dimanche 25 janvier 2026
مجتمع

المصطفى حمزة: هكذا تشكلت النواة الأولى لميلاد مدينة "لوي جانتي" الفوسفاطية

المصطفى حمزة: هكذا تشكلت النواة الأولى لميلاد مدينة "لوي جانتي" الفوسفاطية المصطفى حمزة

لم يكن الفقير العربي لوديكي شاهدا فقط عن بداية تأسيس المدينة، بل كان كذلك شاهدا ومعاينا لبداية التعرف على رواسب معدن الفوسفاط بهضبة الگنتور، وشهادته تكتسي مصداقيتها من المكانة التي كانت له بين ساكنة المدينة، فكل الروايات التي تناولت سيرته تشهد أنه «كان أمينا، وصادقا، ومعروفا بالورع والتقوى»، هذا إلى جانب وطنتيه التي تمتد بجدورها إلى جده إبراهيم بن عمر بن بريكة الدليمي، الذي كانت أسرته من ضمن الأسر المكونة للجيش، الذي زحف به أحمد الهيبة على مدينة مراكش التي دخلها مزهوا بانتصاراته المتتالية، واستقراره بها إلى حين انهزام جيشه في معركة سيدي بو عثمان بتاريخ 6 شتنبر 1912، بسبب خيانة كبار قواد الحوز، والأسلحة المتطورة للفرنسيين بقيادة القائد "مانجان" (Charles Mangin).

وبعد انهزام أحمد الهيبة - الذي رفض العمل بالاقتراح الذي قدمه له قائد جيشه حيدة أو ميس- ، اختارت أسرة والد الفقير العربي البقاء بالحوز، فالتحقت بأبناء عمومتها أولاد دليم المستقرين شرق قبيلة أحمر، فكان استقرارها بدوار الزعواطة، حيث منحت لها أراضي شاسعة للزراعة والرعي.

وبعد التعسف الذي طالهم على يد الباشا التهامي الگلاوي، شد جد الفقير العربي رفقة أسرته الرحال إلى منطقة أيت با عمران، وبعد مدة وجيزة ستضطرهم الظروف السائدة هناك إلى الهجرة لبلاد أحمر، حيث ستستقر أسرته بدوار المضافرة بجماعة السبيعات، وهنا سيتزوج والده ويخلفه.  

ويضيف الفقير العربي: أنه في أحد الأيام، بينما كان عائدا رفقة والده من مرعى السفح الشمالي لهضبة الگنتور، وجدا بمنطقة "الفوارع"، خيمة مبنية وبداخلها سرير للنوم وفانوس، وكتب وأدوات للتنقيب، وبالقرب منها رجلا فرنسيا رفقته بعض المخازنية.  

وتأكد فيما بعد، أن مهمة الرجل الفرنسي، كانت هي التعرف على رواسب الفوسفاط بهضبة الگنتور، فقد كان الفرنسي - تبعا لرواية الفقير العربي - ينقب ويقوم بجمع عينات من التربة ويضعها في أكياس خاصة، ونظرا للمدة التي استغرقتها عملية البحث، فقد نسج الرجل الفرنسي علاقات مع سكان المنطقة، فصار يشتري منهم حاجياته من اللحوم والدجاج والبيض... ومع مرور الوقت تحولت الخيمة إلى سكن عبارة عن بيت، مما يعكس طول المدة التي استغرقها الرجل الفرنسي بالمنطقة والتي ستختتم في أحد الأيام، بحضور سيارة تشتغل بالفحم لنقل كل الأكياس التي جمعها المكتشف الفرنسي وحملها إلى المختبر.  

الفترة التي كان الفقير العربي، يروي تفاصيلها بانتشاء على أبنائه، وهو يستحضر ما ظل عالقا بذاكرته منذ أيام الطفولة، هي الفترة التي تم فيها بالفعل التعرف على رواسب فوسفاط الگنتور من قبل عامل المناجم الرئيسي "نوگاريت Nogaret " سنة 1929م.

ومعلوم أن تواجد معدن الفوسفاط بهضبة الگنتور كان معروفا منذ 1919م، وأن التعرف على رواسبه تم سنة 1929م، في حين أن الشروع في استغلاله تم سنة 1932م.

وانطلاقا من أن إنتاج التعدين على نطاق واسع، غالبا ما يؤدي إلى ظهور واحد أو أكثر من التجمعات الحضرية، التي تتميز بمورفولوجيتها وهياكلها داخل المدن، ووظائفها الاجتماعية والإقليمية، فإن ميلاد مدينة "لوي جانتي" بالسفح الشمالي لهضبة الگنتور، كان هو الآخر نتيجة لبداية الشروع في استغلال واستخراج معدن الفوسفاط. 

وبما أن اختيار بناء المركز الفوسفاطي «لوي جانتي»، وقع على المجرى الأسفل لوادي كشكاط قبل تغيير مجراه، وبما أن المكان كان محفوفا بمخاطر الفيضانات، فلذلك اقتصر الفرنسين في البداية، على بناء عدد محدود من السكنيات الخشبية في انتظار إيجاد حل لمجرى وادي كشكاط.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد صادف استخراج معدن الفوسفاط تأثير الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت سنة 1929 بالولايات المتحدة الأمريكية، ثم انتقلت بشكل تدريجي إلى باقي الدول الرأسمالية بما فيها فرنسا التي وصلتها سنة 1932.  

وطبيعي أن يكون لذلك تأثير سلبي على المستعمرات - ومن ضمنها المغرب - بحكم تبعيتها للدول الاستعمارية الرأسمالية. وفي هذا السياق، كانت الانطلاقة الاقتصادية لمركز «لوي جانتي» في البداية جد محدودة إذ تم الإعتماد على مهندس واحد، وعامل منجم رئيسي، أوكلت له قيادة ستون عاملا من الحمريين، تم اجتثاثهم من الدواوير التابعة للقائد العربي بلكوش، يفتقرون إلى الخبرة والتكوين في مجال استخراج معدن الفوسفاط، وزج بهم في عالم الشغل بدون ضمانات وحقوق، وهو ما يترجم تخليهم الجماعي عند بداية عملية الحرث عن العمل، والالتحاق بدواويرهم لزراعة وحرث أراضيهم.

 

يتبع