mercredi 25 février 2026
خارج الحدود

ياسين الصبار: عندما ينطق الخبير بالحكم القضائي !!!

ياسين الصبار: عندما ينطق الخبير بالحكم القضائي !!! ياسين الصبار

يعتمد النظام القضائي المغربي على الخبرة القضائية في طيف واسع من القضايا التي تستلزم حسم مسائل ذات طبيعة تقنية أو فنية أو طبية، بحيث أصبح من المألوف أن تأمر المحكمة بإجراء خبرة كلما تعلق النزاع بحسابات معقدة، أو بتقييم عقاري، أو بمسألة ميكانيكية، أو بمسؤولية طبية تستدعي رأيا متخصصا.

فعندما ترى المحكمة ضرورة الاستعانة برأي تقني أو فني، تعمد إلى تعيين خبير محلف مقيد بجدول الخبراء، مع إمكانية تعيين خبير غير مقيد عند الاقتضاء، شريطة أدائه اليمين القانونية إذا تبين عدم وجود خبير مختص في المجال المطلوب، ويتم هذا التعيين بمقتضى حكم تمهيدي يحدد بدقة مهمة الخبير والنقط المراد بحثها.

تلي ذلك مرحلة أداء أتعاب الخبرة من الطرف الذي تحدده المحكمة، وقد تتحملها الخزينة العامة في حال استفادة أحد الأطراف من المساعدة القضائية، وبعد إيداع الأتعاب يباشر الخبير مهامه عبر استدعاء الأطراف ودفاعهم، والاطلاع على ملاحظاتهم ووثائقهم، وربما الانتقال إلى عين المكان متى كان ذلك مفيدا لإنجاز المهمة. ثم ينتهي عمله بإعداد تقرير مفصل يتقيد فيه بالأسئلة المحددة في الحكم التمهيدي، دون أن يمتد دوره إلى مناقشة المسائل القانونية التي تبقى من صميم اختصاص المحكمة.

وبمجرد إيداع تقرير الخبرة، تطلع عليه الهيئة القضائية وتمنح الأطراف نسخة منه لإبداء ملاحظاتهم وتعقيباتهم، غير أن الممارسة العملية تكشف أن المحاكم المغربية غالبا ما تعتمد بشكل شبه كلي على ما ورد في تقارير الخبرة، ولا تلجأ إلى الخبرة المضادة أو إلى تعديل النتائج إلا في حالات محدودة. وفي الغالب ينحصر دور المحكمة في مراقبة احترام الإجراءات الشكلية للخبرة — من قبيل استدعاء الأطراف، والتقيد بالأجل، والالتزام بحدود المهمة — دون أن يمتد ذلك بالقدر الكافي إلى فحص مضمون التقرير وتمحيص أسسه العلمية.

والنتيجة أن العديد من الأحكام تبدو وكأنها حُسمت منذ لحظة إيداع تقرير الخبرة، الأمر الذي يكرس انطباعا مفاده أن الخبير قد نطق بالحكم مسبقا، وتحول — عمليا — إلى ما يشبه القاضي الذي يحدد مآل النزاع، خاصة في الملفات التي تقوم أساسا على النتائج التقنية، مثل قضايا حوادث السير، وحوادث الشغل والأمراض المهنية، والنزاعات العقارية، وملفات المسؤولية الطبية.

ومما يزيد هذا الانطباع حدةة أن الدفوع التي يثيرها المحامون بشأن نتائج الخبرة لا تلقى في كثير من الأحيان التفاعل المأمول، ولا تُقابل بإعادة تقييم حقيقية للتقرير أو بمقارنته مع باقي وسائل الإثبات المعروضة في الملف. فقد نجد على سبيل المثال تقريرا طبيا قضائيا يحدد نسبة عجز دائم لا تتجاوز 8%، في حين تشير الوثائق الطبية إلى خضوع الضحية لعمليات جراحية معقدة وتأثره العميق بالإصابات، بل وربما معاناته من عاهة مستديمة.

من هنا، يبدو من الضروري إعادة النظر في كيفية تعامل المحاكم مع تقارير الخبرة، ليس من باب التقليل من أهميتها، ولكن ضمانا لتوازن المحاكمة وعدالتها. فالمطلوب هو إخضاع هذه التقارير لرقابة قضائية فعلية، ومقارنتها بباقي الحجج، والاستجابة لطلبات الخبرة المضادة كلما ظهرت مؤشرات جدية على قصور النتائج أو ضعف الأسس التي بُنيت عليها.

فالخبرة، في نهاية المطاف، ينبغي أن تظل وسيلة لإرشاد القاضي لا بديلا عنه، وأداة لخدمة العدالة لا سلطة موازية لها. لأن القاضي وحده هو من ينطق بالحكم، بعد تقدير جميع عناصر النزاع في إطار سلطته في تكوين قناعته القضائية.

 

الأستاذ ياسين الصبار
محام بهيئة مراكش
دكتور في الحقوق