في وقت أصبحت فيه ندرة المياه واحدة من أخطر التحديات التي تهدد استقرار الدول وتنميتها، ومع تحولات مناخية جعلت التساقطات المطرية أقل انتظامًا وأكثر عنفًا، وحين تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المغرب من بين البلدان التي تعاني من شح الموارد المائية (730 متر مكعب لكل مواطن سنويًا، مقابل معدل عالمي يفوق 5000 متر مكعب)، يصبح من غير المعقول أن نستمر في إدارة مياه الأمطار داخل مدننا بعقلية التصريف السريع والتخلص منها، فقط لأن البنية الحضرية صُمّمت لهذا الغرض، لا لتثمين هذه الثروة الطبيعية.
كل شتاء، تهطل على مدننا كميات هائلة من مياه الأمطار، لكنها سرعان ما تُوجَّه نحو الأودية أو تُفرَّغ في البحر، مسببة أحيانًا فيضانات وخسائر مادية، قبل أن تختفي دون أي استفادة حقيقية.
وهنا يطرح سؤال واضح وجوهري:
لماذا لا نجمع هذه المياه ونخزنها ونعالجها بدل إهدارها؟
ولفهم حجم ما نُضيّعه فعليًا، يكفي أن نُقرِّب الصورة بمثال بسيط وواضح:
إذا عرفنا تساقط 100 مليمتر فقط من الأمطار خلال يوم واحد على مدينة مثل الرباط، التي تبلغ مساحتها حوالي 500 كيلومتر مربع، فإن ذلك يعني ما يقارب 50 مليون متر مكعب من المياه سقطت في يوم واحد.
هذه الكمية وحدها تعادل تقريبًا الاستهلاك السنوي لمدينة بأكملها.
فأين تذهب كل هذه المياه؟
الجواب المؤلم: إلى البحر، أو تضيع في الشعاب والأودية، دون تخزين أو تثمين.
من هنا تنطلق هذه الرؤية التي تقوم على تحويل مياه الأمطار من خطر محتمل إلى مورد نافع، عبر إحداث أحواض كبرى لتجميعها داخل المدن أو في محيطها القريب، تُصمَّم خصيصًا لاستيعاب مياه التساقطات، ثم تُخضع لمعالجة ملائمة تتيح إعادة استعمالها في مجالات متعددة، مع احترام المعايير الصحية والبيئية.
وتكمن أهمية هذا التوجه في تعدد منافعه؛ فهو من جهة يساهم في التخفيف من مخاطر الفيضانات، إذ تعمل الأحواض كخزانات تنظيمية تمتص التدفقات المفاجئة. ومن جهة أخرى، يوفر موردًا مائيًا إضافيًا يمكن توجيهه لسقي المساحات الخضراء، وتنظيف المدن، وبعض الأنشطة الصناعية والفلاحية، مما يخفف الضغط على المياه الصالحة للشرب. كما أن هذا الحل أقل كلفة وأكثر احترامًا للبيئة مقارنة بتحلية مياه البحر أو الاستغلال المفرط للفرشات المائية.
وليس هذا الطرح مجرد تصور نظري أو ترف فكري، بل هو خيار اعتمدته دول عديدة، جعلت من كل قطرة مطر موردًا ثمينًا، ونجحت في التوفيق بين حماية مدنها وتدبير مواردها المائية بشكل ذكي ومستدام.
غير أن النجاح في هذا المسار لا يتحقق ببناء الأحواض وحدها، بل يتطلب تصورًا حضريًا متكاملًا ينطلق منذ مرحلة التخطيط، وتحديدًا عند إعداد وثائق تصميم التهيئة والتعمير (SDAU). فالماء ليس عنصرًا ثانويًا في المدينة، بل مكوّن أساسي من بنيتها ووظيفتها واستدامتها.
ويقتضي هذا التصور الحفاظ على المجاري الطبيعية للمياه وعدم طمسها أو الاعتداء عليها، باعتبارها الذاكرة الهيدرولوجية للأراضي والمسارات الطبيعية لتصريف الجريان السطحي. كما يستوجب إحداث حواجز ومنشآت توجيه مدروسة، تمكّن من التحكم في جريان مياه الأمطار وتحويلها بشكل آمن ومنظم نحو مناطق مختارة للتجميع والتخزين، بدل تركها تنساب عشوائيًا لتصب في البحار أو تضيع في الشعاب والأودية دون أي مردود.
بهذه المقاربة، تتحول مياه الأمطار من عامل تهديد للأحياء والبنيات التحتية إلى مورد مائي قابل للتثمين، بعد معالجته وإعادة استعماله في خدمة المدينة وساكنتها. كما يساهم هذا النهج في حماية المجال الحضري من الفيضانات، وصون التوازنات البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع التغيرات المناخية، بأقل كلفة وأعلى نجاعة مقارنة بالحلول الظرفية أو المكلفة.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في البحث عن مصادر جديدة للماء، بل في حسن إدماج الماء داخل التفكير الحضري، وجعل تدبير مياه الأمطار جزءًا لا يتجزأ من رؤية المدينة المستقبلية.
ولكي يتحقق هذا الهدف المنشود على أرض الواقع، لا بد من ترسيخ وعي جماعي مسؤول بأهمية هذا التوجه، لاسيما لدى الفاعلين الأساسيين في مجالي التخطيط والتدبير الترابي، وفي مقدمتهم:
المنتخبون،
الوكالات الحضرية،
المهندسون المعماريون والمدنيون،
وكالات الأحواض المائية،
وكافة المتدخلين في إعداد التراب الوطني وتدبير الموارد المائية.
فهؤلاء، كلٌّ من موقعه واختصاصه، مدعوون إلى إدماج البعد المائي في صلب الرؤية الحضرية، وجعل تدبير مياه الأمطار خيارًا استراتيجيًا دائمًا، لا مجرد حل تقني ظرفي يُستدعى بعد وقوع الأضرار.
فمدينة تحترم مجاري مياهها، وتستثمر أمطارها، هي مدينة تحترم مستقبلها.
ختاما، فمياه الأمطار ليست مشكلة يجب التخلص منها، بل نعمة ينبغي حسن تدبيرها. وتحويلها إلى مورد مستدام خطوة أساسية نحو مدن أكثر أمانًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الغد.