يشهد العالم اليوم تحوّلًا جذريًا غير مسبوق بفعل الثورة الرقمية وتسارع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، حتى غدا الإنسان يعيش داخل منظومة معرفية جديدة تُعاد فيها صياغة مفاهيم الزمن، والعمل، والتواصل، والهوية، والمعرفة. ولم يعد هذا التحول مقتصرًا على المجال التقني أو الاقتصادي، بل امتد ليطال البنية الثقافية والفكرية والقيمية للمجتمعات. وفي هذا السياق، يجد الخطاب الإسلامي نفسه أمام تحدٍّ حضاري عميق يفرض عليه مراجعة أدواته، وتجديد لغته، وإعادة بناء مناهجه، حتى يظل قادرًا على أداء وظيفته التربوية والتوجيهية والرسالية في عالم متغير.
إن تجديد الخطاب الإسلامي لا يعني القطيعة مع التراث، ولا التفريط في الثوابت، ولا الذوبان في النماذج الفكرية الوافدة، بل يعني أساسًا استعادة روح الاجتهاد، وتفعيل المقاصد الشرعية، وربط النص بالواقع، وتحويل الدين من مجرد خطاب وعظي تقليدي إلى مشروع حضاري متكامل يواكب تحولات العصر ويستجيب لتحدياته. فالخطاب الذي لا يتجدد يشيخ، والخطاب الذي لا يفهم واقعه يعجز عن التأثير فيه.
لقد ارتبط الخطاب الإسلامي في فترات طويلة من التاريخ بسياقات اجتماعية وثقافية محددة، فكان يعبر عن حاجات الناس وأسئلتهم في زمانهم، ويقدم لهم أجوبة منسجمة مع واقعهم. غير أن التحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي، من هيمنة الخوارزميات على الرأي العام، إلى تغيّر أنماط التعلم والعمل، إلى إعادة تشكيل العلاقات الإنسانية، فرضت أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل: ما معنى المسؤولية في زمن الآلة؟ ما حدود القرار البشري حين تتدخل الخوارزميات؟ كيف نحمي القيم الأخلاقية في عالم تحكمه البيانات؟ وما موقع الإنسان المؤمن داخل منظومة تقنية قد تُختزل فيها الكرامة إلى أرقام ومعطيات؟
إن الخطاب الإسلامي المعاصر مطالب بأن يتفاعل مع هذه الأسئلة بعمق فلسفي، وبمنهج مقاصدي، وبوعي حضاري، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المتسرعة. فالدين لم يُنزّل ليكون معزولًا عن حركة التاريخ، بل جاء ليهدي الإنسان في كل زمان ومكان، ويمنحه البوصلة الأخلاقية التي تضبط علاقته بذاته وبغيره وبالكون.
ومن هنا، فإن المدخل المقاصدي يمثل حجر الزاوية في تجديد الخطاب الإسلامي في عصر الذكاء الاصطناعي. فالمقاصد الشرعية، التي تهدف إلى حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، والكرامة الإنسانية، تشكل الإطار الكلي الذي يسمح بقراءة النصوص في ضوء الواقع، وبفهم الأحكام في سياق غاياتها، لا في حدود حرفيتها المجردة. وفي عالم تُستهدف فيه العقول عبر الخوارزميات، وتُختزل فيه الخصوصية، ويُعاد تشكيل الوعي الجمعي رقميا، يصبح حفظ العقل والكرامة من أعظم مقاصد الشريعة وأشدها إلحاحًا.
إن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يحمله من إمكانات هائلة في مجالات الطب والتعليم والبحث العلمي، يطرح في الوقت نفسه إشكالات أخلاقية عميقة، تتعلق بالتحكم، والمراقبة، والتمييز، والاستغلال، وتهميش الإنسان. والخطاب الإسلامي مطالب بأن يقدّم رؤية أخلاقية متوازنة، لا ترفض التكنولوجيا بدافع الخوف، ولا تقدّسها بدافع الانبهار، بل توجّهها وفق منظومة قيمية تجعل الإنسان غاية لا وسيلة، والعدل أساسًا، والرحمة مبدأً حاكمًا.
كما أن تجديد الخطاب الإسلامي يقتضي الانتقال من منطق الوعظ المجرد إلى منطق بناء الوعي النقدي. ففي عصر تتدفق فيه المعلومات بلا ضوابط، وتنتشر فيه الأخبار الزائفة، وتتلاعب فيه الخوارزميات بالاتجاهات الفكرية، لم يعد كافيًا أن نطالب الناس بالحفظ والتلقي السلبي، بل ينبغي أن نُنمّي فيهم ملكة الفهم، ومهارة التحليل، وأخلاقيات التعامل مع المعرفة. فالعقل المسلم اليوم في حاجة إلى تحصين فكري يقيه من التبعية الرقمية، ومن الاستلاب الثقافي، ومن الوقوع في فخ التطرف أو التفاهة.
ومن مظاهر الأزمة التي يعانيها الخطاب الإسلامي المعاصر أنه في كثير من الأحيان ما يزال أسير قوالب قديمة، ولغة تقليدية، ومنهجيات جزئية، لا تراعي التحولات العميقة في بنية الإنسان المعاصر. فالجيل الجديد يتشكل وعيه عبر الشاشات والمنصات الرقمية، ويتلقى معارفه من مصادر متعددة، ويعيش في فضاء افتراضي لا يعترف بالحدود الجغرافية. وإذا لم يخاطبه الخطاب الديني بلغة عصره، ويفهم عالمه، ويتفاعل مع اهتماماته، فإنه سيفقد تأثيره تدريجيًا، مهما كانت نواياه صادقة.
إن تجديد الخطاب الإسلامي في عصر الذكاء الاصطناعي يقتضي أيضًا إعادة النظر في مفهوم السلطة المعرفية. فلم يعد العالم أو الداعية هو المصدر الوحيد للمعلومة، بل أصبح الفرد قادرًا على الوصول إلى آلاف الفتاوى والآراء بضغطة زر. وهذا الواقع يفرض الانتقال من نموذج التلقين إلى نموذج الإرشاد والمرافقة الفكرية، حيث يكون دور العالم هو توجيه العقل، لا مصادرته، وبناء المنهج، لا فرض النتائج، وترسيخ القيم، لا الاكتفاء بالأحكام.
وفي هذا السياق، يصبح الحوار بين العلوم الشرعية والعلوم التقنية ضرورة حضارية، لا ترفًا فكريًا. فالفقيه في عصر الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يكتفي بمعرفة النصوص دون فهم الواقع الرقمي، كما أن المهندس لا يمكن أن يعمل بمعزل عن الاعتبارات الأخلاقية. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تكوين نخبة علمية تجمع بين الفقه والتكنولوجيا، وبين المقاصد والبرمجة، وبين القيم والخوارزميات، حتى تكون قادرة على إنتاج فقه جديد للواقع الرقمي.
كما أن تجديد الخطاب الإسلامي يستلزم تحرير مفهوم التدين من الجمود الشكلي، وردّه إلى جوهره الأخلاقي والإنساني. فالتدين الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يقاس فقط بالمظاهر، بل بمدى التزام الإنسان بالعدل، والأمانة، والصدق، وحفظ الحقوق الرقمية، واحترام الخصوصية، ومحاربة التزييف، ونشر المعرفة النافعة. فهذه القيم هي الامتداد العملي للإيمان في العصر الحديث.
ومن جهة أخرى، يفرض الواقع الرقمي إعادة التفكير في مفهوم الجماعة والأمة. فقد أصبحت العلاقات افتراضية، والانتماءات متعددة، والهويات مركبة. والخطاب الإسلامي مطالب بأن يعيد بناء مفهوم الأمة على أساس القيم المشتركة، لا على العصبيات الضيقة، وأن يوظف الفضاء الرقمي لتعزيز التضامن، ونشر الوعي، وبناء مشاريع حضارية عابرة للحدود.
إن التجديد المنشود ليس مشروعًا مؤقتًا، ولا استجابة ظرفية، بل هو مسار حضاري طويل، يتطلب شجاعة فكرية، وصدقًا علميًا، واستقلالية معرفية، وانفتاحًا واعيًا على التجارب الإنسانية. وهو يقتضي التحرر من ثنائية التقليد الأعمى والرفض المطلق، والانخراط في عملية اجتهادية متوازنة تجمع بين الثبات في القيم والمرونة في الوسائل.
وفي جوهر هذا المشروع، يبقى الإنسان هو محور الاهتمام. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور، يظل أداة بلا روح، ووسيلة بلا ضمير. أما الإنسان المؤمن، فإنه يحمل رسالة الاستخلاف، ويجسد المعنى الأخلاقي للوجود، ويحول المعرفة إلى حكمة، والتقنية إلى خدمة، والقوة إلى مسؤولية. وتجديد الخطاب الإسلامي في هذا السياق هو إعادة تذكير الإنسان بمكانته، وبكرامته، وبوظيفته في إعمار الأرض وفق منهج الله.
وخلاصة القول، إن تجديد الخطاب الإسلامي في عصر الذكاء الاصطناعي هو ضرورة شرعية وحضارية، تفرضها طبيعة التحولات الراهنة، وتستلزم إعادة بناء العلاقة بين النص والواقع، وبين الدين والعلم، وبين القيم والتقنية. وهو مشروع يهدف إلى صناعة عقل مسلم واعٍ، ناقد، متوازن، قادر على التفاعل الإيجابي مع العصر دون أن يفقد بوصلته الروحية والأخلاقية. فبهذا وحده يمكن للإسلام أن يظل قوة هادية في عالم تتنازعه الآلة والمصلحة، وتغيب عنه أحيانًا المعاني الكبرى للإنسانية.
الصادق أحمد العثماني
أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية
.