mercredi 28 janvier 2026
كتاب الرأي

ناشيد: الانتقال الجيوستراتيجي للمغرب.. من الهامش الشرق أوسطي، إلى المحور الأفروأطلسي لماذا لم يعد المغرب بلد الهامش؟

ناشيد: الانتقال الجيوستراتيجي للمغرب.. من الهامش الشرق أوسطي، إلى المحور الأفروأطلسي لماذا لم يعد المغرب بلد الهامش؟ سعيد ناشيد

عندما عمَّ الارتباكُ الدقائقَ الأخيرة من المقابلة النهائية لكأس إفريقيا لكرة القدم بالمغرب، قبل أيام، لم تكن تلك اللحظات مجرّد توتّرٍ رياضي عابر، بل كانت اختبارًا دقيقًا لقدرة العقل المغربي على ضبط الانفعال تحت ضغطٍ بالغ. ففي مكانٍ ما من العالم، كان من يراقب المشهد بوصفه تمرينًا حيًّا على خفض التوتر، وعلى تحويل لحظة قابلة للانفجار إلى لحظة تحكّم وانضباط، حيث لا ينتصر الأقدر على ضبط الأعصاب فقط، بل الأقدر على تهدئة الإيقاع حين يشتدّ الصخب.

 

ما جرى في تلك الدقائق لا يهمّ كرة القدم وحدها، بل يقدّم استعارة كثيفة عن نمطٍ أوسع في تدبير اللحظات الحرجة داخل المجال العام. فالدول، مثل الفرق، لا تُختَبَر في لحظات السيطرة السهلة، بل حين يضيق الوقت، ويشتدّ الضغط، وتتكالب الضربات. في هذا السياق، يصبح خفض التوتر مهارة سيادية بامتياز.

 

وكذلك كان الأمر.

المغرب الذي انحاز بهدوء إلى دور الوساطة في معظم نزاعات العالم، وحظي بثقة هادئة من مختلف الفرقاء في ليبيا وسورية وأوكرانيا وفلسطين، جاهز بما يكفي للمساهمة في خفض توترات العالم.

 

حين نادى دونالد ترامب على اسم المغرب أولًا، متبوعًا باسم البحرين ثانيًا، قصد التوقيع على إعلان تأسيس مجلس السلام العالمي، بدافوس، استغرب الكثيرون، وظنّوا الأمر مجرد "مزحة ترامبية". فكيف لدول لا تنتمي إلى الدول العظمى أن تساهم في صناعة السلام العالمي؟ لكن معطى حاسمًا هناك، يدركه ترامب جيدًا، بعد أن صاغته مراكز التفكير الأمريكية عقب سنوات من عمل أبرز المفكرين: السلام لا يحتاج إلى دول عظمى تفرض شيئا، بل يحتاج إلى دول أكثر مرونة، وتحظى بالثقة، لأجل النجاح في الوساطة وخفض التوترات، داخل عالم يزداد تعقيدًا.

 

المغرب الذي مر بأوقات عصيبة، تكالب عليه فيها الأقارب والأباعد طمعا في تقسيمه، وإخضاعه لمزيد من التقسيم، لم ينج اليوم وحسب، بل بدأ يتحول إلى رقم أساسي في المعادلة الدولية، موازاة مع انتقال جيوسراتيجي مفصلي.

 

ثلاث محطات للانتقال الجيوستراتيجي

أوّلا، المحطة الشرق أوسطية - انتماء دون تمركز:

في هذه المرحلة، كان حضور المغرب في الفضاء الشرق الأوسطي حضورًا رمزيًا وسياسيًا أكثر مما كان تمركزًا جغرافيًا أو اندماجًا بنيويًا؛ فقد اتخذ شكل تضامن سياسي، وانخراط دبلوماسي في قضايا المنطقة، دون أن يترجم إلى موقع مؤثّر في بنيات القرار.

 

ويُعزى ذلك أساسًا إلى الموقع الجغرافي للمغرب، والذي وضعه خارج مراكز الثقل البنيوية، إذ تُصاغ القرارات الكبرى ضمن منظومات نفطية وأمنية لا تصنعها الجغرافيا المغربية ولا تتحكم فيها.

 

يتعلق الأمر إذن بانتماء ثقافي وسياسي محدود العائد جيوستراتيجيًا، لم يُنتج نفوذًا حاسمًا. باستثناء شراكات ثنائية قوية مع بعض الدول الخليجية، لكنها لا تكفي للاضطلاع بدور محوري.

 

ثانيا، المحطة الأورومتوسطية - شراكة غير متكافئة:

مع نهاية الحرب الباردة، دخل المغرب طور الأورومتوسطية بوصفها وعدًا بالتقارب الاقتصادي والسياسي مع أوروبا. وقد أتاح هذا الإطار تحقيق مكاسب محدودة، همّت تحديث بعض المؤسسات، وفتح أسواق جزئية، وإبرام اتفاقيات للتعاون الأمني. غير أنّ جوهر المأزق يكمن في بنية العلاقة نفسها القائمة على ثنائية المركز والهامش. إذ تحتفظ أوروبا بتحديد الإيقاع والأولويات، بينما يُختزل الدور المغربي، في كثير من الأحيان، في وظيفة تأمين الحدود الجنوبية أكثر من كونه شريكًا كاملًا في صياغة الخيارات الاستراتيجية.

 

ثالثا، المحطة الأفروأطلسية - نحو دور محوري:

هنا لا يتعلّق الأمر بإطار تعاوني جديد فحسب، بل بإعادة تعريف عميقة للموقع والدور معًا. بحكم جغرافيته، يبرز المغرب بوصفه بوابة أطلسية قادرة على تنظيم الربط بين إفريقيا، وأوروبا الغربية، والأمريكيتين، لا كمجرد ممرّ عابر، بل كفاعلية استراتيجية. وفي هذا السياق، لا تُختزل القارة الإفريقية في محيط جغرافي مجاور، بل تُفهم باعتبارها عمقا استراتيجيًا للاستثمار في مجالات الاقتصاد، والمال، والأمن الاستراتيجي، فضلا عن الأمن الروحي.

 

غير أن الفضاء الأفروأطلسي لا يمثل قطيعة مع الشرق الأوسط أو أوروبا، بل يمثل تتويجا لكل ما راكمه المغرب خلال تلك المحطات. حيث انتقل المغرب بخطوات هادئة من موقع هامشي داخل الفضاء الشرق أوسطي، ومن محاولة التموقع داخل الإطار الأورومتوسطي، إلى شغل دور محوري في الفضاء الأفروأطلسي.

 

الفضاء الأفروأطلسي كمحور استراتيجي جديد

شهد الفضاء الأطلسي الإفريقي خلال العقود الأخيرة عودةً لافتة إلى واجهة التفكير الاستراتيجي، سواء في الدراسات الأمنية، أو في تحليلات التجارة والطاقة، أو في نقاشات إعادة ترتيب موازين القوة بين الشمال والجنوب. غير أنّ هذا الحضور ظلّ تقنيًا ووظيفيًا، يتعامل مع إفريقيا الأطلسية بوصفها ممرًا أو هامشًا أو مجالَ نفوذٍ متنازع عليه، لا بوصفها موقعًا مُنتِجًا للمعنى والسيادة.

 

وتُظهر مراجعة الأدبيات أنّ تعبيرAfro-Atlantic  أو Atlantic Africa  قد استُعمل في سياقات متباينة. لكن، سواء في الدراسات التاريخية والسوسيولوجية، حيث يُفهم الأطلسي كفضاء ذاكرة وتهجير وتداخل ثقافي، أو في الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة، حيث يظهر المفهوم في تقارير الأمن البحري، بوصفه توصيفًا تقنيًا لسواحل غرب إفريقيا، يغلب النظر إلى إفريقيا كموضوع تحليل لا كفاعل مفهومي.

 

من الجغرافيا كمعطى إلى الجغرافيا كفعل:

ليست الجغرافيا إطارًا طبيعيًا محايدًا، بل فاعلًا معرفيًا يُوجّه أنماط التفكير، ويُشكّل الحساسية الأخلاقية، ويترك أثره العميق في خيارات الدول واستراتيجياتها. فالمكان لا يكتفي باحتضان التاريخ، بل يُسهم في صناعته وإعادة توجيهه. ومن هذا المنظور، لا تُطرح الأفروأطلسية كتموضع جغرافي جديد فحسب، بل كتحوّل منهجي في الوعي بالموقع: من اعتباره قدرًا ثابتًا، إلى اعتباره موردًا استراتيجيًا قابلًا للاستثمار، وإعادة التنظيم، وإنتاج المعنى، ضمن ما يمكننا أن نصطلح عليه بعقلانية الموقع.

 

عقلانية الموقع:

عقلانية الموقع هي نوع من التفكير السياسي الذي ينطلق من خصوصيات المكان (الساحل، الجبل، المضيق، العمق القاري) بوصفها شروطًا لتشكّل العقل العملي. حيث لا تُقاس العقلانية بمدى محاكاتها لنماذج جاهزة، بل بقدرتها على تحويل الخصوصية إلى قاعدة قابلة للاستثمار في الأفق الكوني.

الأفروأطلسية عقلانية حركية، لأنها تفكّر في العلاقات لا في الجواهر المنعزلة، وتجعل الوساطة والعبور قيما معرفية، لا مجرد حالات انتقالية مؤقتة.

 

العبور بوصفه قيمة معرفية:

في الأدبيات الكلاسيكية، ارتبط مفهوم العبور غالبًا بالهشاشة أو الارتياب: حدود رخوة، تخوم غير محسومة، ومناطق رمادية تُثير القلق أكثر مما تُنتج المعنى. فالعبور، في المخيال التقليدي، هو ما يقع "بين بين"، أي خارج دائرة اليقين وداخل احتمال الارتباك. غير أنّ المقاربة الأفروأطلسية تتيح قلب هذا التصوّر، عبر إعادة تأويل العبور لا بوصفه نقصًا في التمركز، بل كفاءة معرفية عالية، تتطلّب الجمع دون خلط، والتمييز دون إقصاء، والتفاوض دون تفريط في السيادة.

 

فالعبور هنا ليس وضعًا مؤقتًا أو حالة اضطرارية، بل نمط تفكير. إنّه عقلٌ يتقن فنّ الترجمة بين العوالم، لا ليُذيبها في بعضها، بل ليجعلها قابلة للتجاور والعمل المشترك. عقلٌ لا يرى في التعدّد تهديدًا للتماسك، بل شرطًا لإنتاج معنى أكثر ثراء، وسياسات أكثر واقعية.

 

إنّ الموقع الأفروأطلسي -حيث تتقاطع طرق التجارة، والهجرة، والثقافة، والأمن- لا يفرض فقط تحديات جيوسياسية، بل يفرض، قبل ذلك، نمطًا خاصًا من العقلانية. حيث الحاجة إلى عقل قادر على إدارة التعدّد دون إنكاره، وضبط التوترات دون قمعها، وإنتاج حلول وسطى مبتكرة دون الوقوع في الانتهازية. وفي هذا المعنى، يصبح العبور تمرينًا معرفيًا دائمًا على التفكير المركّب، وعلى تجاوز الثنائيات الاختزالية: مركز/هامش، شمال/جنوب، داخل/خارج.

 

هذا النمط من العقلانية ليس علامة ضعف أو تردّد، بل قوة تنظيمية في عالم يتّجه نحو مزيد من التعقيد، حيث تفشل الحلول الصلبة، وتنهار اليقينيات المغلقة، وتصبح القدرة على التنسيق بين الاختلافات أهم رأس مالٍ استراتيجيّ للدول.

 

الوساطة بوصفها قيمة أخلاقية:

إذا كان العبور قيمة معرفية، فإنّ الوساطة هي ترجمتُه الأخلاقية. الوساطة ليست حيادًا باردًا ولا مساومة انتهازية، بل موقف أخلاقي يقوم على الاعتراف بشرعية التعدّد، وتحمّل مسؤولية خفض منسوب العنف الكامن في الصراعات والتوترات.

 

الوسيط لا يقف خارج النزاع بدعوى الطهارة، ولا ينغمس فيه بدافع الاصطفاف، بل يتحمّل عبء الوقوف بين الأطراف، حيث الكلفة أعلى، والاتهام أسهل، لكن المعنى أعمق.

 

في السياق الأفروأطلسي، تتحوّل الوساطة إلى أخلاق سياسية: أخلاق تُفضّل الإصلاح على الكسر، والربط على القطيعة، وبناء الجسور على إدارة الأنقاض. وهي أخلاق تعي أنّ السلام ليس غياب الصراع، بل فنّ تنظيمه، وأنّ الاستقرار لا يُنتَج بالقوة الخالصة، بل بالقدرة على خلق أفق مشترك بين فاعلين متباينين.

 

بهذا المعنى، لا تكون الوساطة تخلّيًا عن المصلحة الوطنية، بل توسيعًا ذكيًا لها؛ إذ إنّ الدولة التي تُحسن الوساطة لا تُضعف موقعها، بل تعزّزه، لأنها تتحوّل من طرفٍ في النزاع إلى شرطٍ لإدارته.


وهكذا، يصبح العبور -في صيغته الثقافية والأخلاقية- أحد مفاتيح النفوذ الهادئ في عالم متصدّع، حيث تُقاس القوة، أكثر فأكثر، بالقدرة على منع الانفجار، بدل استثماره بعد وقوعه، كما يفعل الكثيرون.

 

من عقلانية الموقع إلى سيادة المعنى:

في الجيوسياسة المعاصرة، لم تعد السيادة تُقاس فقط بمدى التحكّم في الأرض أو بتراكم أدوات القوّة الصلبة، بل بقدرة الدولة على إنتاج المعنى وتنظيم شبكة العلاقات التي تتحرّك داخلها. لقد انتقلت السيادة، في جزءٍ أساسي منها، من منطق الامتلاك إلى منطق التأثير، ومن فرض الوقائع إلى هندسة التوقّعات.

 

في هذا الأفق، تُقدِّم الأفروأطلسية نفسها كعقلانية جغرافية جديدة، تُؤسّس لما يمكن تسميته بسيادة المعنى: سيادة لا تقوم على الإكراه أو الاستعراض، بل على جعل الموقع الجغرافي والسياسي ضروريًا لا يمكن تجاوزه في حلّ الأزمات، وربط المصالح المتعارضة، وتهدئة الصراعات قبل انفجارها. إنّها سيادة تُمارَس عبر الوساطة، والتنسيق، وبناء الثقة، بدل السعي نحو الهيمنة المباشرة، كما تفعل كثير من القوى في عالم اليوم.

 

السيادة الرمزية

في الجيوسياسة الكلاسيكية، كانت السيادة تُفهم أساسًا بوصفها قدرة على التحكّم في الأرض، وضبط الحدود، وامتلاك أدوات القوّة العسكرية. غير أنّ التحوّلات العميقة التي عرفها النظام الدولي، من تعقّد الترابطات العابرة للدول، وصعود الفاعلين غير الدولتيين، إلى انفجار الإعلام الجديد وشبكات التأثير، أعادت تشكيل هذا المفهوم، ووسّعت دلالته. فلم تعد السيادة حكرًا على السيطرة المادية، بل غدت، في أحد أبعادها الحاسمة، قدرة على إنتاج الدلالة وتنظيم التصوّرات.

في هذا السياق، تبرز السيادة الرمزية بوصفها موردًا استراتيجيًا لا يقلّ أهمية عن الموارد التقليدية. فهي تعني، قبل كل شيء، أن تملك الدولة سرديتها الخاصة، وأن تشارك بفاعلية في تحديد مفردات النقاش الدولي، وأن تجعل حضورها ضروريًا في تفسير الأزمات، لا في إدارتها التقنية فحسب. فالدولة التي تُقصى من مستوى المعنى، حتى وإن حضرت ميدانيًا، تظل فاعليتها منقوصة.

 

وهذا مما ينبغي الانتباه إليه.

ما السيادة الرمزية؟

السيادة الرمزية هي قدرة دولة ما على التأثير في تمثّلات الآخرين عنها وعن محيطها، وعلى صياغة معنى موقعها ودورها، بما يجعلها مرجعًا لا يمكن تجاوزه داخل الفضاء الذي تنشط فيه. إنّها سيادة تُمارَس في مستوى التصوّرات، والشرعية، والتوقّعات، حيث تُصاغ الصور الذهنية، وتُبنى الثقة، وتُحدَّد أطر الفهم.

لا تقوم هذه السيادة مقام القوّة الصلبة، ولا تُغني عنها، لكنها تضاعف أثرها وتُقلّل كلفتها. فحين تُمارَس القوّة داخل أفق معنوي مُقنِع، تتحوّل من عبءٍ سياسي وأخلاقي إلى أداة مقبولة، بل مفهومة. وهنا تحديدًا، تفتح الأفروأطلسية إمكان بناء سيادة رمزية قوامها الوساطة، وتنظيم العبور، وصناعة المعنى في عالم تتنازع فيه السرديات بقدر ما تتنازع فيه المصالح أيضًا.

 

المغرب والدور الأفروأطلسي

في عالم ما بعد موازين القوى، ينبغي تثبيت وظيفة المغرب كدولة وساطة وربط. وهو ما ينسجم مع إحدى الدلالات الاصطلاحية للعاصمة الرباط. غير أنّ هذه الميزة لا تكفي بذاتها، ما لم تُستثمَر مؤسسيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى تحويل الوساطة من خطاب سياسي إلى بنية تحتية ومؤسساتية، عبر مجالات محدّدة، من بينها:

تعزيز المواصلات الرابطة بين القارات الثلاث، خصوصًا في مجال ترانزيت المطارات، بما يجعل المغرب رابطا قويا بين إفريقيا، أوروبا، والأمريكيتين، إضافة إلى تثمين دور الموانئ الكبرى.

 

تطوير دبلوماسية اقتصادية للوساطة، تجعل من المغرب فضاءً مفضّلًا للتحكيم، وتسوية النزاعات التجارية، واحتضان المقرّات الإقليمية للشركات والمؤسسات الدولية العاملة في إفريقيا والأطلسي.

 

بناء كفاءات وطنية في إدارة النزاعات والوساطة الدولية، عبر تكوين نخبة متخصّصة تجمع بين القانون الدولي، والعلاقات الدولية، والثقافات المقارنة، بما يُحوّل الوساطة إلى خبرة وطنية قابلة للتصدير.

 

الاستثمار اللغوي والمعرفي، عبر تعزيز مكانة اللغة الإنجليزية في التعليم العالي، والبحث العلمي، والتكوين التقني، باعتبارها لغة الوساطة العالمية، دون التفريط في الرأسمال اللغوي القائم، بل ضمن منطق تعدّد وظيفي للغات.

 

تعزيز السيادة الرمزية، من خلال بناء سرديات هادئة ومتّسقة تُرسّخ صورة المغرب كفضاء ثقة، واستقرار، وربط، لا كطرف في استقطابات حادّة وسريعة الاستهلاك.

 

بهذا الاستثمار المتكامل، لا يعود المغرب مجرّد دولة تتجنّب الاصطفاف، بل دولة تُحسن تحويل موقعها الجغرافي وتاريخها السياسي إلى وظيفة استراتيجية: تنظيم الوساطة والعبور، تهدئة النزاع والتوتر، وصناعة المعنى في عالم مهدد بفقدان البوصلة.

 

ماذا يعني ذلك لصانع القرار؟

يعني أنّ قوة المغرب المستقبلية لا تُبنى على منطق التراكم العسكري أو الاصطفاف الحاد، بل على تحويل الموقع الجغرافي إلى وظيفة استراتيجية ومؤسساتية: الربط، الوساطة، وتنظيم عبور الإنسان والثقافات.

يعني ذلك، الانتقال من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة هندسة السياقات، حيث يكون المغرب حاضرًا في تصميم الأطر التي تُدار داخلها الأزمات، لا فقط في تدبير نتائجها.

 

يعني الاستثمار في السيادة الرمزية بقدر الاستثمار في البنية التحتية: امتلاك السردية، وصناعة المعنى، وتثبيت صورة المغرب كفضاء ثقة وتنظيم. وهنا يأتي دور صناع الرأي والرؤية، لئلا ننسى ذلك.

 

يعني إعادة توجيه السياسات العمومية في مجالات الدبلوماسية، النقل، التعليم، اللغات، الاقتصاد، وتكوين النخب.

إن عالمًا جديدًا يتشكّل اليوم في ظروف مضطربة ومثيرة للجدل، حيث لا تُمنَح المواقع بالضرورة وفق موازين القوى، ولا تورث بالضرورة عن نتائج حروب قديمة، بل قد تُنتَزع أحيانًا بالمعنى قبل القوة. ولقد قلتُها مرارًا، وأعيدها اليوم بوضوحٍ أكبر:

في عالم اليوم، إمّا أن تكون جزءًا من اللعبة، أو تكون أنتَ اللعبة.