samedi 28 février 2026
كتاب الرأي

محمود الدبعي: الشرق الأوسط على صفيحٍ مشتعل.. أين موقف الجاليات العربية والمسلمة في الغرب؟

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

محمود الدبعي: الشرق الأوسط على صفيحٍ مشتعل.. أين موقف الجاليات العربية والمسلمة في الغرب؟ محمود الدبعي

هنا، في قلب عواصم أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأميركا اللاتينية، يعيش مئات الآلاف من العرب والمسلمين الذين حملوا معهم آمالاً وأحلاماً للحرية والاستقرار والكرامة. ومع اندلاع الحرب الأخيرة التي تبدو كما لو أنها نسخة معادة من سيناريوات الصراع السابقة، وبُنيت على استهدافٍ مباشر للنظام الإيراني، وجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة معقدة بين:
ما يحدث على أرض الشرق الأوسط من دمارٍ ومعاناة.
وما تُروَّج له الحكومات الغربية من مصالح إستراتيجية وسياسية.
وموقف مجتمعاتهم تجاه القانون الدولي والحقوق الإنسانية.
1. موقف الجاليات: ليس بلا موقف… بل موقف قائم على الوعي والمبادئ
الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا والأميركيتين ليست كتلة متجانسة، لكنها تتفق في نقاط أساسية:
أ. الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان
غالبية الجاليات ترى في القانون الدولي المرجعية الأساسية لحل النزاعات، وترفض:
الانتهاك الصارخ لسيادة الدول.
استهداف المدنيين والبنى التحتية.
العقوبات الجماعية أو الحرب الشاملة.
هذا الموقف لا ينبع فقط من التعاطف مع القضايا العربية والمسلمة، بل من إدراك أن انتهاك القانون الدولي اليوم ضد دولة ما قد يُستخدم غداً ضد أي مجموعة أو أقلية في الغرب.
ب. رفض الحرب الشمولية باعتبارها سبباً لمعاناة الشعوب
الجاليات العربية والمسلمة تعرف جيداً معنى الحرب والتهجير والاختفاء القسري والمجازر. لهذا:
هم ضد أي خيار عسكري لا يكون في إطار الشرعية الدولية.
يرون أن الحلول السياسية والدبلوماسية تبقى الطريق الأقل دماراً.
يشعرون بقوة أن البطش العسكري لن يحقق السلام أو الأمن الحقيقي.
ج. تفاوت المواقف… ومساحات نقد ذاتي
داخل المجتمعات نفسها هناك:
من يطالب بدعم أكثر وضوحاً للقضايا الإسلامية أو العربية.
ومن يشدد على الاستقلالية وعدم التدخل في السياسات الخارجية للدول المضيفة.
وهناك من ينتقد انقسام الرؤى داخل هذه الجاليات نفسها.
هذا التنوّع يعكس طبقات متعددة من الوعي السياسي، لكنه لا يقلل من عمق التفاعل والاهتمام.
2. لماذا لا يكون الجاليات طرفاً في الحرب الكلامية؟
السؤال المنطقي هنا: إذا كان هناك غضب، فلماذا لا نرى احتجاجات ضخمة، أو مواقف سياسية مؤثرة؟
أ. خوف من وصمات التطرّف
الجاليات المسلمة خصوصاً في أوروبا والولايات المتحدة مدركة أن أي احتجاج غير منظم أو يستهدف رموزاً بعينها يمكن أن يُستغل إعلامياً لتشويه صورة المسلمين وربطهم بالعنف.
ب. رغبة في الاندماج والمشاركة البناءة
الكثير من أبناء الجاليات يريدون أن يكونوا جزءاً من المجتمع الذي يعيشون فيه، وليسوا في حالة مواجهة معه. لهذا يركزون على:
الحوار بين الثقافات.
المبادرات الإنسانية.
التأثير السياسي من خلال المشاركة المدنية وليس الشارع وحده.
3. تأثيرات الحرب على المواطن والاقتصاد والدول المضيفة
الحرب لا تؤثر على الشرق الأوسط وحده، بل تتسرب آثارها إلى المجتمعات الغربية بطرق مختلفة:
أ. ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء
الصراعات في الشرق الأوسط تعني تقلبات في أسواق النفط والغاز والقمح، مما ينعكس على:
فاتورة الطاقة الأسرية.
الأسعار اليومية في السوبرماركت.
الضغط على ميزانيات الفقراء والطبقات الوسطى.
ب. استنزاف الموارد السياسية والاقتصادية للدول المضيفة
الدول الأوروبية والأميركية الآن تجد نفسها مضطرة لموازنة سياساتها بين:
الدعم الدولي لحلفائها.
الحفاظ على استقرار اقتصاداتها.
تلبية توقعات مجتمعاتها المتنوعة.
4. هل يمكن أن يساهم العرب والمسلمون في الغرب في تغيير مسار الأحداث؟
نعم — ولكن ليس من خلال الحرب أو الانقسام:
أ. من خلال العمل السياسي المدني
المشاركة في الانتخابات، الضغط على ممثليهم، العمل مع منظمات حقوق الإنسان.
ب. عبر وسائل الإعلام والمجتمعات الأكاديمية
نشر الوعي، تحليل السياسات، الدعوة إلى السلام، توضيح تبعات الحروب على المدنيين.
ج. دعم المبادرات الإنسانية
جمعيات الإغاثة، دعم اللاجئين، العمل التطوعي في أوقات الأزمات.
5. الخلاصة: موقف ناضج ومسؤول يفضّل القانون على العنف
في حين أن الحرب تمزّق الشرق الأوسط، وتعيد إنتاج الأزمات القديمة، تبقى الجاليات العربية والمسلمة في أوروبا والأميركيتين:
تلتزم بالقانون الدولي وتدعو إليه.
ترفض الحرب الشمولية باعتبارها أداة تدميرية.
تسعى للمشاركة المدنية البناءة داخل مجتمعاتها الجديدة.
تعيد التأكيد على أن الخاسر الأكبر هو المواطن البسيط أينما كان.
وختاماً، يمكن القول إن مواقف هذه الجاليات ليست مجرد ردود فعل عاطفية، بل نتائج تراكمية من تجارب شعوبها مع الاحتلال والحرب والتهجير — تجعلها ترى في السلام والدبلوماسية الطريق الأقوى لتحقيق الأمن والكرامة.