لم يكن الجدل الذي رافق تنظيم كأس إفريقيا مجرد نقاش رياضي عابر، بل تحوّل سريعا إلى معركة سرديات كشفت أعطابا عميقة في تموقع المغرب إعلاميا داخل الفضاء الإفريقي. فقد أبانت هذه اللحظة، بوضوح، أن الرهان لم يعد محصورا في جودة التنظيم أو نزاهة التحكيم، بل أصبح رهينا بمن يملك القدرة على رواية الحدث، وتأطيره، ومنحه معنى سياسيا ورمزيا.
من هذا المنطلق، لا يبدو الحديث عن "هزيمة إعلامية" بلا أساس، لكنه يظل ناقصا إن لم يُضبط سياقه وحدوده.
فالمغرب لم يخسر إفريقيا، كما تروّج له بعض الخطابات الغاضبة، لكنه أخفق في إدارة لحظة رمزية دقيقة، كان من الممكن تحويلها إلى تتويج إضافي لمساره الإفريقي، لا إلى مادة للتشكيك والاصطفاف.
من الشرعية التاريخية إلى تحدي اللحظة
تاريخيا، لم يكن حضور المغرب في إفريقيا وليد ظرفية رياضية أو رهانات ظرفية، بل ثمرة مسار طويل من العلاقات الدينية والثقافية والسياسية، ودعم حركات التحرر، ثم خيار استراتيجي واضح في العقود الأخيرة يقوم على الشراكة جنوب–جنوب، والاستثمار، والعودة القوية إلى الاتحاد الإفريقي.
غير أن هذا التراكم، مهما بلغت قوته، لا يعفي من امتحان اللحظة. فإفريقيا اليوم قارة شابة، رقمية، شديدة الحساسية تجاه قضايا الكرامة والإنصاف، وسريعة التأثر بالسرديات التي تستحضر مظلومية تاريخية أو تخاطب العاطفة الجماعية.
في هذا السياق، يصبح أي نجاح مغربي—رياضيا أو اقتصاديا—قابلا للتأويل المزدوج: إما كنموذج شراكة، أو كرمز لقوة صاعدة يجب كبحها.
إخفاق في السرد لا في الوقائع
ما أخفق فيه المغرب خلال كأس إفريقيا لم يكن الوقائع، بل السرد. فقد انشغل إعلامه بالرد والتكذيب، بينما اشتغل الخصوم بمنطق إعادة التأطير: تحويل التنظيم إلى إقصاء، والتحكيم إلى ظلم ممنهج، والنجاح اللوجستي إلى شبهة سياسية.
الخلل هنا ليس مهنيًا صرفًا، بل بنيوي في الرؤية. إذ ما يزال جزء من الإعلام الرسمي وشبه الرسمي يشتغل بذهنية قديمة، تفترض أن المعلومة الصحيحة كافية لإقناع الرأي العام، متناسيًا أن زمن ما بعد الحقيقة يجعل العاطفة والرمز أقوى من البيان والتوضيح.
لماذا لا يخدم المغرب منطق الضجيج؟
في مواجهة هذا الوضع، ارتفعت أصوات تدعو إلى الرد العنيف، أو إلى الاستثمار المكثف في "الذباب الإلكتروني" و"المؤثرين". غير أن هذا الخيار، وإن بدا مغريا، لا يخدم مصالح المغرب على المدى المتوسط والبعيد.
فالدول التي بنت صورتها على الاستقرار والوساطة لا يمكنها أن تنتصر بمنطق الشعبوية الرقمية. القوة الناعمة لا تُمارَس بالصراخ، بل بالمصداقية، وبالقدرة على الإصغاء، وبالاشتغال الهادئ على المعنى.
ثم إن تحويل كل نقد إلى مؤامرة، وكل اعتراض إلى استهداف، لا يقوّي الخطاب الوطني، بل يُفقده العمق، ويعفي الذات من مساءلة ضرورية حول أدواتها وحدودها.
التربية الإعلامية: شرط استعادة المبادرة
تكشف هذه التجربة حاجة ملحّة إلى إدماج التربية الإعلامية في التفكير الاستراتيجي للدولة. فامتلاك سردية إفريقية مقنعة يقتضي:
- فهم تحولات الوعي الإفريقي، خاصة لدى الشباب.
- إدراك حساسية العلاقة مع كل ما يُفهم كهيمنة أو استثناء.
- الاستثمار في المعرفة التاريخية والثقافية للقارة، لا في الخطاب المناسباتي.
- الانتقال من إعلام دفاعي إلى إعلام مبادر، يشرح ولا يبرر، يقترح ولا ينفعل، ويُشرك أصواتا إفريقية مستقلة في رواية القصة.
إفريقيا لا تُكسب بالضجيج
ما جرى خلال كأس إفريقيا ليس كسرا لصورة المغرب، بل إنذارا بضرورة تحديث أدوات القوة الناعمة ولغتها. فالرصيد الرمزي، إن لم يُصن ويُجدَّد، يتحول إلى مكسب صامت قابل للتآكل.
إن الرهان الحقيقي أمام المغرب اليوم ليس في كسب جولة إعلامية عابرة، بل في ترسيخ موقعه كشريك إفريقي يحظى بالثقة والاحترام.
وهذا ما عمل عليه المغرب بديبلوماسيته التي تتبنى منطق العقل بارد، والنفس الطويل، والرؤية التقدمية تؤمن بأن إفريقيا لا تُقنع بالضجيج، بل تُكسب بالمعنى، والعدالة، والعمل المشترك
- أي سردية نريد لإفريقيا؟
في الاخير لا يطرح ما بعد كأس إفريقيا سؤالا إعلاميا فقط، بل سؤالا سياسيا وثقافيا عميقا: هل يريد المغرب أن يكون حاضرا في إفريقيا بإنجازاته فقط، أم بسردية تُقنع، وتُشرك، وتبني المعنى المشترك؟ هل نكتفي بالدفاع التقني حين تُستهدف صورتنا، أم نمتلك الجرأة لإعادة مساءلة أدواتنا ولغتنا ومخاطَبينا؟ ثم، هل ندرك أن معركة اليوم لا تُخاض حول الملاعب والكؤوس، بل حول الذاكرة والرمز والثقة؟
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه المغرب ليس انتقادا عابرا ولا حملة تضليل ظرفية، بل الاطمئنان إلى رصيد رمزي دون تجديده، والاعتقاد أن إفريقيا ستقرأ نجاحاتنا دائما بالطريقة نفسها التي نقرأها نحن.
فالقوة الناعمة، إن لم تتحول إلى فعل واع وسردية حيّة، تفقد قدرتها على الإقناع.
والسؤال الجوهري الذي تفرضه هذه اللحظة هو: هل نحن مستعدون للانتقال من منطق الرد إلى منطق المبادرة؟ من خطاب الإنجاز إلى خطاب الشراكة التواصلية؟ ومن إعلام يشرح نفسه إلى إعلام يصغي لإفريقيا ويتحدث معها لا عنها؟
تلك هي معركة السرد الحقيقية وهي، في جوهرها، معركة المستقبل.