الدخول إلى أجواء التهييئ لنهائيات كأس العالم في سياق يثقل الذاكرة الجماعية بخيبة قارية، هي مهمة معقدة نفسيا وتقنيا ورمزيا. لأن كرة القدم في هذا المستوى العالي لا تقاس بالجاهزية البدنية وحدها بل بقدرة المنتخبات على تحويل الإخفاق إلى طاقة عمل لا إلى عبء محبط.
فخسارة كأس القارة تترك أثرا عميقا داخل غرف الملابس، وفي وعي الجماهير، وفي طريقة قراءة المشروع الكروي برمته. فالمنتخب الذي كان مرشحا للتتويج، يجد نفسه فجأة مطالبا بتفسير ما وقع، وباستعادة الثقة في زمن قياسي. بينما يفرض إيقاع كأس العالم مسارا صارما لا ينتظر أحدا ولا يمنح هامش التردد. ذلك أن التحضير للمونديال تحت هذا الضغط يفرض شجاعة في التقييم، ووضوحا في القرار. لأن تجاهل أسباب الخيبة يجعلها تتراكم، وتأجيل الحسم يضاعف كلفته. والمطلوب هنا مقاربة هادئة تقوم على تشخيص تقني دقيق ومصارحة مسؤولة مع الرأي العام، وإعادة ترتيب الأولويات دون انفعال ودون خطاب تبريري.
فالمنتخبات الكبرى تعرف أن الطريق إلى كأس العالم، يمر عبر إدارة ما بعد الصدمة القارية. وذلك عبر تحويل الخسارة إلى مادة تعلم، وإعادة بناء الذهنيات وتجديد الثقة في الاختيارات أو تصحيحها عند الحاجة. فالمونديال فضاء تنافس عالمي تحسمه التفاصيل الصغيرة والاستعداد الذهني قبل أي عامل آخر. وفي هذا السياق تصبح القيادة الرياضية مطالبة بتأمين الاستمرارية، وحماية المشروع من الارتباك وفرض مناخ عمل منضبط يوازن بين الطموح والواقعية. ويعيد توجيه البوصلة نحو الهدف الأكبر دون إنكار لما حدث ودون تضخيم له.
كأس العالم التي تنظم تحت إشراف الفيفا لا ترحم من يدخلها محملا بالأسئلة غير المحسومة. ولا تكافئ من يصلها وهو يجر أذيال الشك. فالمنتخب الذي يطمح إلى الحضور القوي، مطالب بإغلاق صفحة الخيبة القارية بعمل جاد، وبإجراءات ملموسة لا بوعود عامة.
إن الرهان اليوم يتمثل في القدرة على تحويل الألم إلى وعي، وعلى نقل الفريق من منطق الحسرة إلى منطق التحدي. لأن التاريخ الكروي يكتب لمن يحسن النهوض بعد السقوط، ويصل إلى المواعيد الكبرى وهو يعرف نفسه ويثق في مساره ويملك شجاعة المراجعة وقوة الإصرار..