يشرفني أن أتقدم إلى عموم القارئات والقراء، وإلى المتابعين والرأي العام الوطني والدولي، بقراءة تحليلية في مضامين بلاغ الديوان الملكي ودلالاته. قراءة أتوخّى من خلالها فتح فضاء للنقاش الهادئ والمسؤول، بعيدًا عن الانفعال والتجاذبات المجانية، ومنفصلًا عن كل أشكال الحقد والكراهية والنزعات العنصرية تجاه إخواننا الأفارقة.
إن الغاية من هذه القراءة ليست الاصطفاف أو التبرير، بل الإسهام في بناء وعي جماعي عقلاني، يُعلي من قيم التضامن والأخوة والإنسانية بين الشعوب، ويستحضر ما يربط المغرب بعمقه الإفريقي من تاريخ مشترك ومصير متداخل. وفي هذا السياق، يظل دور المغرب مدعوًا لأن يكون دورًا رياديًا ومحوريًا، قائمًا على الحكمة، والانفتاح، وترسيخ منطق التقارب بدل الصدام، والتكامل بدل الإقصاء، وفي ما يلي قراءة في البلاغ:
لا يمكن قراءة بلاغ الديوان الملكي المتعلق بالدورة الـ35 لكأس إفريقيا للأمم قراءةً خبرية أو رياضية محضة، بل يتطلب الأمر مقاربة سوسيولوجية تُدرِك أن الرياضة، في السياق المعاصر، تحوّلت إلى مجال كثيف الدلالات، تتقاطع فيه السلطة الرمزية، الهوية الوطنية، والرهانات الجيوسياسية داخل الفضاء الإفريقي.
1. الرياضة كأداة للقوة الرمزية والاندماج الوطني
يؤطر البلاغ التظاهرة الرياضية بوصفها حدثًا وطنيًا جامعًا، حيث يتم الانتقال من منطق “المنتخب” إلى منطق “الأمة”. فشكر الملك لا يوجَّه لمؤسسات أو فاعلين محددين فقط، بل لـ«كافة مكونات الأمة» و«كل فرد»، وهو ما يعكس تصورًا دوركايميًا (نسبة إلى عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم Emil Durkheim ) للرياضة باعتبارها طقسًا جماعيًا يعيد إنتاج التضامن الاجتماعي ويقوي الشعور بالانتماء.
هنا تتحول كرة القدم إلى رأسمال رمزي يعزز الثقة الجماعية، ويعيد ترميم الروابط الاجتماعية، خصوصًا في لحظات التوتر أو الاستقطاب، حيث يصبح النجاح الرياضي وسيلة لإعادة بناء الإجماع الوطني حول مشروع جماعي.
2. مغاربة العالم وإعادة تعريف الوطنية
يشدد البلاغ على انخراط «أبناء موهوبين من مغاربة العالم»، وهو تأكيد سوسيولوجي على تحوّل مفهوم الوطنية من رابطة ترابية مغلقة إلى هوية مرنة وعابرة للحدود. فالوطن لم يعد مجرد مجال جغرافي، بل شبكة انتماءات ورموز مشتركة.
هذا المعطى يعكس تصورًا حداثيًا للأمة، حيث يتم دمج الهويات المتعددة داخل سردية وطنية واحدة، بما يعزز التماسك ويمنح النموذج المغربي طابعًا منفتحًا وغير إقصائي.
3. التنمية والنجاح الرياضي: تلازم البنية والرمز
يربط البلاغ بين النتائج الرياضية والبنيات التحتية والسياسات العمومية، في إشارة واضحة إلى أن النجاح لم يكن صدفة، بل ثمرة اختيارات بنيوية وإرادة سياسية. سوسيولوجيًا، نحن أمام خطاب يدمج “الإنجاز المادي” بـ“الاعتراف الرمزي”، حيث تُستثمر الرياضة لإبراز فعالية النموذج التنموي المغربي القائم على وضع المواطن في صلب السياسات.
4. إدارة الانفعال الجماعي واحتواء العنف الرمزي
يتعامل البلاغ بذكاء مع الأحداث المؤسفة التي رافقت نهاية المباراة النهائية، إذ لا ينفيها ولا يضخمها، بل يُدرجها ضمن منطق الانفعال المؤقت. هنا تبرز وظيفة الدولة الرمزية في تهدئة المشاعر الجماعية ومنع تحولها إلى نزعات عدائية أو قراءات عنصرية.
فبلاغ الديوان الملكي يعيد توجيه الانفعال من منطق الصدام إلى منطق الأخوة الإفريقية، معتبرًا أن ما يجمع الشعوب الإفريقية أعمق وأرسخ من لحظة توتر عابرة.
5. مواجهة التشكيك وخطابات العدمية
يشير البلاغ إلى محاولات التشهير والنيل من المصداقية، لكنه يواجهها بخطاب عقلاني هادئ، قائم على الثقة في وعي الشعب المغربي وقدرته على التمييز. سوسيولوجيًا، هذا يعكس رفضًا لخطابات العدمية والتفكيك التي ترافق النجاحات الكبرى، خاصة في السياقات التنافسية داخل الفضاء الإفريقي.
البلاغ هنا لا يدافع فقط عن حدث رياضي، بل عن مشروع رمزي يرفض منطق الضغينة، ويؤكد أن الصراعات لا يجب أن تُحوَّل إلى كراهية أو قطيعة.
6. المغرب وإفريقيا: من الانتماء إلى الشراكة
يُعيد البلاغ تثبيت موقع المغرب كفاعل إفريقي تاريخي، لا كضيف عابر أو منافس مصلحي. فالنجاح المغربي يُقدَّم باعتباره نجاحًا لإفريقيا كلها، في تأكيد على منطق الشراكة بدل الهيمنة، والتكامل بدل الصراع.
هذا التصور يعكس رؤية قارية تقوم على التضامن، تقاسم التجارب، وبناء مستقبل إفريقي مشترك، بعيدًا عن النزعات القومية الضيقة.
في الختام، يكشف بلاغ الديوان الملكي عن وعي عميق بأن النجاح الرياضي ليس مجرد تتويج ميداني، بل حدث اجتماعي ورمزي له امتدادات سياسية وقارية. إنه نجاح يُقدَّم بوصفه نجاح إفريقيا كلها، نجاحًا بعيدًا عن الضغينة، والنزعات العنصرية، والخطابات التشكيكية والعدمية، ودعامة لروح الأخوة والتضامن والاحترام الذي كرسه المغرب، تاريخيًا وعمليًا، تجاه قارته الإفريقية.
وبهذا المعنى، تتحول الرياضة من مجال للمنافسة إلى فضاء لبناء المعنى المشترك، ومن لحظة انفعال إلى أفق للتقارب، ومن إنجاز وطني إلى رصيد قاري جامع.
المصطفى المريزق
فاعل مدني
رئيس الجامعة الشعبية المغربية Université Populaire du Maroc UPM