mercredi 4 mars 2026
منبر أنفاس

كمال لعفر: طهران وتل أبيب.. حينما تفشل الدبلوماسية وتبدأ لغة الحرب بالشرق الأوسط

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

كمال لعفر: طهران وتل أبيب.. حينما تفشل الدبلوماسية وتبدأ لغة الحرب بالشرق الأوسط كمال لعفر

أن المتتبع للشأن السياسي والعلاقات الدولية اليوم سيلاحظ بأن هناك لحظات توتر قصوى، أي أن هناك تراجع للغة السياسة والدبلوماسية أمام ضجيج السلاح، ويصبح القانون الدولي عاجز عن احتواء الأزمات.خاصة وأن هذا الأخير  يهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول وتسوية النزاعات بطرق سلمية بينهما،فما يخشاه كثيرون اليوم في ظل التصعيد المتكرر بين إيران وإسرائيل، وفي ظل حضور حاسم للولايات المتحدة باعتبارها طرفاً مؤثراً وضامناً لتوازنات إقليمية دقيقة.ان تنطلق شرارة حرب عالمية جديدة خصوصا وأن المشهد لا يتعلق فقط بخلاف سياسي عابر، بل بصراع إرادات مفتوح على احتمالات متعددة، أخطرها انزلاق المنطقة إلى مواجهة مباشرة قد تعيد تشكيل خريطة الشرق الأوسط.

 

 كما أنه من الناحية السياسية، يتجاوز الخلاف حدود الملفات التقنية كالمشروع النووي أو النفوذ الإقليمي، ليمسّ جوهر الرؤية الاستراتيجية لكل طرف،ففي الوقت الذي ترى إسرائيل في إيران تهديداً وجودياً، وتتعامل مع تحركاتها العسكرية والإقليمية بمنطق الردع الاستباقي،تجد إيران تعتبر مقابل ذلك أن توسيع حضورها الإقليمي جزء من أمنها القومي، ومن أدوات تفاوضها في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات، أما الولايات المتحدة فتقف بين دعم حليفها التقليدي ومنع اندلاع حرب شاملة قد تستنزفها سياسياً وعسكرياً، خاصة في ظل تحولات النظام الدولي وصعود قوى منافسة.

 

إنها معادلة صعبة وتداخل معقد يجعل المنطقة تعيش على إيقاع توازن هشّ، حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلة ردع دون الوصول إلى مواجهة مفتوحة، غير أن التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى كثيراً ما تبدأ بسوء تقدير أو بقرار .

 

لم تُحسب كلفته الحقيقية وأن السر في ذلك هو أننا أمام بيئة مشحونة عسكرياً وإعلامياً، قد تتحول ضربة محدودة إلى سلسلة ردود فعل متصاعدة يصعب التحكم فيها.

 

لكن الخطر لا يقف عند حدود السياسة. فالعالم اليوم مترابط اقتصادياً بشكل يجعل أي اضطراب في الخليج أو شرق المتوسط ينعكس فوراً على الأسواق العالمية، فأي تهديد للممرات البحرية أو لمنشآت الطاقة سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما يعني موجة تضخم جديدة تضرب الاقتصادات المستوردة للطاقة في أوروبا وآسيا وإفريقيا، كما أن حالة عدم اليقين ستدفع المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة، فتتراجع أسواق المال في الدول النامية وتزداد الضغوط على عملاتها وميزانياتها.

 

بل حتى الدول الغير المنخرطة مباشرة في الصراع ستكون بدورها متضررة بسبب ارتفاع تكاليف النقل والشحن، وتذبذب سلاسل الإمداد، وزيادة أسعار المواد الأساسية، كلها عوامل قد تعمّق الأزمات الاجتماعية في دول تعاني أصلاً من هشاشة اقتصادية، وحتى الدول المصدرة للطاقة التي قد تستفيد مرحلياً من ارتفاع الأسعار، ستجد نفسها أمام بيئة دولية غير مستقرة لا تشجع على الاستثمار ولا على النمو المستدام.

 

ففي تقديري، إن أخطر ما في هذا الوضع ليس احتمال الحرب فحسب، بل تآكل الثقة في جدوى الحلول الدبلوماسية، فكلما تعثرت المفاوضات، ازداد حضور منطق القوة في الخطاب السياسي، وارتفعت رهانات الداخل لدى الأطراف المعنية،غير أن التجربة أثبتت أن الاتفاقات، مهما كانت ناقصة، تبقى أقل كلفة من المواجهات المفتوحة. فالحرب، إن اندلعت، لن تنتج غالباً منتصراً واضحاً، بل ستترك وراءها استنزافاً طويل الأمد وتداعيات اقتصادية تتجاوز حدود الإقليم.

 

إن العالم اليوم لا يحتمل أزمة كبرى جديدة، في ظل هشاشة التعافي الاقتصادي العالمي وتصاعد التوترات في أكثر من بقعة، ذلك يبدو الرهان الحقيقي في قدرة الأطراف على إعادة الاعتبار للدبلوماسية كخيار عقلاني، لا كتنازل سياسي. فحينما تفشل السياسة، لا تُفتح أبواب النصر، بل أبواب الفوضى، وحينها لا يدفع الثمن المتحاربون وحدهم، بل يدفعه عالم بأسره.

 

كمال لعفر /محام،وباحث بسلك الدكتورة بجامعة محمد الخامس الرباط