vendredi 27 février 2026
موضة و مشاهير

سامية عمروش: الاستدامة تعيد تشكيل صناعة الموضة عالميًا في 2026

cc23315e-43b7-4f18-817c-d853a11b5700.gif.

سامية عمروش: الاستدامة تعيد تشكيل صناعة الموضة عالميًا في 2026 تم اعداد الصورة بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي وفي الإطار سامية عرموش

تخيّلي أن الموز الذي على مائدتك ليس مجرد فاكهة تؤكل، بل قماش يُرتدى. نعم، الموز نفسه. تخيّلي أن السترة التي تضعينها فوق كتفيك قد تحمل في خيوطها أليافاً استُخرجت من سيقان كانت قبل أسابيع جزءاً من محصول زراعي. والأمر لا يتوقف عند الموز؛ فالأناناس أيضاً، تلك الفاكهة الاستوائية اللذيذة، لم تعد حكراً على المطبخ، بل دخلت إلى عالم النسيج بوصفها مصدراً لألياف متينة ومرنة تُحوَّل إلى منسوجات فاخرة. لم تعد الطبيعة تُستهلك فقط، بل أُعيد اكتشافها كمختبر ابتكار حيّ. وبهذه البساطة المدهشة، تتحول مخلفات الحصاد إلى بدائل صديقة للبيئة، تقلل الهدر وتوفر المياه، وتمنحنا أقمشة “تتنفس” مع الكوكب بدل أن تستنزفه. وهو توجه نراه ينمو بوضوح في منطقتنا العربية، من خلال مبادرات رائدة في مصر والأردن والخليج العربي، تهدف إلى تحويل مخلفات النخيل والكتان إلى خيوط مستدامة، لتضع البصمة العربية في قلب هذا المختبر العالمي. هكذا تبدأ حكاية الأزياء في عام 2026: من قلب الطبيعة، لا من خطوط الإنتاج المرهِقة لها.

 

وإذا كان المستقبل يُنسج من ثمار الأرض، فإن الماضي أيضاً يُعاد قراءته بخيوط جديدة. خذي الجينز مثالاً؛ تلك القطعة التي لا تكاد تخلو منها خزانة في العالم. وُلد عام 1873 حين ابتكره Levi Strauss مع Jacob Davis كلباس عمل قاسٍ لعمّال المناجم والمزارعين في الولايات المتحدة. لم يكن آنذاك رمزاً للأناقة، بل درعاً يومياً للكادحين، قماشاً سميكاً مدعّماً بمسامير نحاسية كي يحتمل التعب والغبار والعرق. لكنه لم يبقَ في المناجم طويلاً. ففي عام 1953، ارتدى Marlon Brando الجينز في فيلم The Wild One، مقدّماً صورة الشاب المتمرّد الخارج عن السائد، ثم جاء عام 1955 ليكرّس James Dean هذه الرمزية في فيلم Rebel Without a Cause. هكذا خرج الجينز من بيئة العمل إلى شاشة السينما، ومن عرق الكادحين إلى مخيلة الشباب، فتحوّل من لباس ضرورة إلى بيان هوية. ومع مرور الزمن، لم يعد يعبر عن طبقة اجتماعية بعينها، بل أصبح قطعة "ديمقراطية" بامتياز، جزءاً لا يتجزأ من دولاب كل إنسان تقريباً، مهما اختلفت ثقافته أو طبقته.

 

اليوم، وبعد أكثر من قرن على ولادته، يعود الجينز إلى الواجهة في صيغة جديدة تُسمّى “الجينز الدائري”، حيث يُصمَّم وفق مبدأ التصميم من أجل التفكيك $Design for Disassembly$. هذه التقنية تضمن أن كل جزء في الجينز، من الأزرار النحاسية إلى الخيوط، يمكن فصله بسهولة في نهاية عمر القطعة لإعادة تدويره بشكل كامل ومنفصل. لم يعد الهدف أن نصنع قطعة تتحمل الزمن فقط، بل أن نصنع قطعة تعود إلى الحياة من جديد، ضمن دورة مستمرة تقلل الاستنزاف وتحدّ من النفايات. وهنا يتجلّى التحول الحقيقي: الموضة لم تعد مجرد ذوق أو نزوة عابرة، بل موقف أخلاقي واختيار واعٍ يعكس علاقتنا بالأرض وبالمستقبل.

 

هذا التحوّل الثقافي لم ينبثق من وعي فردي فحسب، بل واكبه تحوّل تشريعي غير مسبوق. فقد أقرّت European Commission ضمن استراتيجيتها للمنسوجات المستدامة والدائرية لعام 2026 حظراً على إتلاف الملابس غير المباعة، ومنعت رمي المنسوجات في المطامر، وفرضت آليات فرز إلزامية، محمِّلة الشركات المسؤولية المالية عن دورة حياة المنتج كاملة. هكذا انتقلت الاستدامة من خيار أخلاقي إلى التزام قانوني يعيد صياغة قواعد اللعبة في صناعة طالما ارتبطت بالإفراط والاستهلاك السريع.

 

وفي موازاة ذلك، تغيّر سلوك المستهلك نفسه. تشير تقارير عام 2026 إلى أن سوق إعادة البيع ينمو بوتيرة تفوق بثلاثة أضعاف نمو سوق الملابس الجديدة، وفق بيانات منصات عالمية مثل ThredUp. لم يعد شراء الملابس المستعملة دافعُه الاقتصاد وحده، بل بات إعلاناً أخلاقياً عن رفض الهدر ودعم الاقتصاد الدائري. هذا التحول دفع علامات كبرى إلى إطلاق منصات رسمية تستعيد من خلالها منتجاتها القديمة، تجدّدها، وتعيد طرحها في الأسواق، فيغدو ما في خزانتك ليس مجرد ملابس، بل استثماراً مستداماً يربط بين ذاكرة القطعة وابتكار المستقبل. هكذا تتبدّل الحكاية: من صناعةٍ تقوم على الاستهلاك السريع إلى منظومةٍ تعيد التفكير في المادة والزمن والقيمة. الأزياء في 2026 ليست فقط ما نرتديه، بل ما نختاره من مواقف؛ هي علاقة جديدة مع الطبيعة، ومع التاريخ، ومع مسؤوليتنا تجاه ما نتركه خلفنا. إنها صناعة تعيد تعريف نفسها، وتدعونا في الوقت ذاته إلى إعادة تعريف علاقتنا بالاستهلاك، لأن ما نرتديه اليوم يعبّر بقدر كبير عمّا نؤمن به غداً.

 

سامية عرموش؛ صحافية وناقدة سينمائية تشتبك مع القضايا الاجتماعية عبر عدسة النقد والتحليل. تحمل شهادة الماجستير بامتياز في "ثقافة السينما" من جامعة حيفا، وتكرّس محاضراتها لاستكشاف قدرة الفن السابع على قيادة التغيير. تؤمن سامية بأن الاستدامة أسلوب حياة، لذا تنشط في مبادرات بيئية رائدة تهدف إلى إحياء ثقافة التدوير والاستهلاك الواعي في مجتمعنا، محولةً "الملابس المستعملة" من مجرد مقتنيات إلى موقف أخلاقي وبيئي.


 

سامية عرموش؛ صحافية وناقدة سينمائية تشتبك مع القضايا الاجتماعية عبر عدسة النقد والتحليل. تحمل شهادة الماجستير بامتياز في "ثقافة السينما" من جامعة حيفا، وتكرّس محاضراتها لاستكشاف قدرة الفن السابع على قيادة التغيير. تؤمن سامية بأن الاستدامة أسلوب حياة، لذا تنشط في مبادرات بيئية رائدة تهدف إلى إحياء ثقافة التدوير والاستهلاك الواعي في مجتمعنا، محولةً "الملابس المستعملة" من مجرد مقتنيات إلى موقف أخلاقي وبيئي.