي تكوين أو خلفية، أن يعتلي المنبر ويخطب فيما يريد، وباللغة التي يريد، وبالأهداف التي يريد؟
التاريخ القريب والبعيد يُعلّمنا أن المنبر لم يكن يومًا فضاءً بلا تنظيم. ففي مختلف التجارب الإسلامية، ظل الخطاب الديني مرتبطًا بسلطة مرجعية ما، سواء كانت سياسية أو علمية أو اجتماعية. ولم يكن ذلك احتكارًا للدين، بل حماية له من التوظيف والصراع. فالمنبر حين يُترك بلا ضوابط لا يتحول إلى مساحة حرية، بل إلى ساحة تنازع، حيث يفرض الأقوى خطابًا والأكثر قدرة على التعبئة رؤيته الخاصة، وغالبًا ما تكون هذه الرؤية مؤدلجة، إقصائية، أو تصادمية.
من منظور فقهي مقاصدي، فإن حفظ الدين لا يعني إطلاق الخطاب الديني دون قيود، بل صيانته من الانحراف والتسييس والتطرف. فالمقاصد الشرعية لا تنفصل عن الواقع، ولا تُستدعى في فراغ، بل تُفعَّل بما يحقق المصلحة العامة ويدرأ المفاسد. والسؤال المقاصدي الجوهري هنا هو: هل من مصلحة الدين والمجتمع أن تتحول المساجد إلى مقرات غير معلنة لأحزاب أو جماعات؟ وهل من مقاصد الشريعة أن يُزرع التنازع والفرقة داخل بيوت الله؟ وهل يخدم الدين أن يسمع المواطن خطابات متناقضة أو متصارعة من مسجد إلى آخر، في قضايا تمس السلم الاجتماعي والوحدة الوطنية؟
الخطبة الموحّدة، في جوهرها، ليست نصًا جامدًا يُفرض بوصفه وحيًا، بل هي اجتهاد تنظيمي يهدف إلى ضبط الاتجاه العام للخطاب الديني، وضمان انسجامه مع الثوابت الدينية والوطنية، ومع حاجات المجتمع الآنية. وهي، بهذا المعنى، قابلة للنقد والتطوير والتقويم، لكنها لا تُناقش بمنطق التخوين ولا بمنطق الصراع على السلطة الرمزية.
الذين يرفعون شعار “حرية المنبر” يتناسون أن الحرية، في أي مجال، لا تكون مطلقة. فحرية الطبيب مقيّدة بأخلاقيات المهنة، وحرية الأستاذ محكومة بالمنهاج، وحرية الصحفي مؤطرة بالقانون، فلماذا يُراد للخطاب الديني أن يكون استثناءً خارج كل تنظيم؟ التجارب المؤلمة في عدد من الدول الإسلامية أثبتت أن ترك المساجد دون تأطير حوّلها في حالات كثيرة إلى فضاءات للتحريض، أو للتكفير، أو لتصفية الحسابات الأيديولوجية، وكانت النتيجة فوضى دينية سرعان ما تحولت إلى فوضى اجتماعية وسياسية.
في خضم هذا الجدل، يُستهدف الدكتور أحمد التوفيق، ليس بسبب قرارات تقنية معزولة، بل لأنه يجسد رؤية مغربية متراكمة لتدبير الشأن الديني، رؤية تقوم على الاعتدال، والاستمرارية التاريخية، والمرجعية المالكية، والتصوف السني، وإمارة المؤمنين. فهو لا يتحدث بمنطق الداعية الشعبوي، ولا بمنطق الزعيم الحركي، بل بمنطق رجل الدولة والمثقف المؤرخ الذي يدرك أن الدين، حين يُدار بعقل الدولة، لا يُفرَّغ من مضمونه، بل يُحمى من العبث.
الهجوم على التوفيق في جوهره ليس نقاشًا فقهيًا بريئًا، بل هو تعبير عن صراع أعمق حول من يملك سلطة تعريف الدين في الفضاء العام: هل هي الدولة، بوصفها إطارًا جامعًا لكل المواطنين، أم جماعات ترى نفسها وصية على الدين، وتتعامل مع أي تنظيم رسمي باعتباره تهديدًا لمشروعها؟
من المهم هنا التمييز بين تنظيم الحقل الديني والوصاية على الإيمان. فالدولة لا تدخل إلى ضمائر الناس، ولا تحدد لهم كيف يؤمنون، لكنها مسؤولة عن ما يُقال باسم الدين في المجال العام، لأن لذلك آثارًا مباشرة على الأمن الروحي والفكري للمجتمع. وهذا التمييز يغيب عن كثير من الخطابات الغاضبة التي تخلط بين قداسة الدين وبشرية الخطاب الديني، وتتعامل مع كل تدخل تنظيمي على أنه “تحكم في شرع الله”، في حين أن الفقه الإسلامي نفسه مليء بأحكام التنظيم وسد الذرائع وتقييد المباح تحقيقًا للمصلحة.
إن الخطبة الموحّدة ليست نهاية النقاش، ولا ينبغي أن تكون كذلك، لكنها خطوة في اتجاه عقلنة الحقل الديني ومنع انزلاقه إلى الفوضى. والنقاش حولها يجب أن يكون نقاشًا هادئًا، علميًا، مقاصديًا، بعيدًا عن التجييش الأيديولوجي وتوظيف العواطف الدينية. فالدين، في نهاية المطاف، رسالة هداية وبناء، لا أداة صراع ولا وسيلة استقطاب.
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الجماعة إلى منطق الأمة، ومن خطاب الانفعال إلى خطاب المقاصد، ومن وهم المنبر المطلق إلى مفهوم المنبر المسؤول. فحين يُترك الدين بلا تنظيم يُختطف، وحين يُدار بعقل الدولة يُصان، وحين يُناقش بالعقل يُخدم، لا يُختزل ولا يُستعمل .
الصادق العثماني - أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية