كتب الأستاذ مصطفى المنوزي مقالا حول الزيادة في أجور القضاة، وسمه بـ: "التحصين بين المعنى البنيوي والانزلاق الرمزي: قراءة في خطاب الزيادة القضائية". وهو مقال جاء تفاعلا مع منشورات مُريبة أثيرت بشأن هذه الزيادة. وإزاء ذلك، ارتأينا، بدورنا، التفاعل مع المقال المذكور من خلال توضيح بعض المعطيات المرجعية والمؤسساتية المرتبطة بالموضوع، تفاديا لأي لبس قد يطال طبيعة هذا النقاش وحقيقته وحدوده.
وقد شدد المقال على أن ربط تحسين أجور القضاة بتحصين استقلال القضاء يُعد، في نظره، تضخيما للأثر الرمزي للزيادة، رغم كونها - في تقديره - مطلبا مهنيا مشروعا، إلا أن نقل هذا المطلب إلى المستوى الدستوري من شأنه، بحسب رأيه، إخراج النقاش من إطاره الاجتماعي والمهني القابل للتداول العمومي.
غير أن هذا الطرح، في تقديرنا، يغفل عن أن تحسين الوضعية المادية للقضاة لم يكن مطلبا معزولا عن الغاية الأسمى، وهي: تعزيز استقلال القاضي ذاته، باعتباره المدخل الجوهري لاستقلال السلطة القضائية.
ولعل اللافت في المقال المذكور أنه انطلق، بصريح العبارة، من الخطاب المهني الذي بلوره "نادي قضاة المغرب" في وثائقه المرجعية وأدبياته التصورية ومقترحاته الترافعية، وهو خطاب أكد، بوضوح واتساق، أن تحسين أجور القضاة بكل درجاتهم يشكل إحدى الدعائم الأساسية لاستقلالهم الفردي والذاتي، لما يوفره من مناعة مادية واجتماعية تقيهم مختلف أشكال الضغط. وهو الخطاب نفسه الذي جرى تصريفه مؤسساتيا في إطار علاقة التعاون والتشارك مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية الذي دأب – عن حق - على الربط بين تحسين الوضعية المادية للقضاة وتحفيزهم على مزيد من الانخراط المسؤول في ورش إصلاح العدالة، وفق ما نص عليه مخططه الاستراتيجي، ولا سيما في الورش الثامن منه.
وإذ جاء هذا التفاعل انطلاقا من هذا المعطى الواقعي والمؤسساتي، فإن من اللازم التأكيد على أن ربط تحسين أجور القضاة بتحصين استقلالهم ليس انزلاقا رمزيا، بل هو طرح يستند إلى معايير دولية وإقليمية راسخة، أولت عناية خاصة بأجور القضاة، باعتبارها عنصرا جوهريا في ضمان استقلالهم ونزاهتهم. وأوصت، بالتبع، الدولَ بضرورة تخصيص أجور تلائم المنصب القضائي وما يقتضيه من مسؤوليات وواجبات، أهمها: التجرد، والاستقلال، والنزاهة.
ولعل أبرز ما جاء في هذه المعايير، هو ما نصت عليه الفقرة "ب" من المادة 21 من إعلان "مونتريال" المؤرخ في 10 يونيو 1983 الصادر عن المؤتمر العالمي حول استقلال العدالة، بقولها ما يلي: "تكون رواتب القضاة ومعاشاتهم ملائمة ومناسبة لمركزهم وكرامة ومسؤولية منصبهم".
وهذا ما أكد نفس المقتضى البند 18-ب من إعلان "سينغفي" الذي نص على أنه: "يجب أن تكون رواتب القضاة ومعاشاتهم التقاعدية كافية ومتناسبة مع المركز الوظيفي والكرامة ومسؤوليات المنصب القضائي".
وقد أعادت التأكيد عليه المادة 13 من الميثاق العالمي للقضاة، والتي نصت على أنه: "يجب أن يحصل القاضي على الأجر الكافي لتأمين استقلاله الاقتصادي، ويجب أن لا تحدد الأجور وفقا لنتائج عمل القاضي، وألا تخفض أثناء مدة خدمته في القضاء".
وذهبت المذكرة التوضيحية للميثاق الأوروبي بشأن النظام الأساسي للقضاة إلى حد تفضيل الرفع من مستوى أجور القضاة دون تحديدها بناء على الأجور المخصصة لأعضاء السلطتين التشريعية والتنفيذية، وقد جاء فيها ما يلي: "يبدو أنه، من الأفضل للدولة، أن يكون مستوى أجور القضاة مرتفعا حيث يكون درعا للقضاة ضد الضغوط، عوض تحديده على أساس أجور أصحاب الوظائف العليا في السلطة التشريعية والتنفيذية، طالما أن أجورهم تختلف حسب الأنظمة الوطنية المختلفة".
ولم تكتف هذه المعايير بالتنصيص على كفاية الأجر، بل دعت صراحة إلى اعتماد آليات للمراجعة الدورية لأجور القضاة، بما يواكب معدلات التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، درءا لأي مساس فعلي باستقلال القاضي. وهذا ما عبرت عنه المادة 21 من إعلان "مونتريال" أعلاه، بقولها: "تعاد تسوية هذه الرواتب والمعاشات نظاميا بشكل يجعلها مواكبة تماما لارتفاع معدل الأسعار". وهو ما شدد عليه، أيضا، إعلان "سينغفي" المذكور في بنده 18، بقوله: "على أن تخضع [أي أجور القضاة] للمراجعة بصفة دورية لمواجهة أثر التضخم المالي أو التقليل من آثاره".
ولا تتحرج المعايير المشار إليها من الكشف، صراحة ودون مواربة، عن الغاية الجوهرية من ذلك، والمتمثلة في تحصين القضاة من مخاطر الفساد والرشوة، وتعزيز مناعتهم الذاتية ضد الوقوع في مثل هذه الممارسات. وهو ما أكدته توصيات لجنة حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، ومن بينها التوصيتان الآتيتان:
الأولى: تضمنتها الفقرة 20 من الوثيقة عدد CCPR/C/UNK/CO/2، وقد نصت على ضرورة: "اعتماد مستوى أفضل لأجور القضاة بهدف حمايتهم من الفساد".
الثانية: تضمنتها الوثيقة عدد CCPR/CO/69/KGZ، فقرة 15، وقد نصت على أن: "إجراءات التصديق المطبقة على القضاة، وشرط إعادة التقييم كل سبع سنوات، وتدني مستوى الأجور، وعدم تأمين مدة ولاية القضاة، كل هذه الأمور من شأنها تشجيع الفساد والرشوة".
وانطلاقا من هذه المرجعية، كان الأجدر، في تقديرنا، أن ينصرف النقد نحو المطالبة بزيادة أوسع وأكثر إنصافا، تشمل مختلف درجات القضاة دون استثناء، بدل الطعن في مبدإ الزيادة ذاته أو التشكيك في صلتها باستقلال القضاء.
ويزداد هذا الطرح وجاهة عند استحضار السياق الوطني، وما أفرزته التجربة المغربية في هذا المجال؛ إذ، وارتباطا بهذه التجربة، وبعد تكريس الاستقلال المؤسساتي للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، ونقل اختصاص تدبير الوضعية المالية للقضاة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، اضطلع هذا الأخير بدوره الدستوري في إصدار توصياته حول تحسين الأوضاع المادية للقضاة والترافع من أجلها، عملا بالمادة 108 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس.
وفي هذا الإطار، يُحسب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ما بذله من جهود ملموسة، تُوِّجت بإقرار الدرجة الممتازة، وإحداث مؤسسة للأعمال الاجتماعية خاصة بالقضاة، ثم هذه الزيادة الأخيرة، فضلا عن تدابير أخرى تصب جميعها في تعزيز استقلال القاضي اقتصاديا واجتماعيا وصون كرامته. ومن ثم، فإن الفضل في هذه المكتسبات يعود، في جوهره، إلى العمل المؤسساتي الجاد والمسؤول الذي قام به المجلس ومؤسسة الرئيس المنتدب، وهو جهد يعكس التزام المغرب بالمعايير الدولية المتعلقة باستقلال القضاء، وهو ما يستحق الإشادة والتنويه والدعم.
عبد الرزاق الجباري، الرئيس السابق لـ "نادي قضاة المغرب"
.