المغرب ليس مجرد بلد، إنه حلم يركض على ضفاف الزمن.. من الملاعب، حيث تصرخ الجماهير بأسماء لاعبيها، إلى القاعات الدبلوماسية حيث تُوزع الدعوات وتُصاغ القرارات، يكتب المغرب مكانته بخطوط غير مرئية، على صفحات لا تقرأها إلا العيون اليقظة..
دعوة صاحب الجلالة لم تكن مجاملة، كانت اعترافًا صامتًا بأن هذا الوطن، كما في كرة القدم، يعرف كيف يسجل أهدافه، في الشباك، في القرار الدولي..
الـ"كان" لم يكن مجرد بطولة، كان مرآة تصوّر وجه الدولة: ملاعب عالمية، طرق ومطارات من الطراز الرفيع، بنيات تحتية تتكلم بلغة الثقة، كأنها تقول للعالم: نحن ننجز، ونحن نستطيع..
وفي الزوايا، كان هناك الفاعل السياسي الذي لم يتعلم بعد كيف يكون كبيرًا في هذه الظروف، غارق منذ خمس سنوات في صفقات عابرة، يبيع الأحلام بدل أن يصنعها، يبيع الوطن بدل أن يحميه.. مفارقة غريبة نصنعها نحن عند كل انتخابات، حين نضع الثقة في من يضع المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة، حين نبيع الواقع والأمل، مرة واحدة، وبثمن رخيص.
ولكن، وسط هذا كلّه، كان للـ"كان" فضله: إنه جمعنا.. لم يكن الفوز بالكأس، لكن كان الفوز بالوحدة.. لم يكن الانتصار في الملعب، بل في المدرجات، حيث نسينا أسعار الخضروات واللحوم وغلاء الحياة، وتوحدنا على صوت واحد، على رهان واحد، على حب الوطن وملك يراه شعبه كما يرى نفسه في مرآة بلا تشويش.
ألا يستحق هذا أن نعيد قراءة تاريخنا؟ نحن الذين أعطينا إفريقيا سمعة، نحن الذين صنعنا من الكرم والأخلاق تنظيمًا عالميًا، نحن الذين علمنا القارة كيف تكون ضيافة حقيقية، لا مجرد بروتوكول..
شعب جميل يستحق حكومة تليق بجماله، ونخب تحبه في كل زاوية من الحياة: في الصحة والتعليم، في الفن والثقافة، في الإعلام كما في الرياضة.
أعيدوا الثقة للمثقفين والقدوات، حتى وإن لم يكونوا من المصفقين، فهم المغاربة الذين يحبون وطنهم بلا مراوغة، بلا مصالح شخصية..
فالـ"كان" كشف هشاشة الإعلام..
إعلام عاجز عن نقل الصورة الكبيرة للمغرب،
محللون اختفوا في النسيان، فنانون يطرقون أبواب وزارة بلا ثقافة، وإعلام خُصص جزئيًا، وحين احتجنا إلى الدفاع عن رهاننا، وجدنا السراب وحده يجيب.. استوردنا مؤثرين كما نستورد الأشياء، وتركوا فراغهم لنا حين انتهى العرض.
ومع ذلك، كان للـ"كان" فضل لا يُنكر: أنه جمعنا حول سردية واحدة اسمها الوطن..
فلا تُخونوا من ينتقد أعطابه، فهو يحبه على طريقته، كما تحبونه أنتم بطريقتكم.. اختلاف الطرق لا يفسد الحب، والوفاء للثوابت لا يمنع اختلاف الرؤية.. أحبوا وطنكم، حتى حين يختلف معكم..
درس الـ"كان" رسالة لنا جميعًا: دولة بقيادة ملك، شافاه الله، تنخرط في رهانات كبرى، ونخب سياسية أفلست سياسيًا قبل أن تؤول إلى الفراغ الرمزي.. المرحلة القادمة تحتاج إلى نظافة القلوب قبل العقول، وإلى من ينظف بيته الداخلي قبل أن يدخل رهانات الوطن الأكبر.
الـ"كان" كان وعيًا قبل أن يكون كأسًا، وكان شهرًا من وحدة نادرة صنعتها كرة صغيرة.. وليتنا نتوحد دائمًا، في كل شيء، خلف ملك برؤية كبيرة، ووطن يستحق منا أن نحلم به أكثر مما نختلف..