mercredi 4 mars 2026
مجتمع

الدكتور أنور الشرقاوي: اليوم الذي غيّرت فيه صحيفة مغربية مسار الأمير تشارلز

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

الدكتور أنور الشرقاوي: اليوم الذي غيّرت فيه صحيفة مغربية مسار الأمير تشارلز الدكتور أنور الشرقاوي والملك البريطاني الحالي، تشارلز الثالث

هناك لحظات نادرة يلتقي فيها التاريخ الرسمي بمصادفات الصحافة، حيث يمكن لسطر واحد مطبوع في صحيفة أن يترك أثرًا غير متوقع في بروتوكول الزيارات الدبلوماسية الكبرى.

تعود هذه الحكاية إلى زمن كان فيه الملك البريطاني الحالي، تشارلز الثالث، لا يزال وليًّا لعهد المملكة المتحدة.

فخلال زيارة رسمية إلى المغرب، كان البرنامج المقرر للأمير يتضمن محطة في الرابطة المغربية لأمراض القلب، حيث كان من المنتظر أن يلتقي بفرق طب القلب وجراحة القلب. 
وقد جرى إعداد هذه الزيارة بعناية فائقة من طرف السلطات المغربية كما من طرف المسؤولين البريطانيين عن البروتوكول، إذ إن مثل هذه الزيارات الملكية لا تُترك فيها أي تفصيلة للصدفة.

في تلك الفترة، كنت أخطو خطواتي الأولى في عالم الصحافة الصحية داخل جريدة l’Opinion التي فتحت لي صفحاتها بكل أريحية. 
كنت أكتشف بشغف كواليس الأخبار الطبية والاستشفائية، مقتنعًا بأن كل ما يتعلق بصحة الناس يستحق أن يصل إلى القارئ وأن يجد مكانه في صدر الصحيفة.

وفي خضم هذا الحماس المهني، تلقيت اتصالًا هاتفيًا غير متوقع من مصلحة جراحة القلب في المستشفى الجامعي الكبير ابن سينا بالرباط. 
كان مضمون الحديث يوحي بأن الأمير تشارلز قد يزور أيضًا هذه المصلحة خلال جولته في المغرب.

بدافع الحماسة الصحفية التي ترافق بدايات المهنة، سارعت إلى كتابة مقال أعلن أن ولي عهد بريطانيا سيقوم بزيارة إلى قسم جراحة القلب بمستشفى ابن سينا.

ونُشر الخبر… لا في الصفحات الداخلية، بل في الصفحة الأولى من جريدة l’opinion.

في تلك المرحلة، لم تكن الرابطة المغربية لأمراض القلب تحظى بأفضل صورة لدى الرأي العام وبعض وسائل الإعلام. ولذلك كان إعلان زيارة الأمير إلى مصلحة استشفائية أخرى يحمل دلالة خاصة ويثير اهتمام المتابعين.

غير أن الحقيقة البروتوكولية كانت مختلفة تمامًا: فزيارة مصلحة جراحة القلب في مستشفى ابن سينا لم تكن مدرجة أصلًا في البرنامج الرسمي للزيارة الملكية.

لقد كان الخبر في الأصل مجرد إشاعة حُسن تسويقها… قبل أن تتحول، بفعل الطباعة والنشر، إلى «معلومة» متداولة.

لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر إثارة مما قد يتوقعه أحد.

فحين اطّلعت فرق البروتوكول البريطاني على المقال المنشور في جريدة l’opinion، وجدت نفسها أمام موقف دبلوماسي حساس.

تجاهل الخبر قد يخلق سوء فهم أو يثير تساؤلات محرجة، أما تكذيبه علنًا فقد يفتح بابًا لجدل غير مرغوب فيه.

كان الحل الأكثر أناقة هو الأبسط: تعديل مسار الزيارة بهدوء.
وهكذا، وبفضل — أو بسبب — مقال نُشر في صحيفة مغربية، أُعيد ترتيب البرنامج الرسمي للأمير تشارلز. 
وأصبحت زيارة قسم جراحة القلب في مستشفى ابن سينا حقيقة واقعة.

في أرشيف جريدة l’opinion، وفي ذاكرة من حضروا تلك الزيارة الأميرية، بقيت هذه الحكاية الصغيرة شاهدة على لحظة التقت فيها حماسة صحفي شاب بدقة البروتوكول الملكي.

وكما قد يقول صحفي مخضرم من تلك الحقبة، فإن تاريخ الملوك لا تصنعه فقط المعاهدات والتتويجات والمراسيم الرسمية، بل تكتبه أيضًا تلك الوقائع الطريفة التي تلتقي فيها الصحافة بالقدر والدبلوماسية في منعطف غير متوقع.

وفي ذلك اليوم، في مغرب المستشفيات والبروتوكولات، نجح مقال صحفي بسيط في تحقيق ما يبدو مستحيلًا: تغيير مسار وليّ عهد… سيصبح لاحقًا ملكًا.

 

 الدكتور أنور الشرقاوي 
خبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي