mercredi 25 février 2026
فن وثقافة

العربي رياض يقترح توثيق وإعادة كتابة سيرة ومسار قصة حياة الفقيد المبدع عبد الرحمان باكو سينمائيا (2)

العربي رياض يقترح توثيق وإعادة كتابة سيرة ومسار قصة حياة الفقيد المبدع عبد الرحمان باكو سينمائيا (2) العربي رياض بجانب الفقيد عبد الرحمان باكو

أكد الكاتب والصحفي الزميل العربي رياض في تصريح لجريدة "أنفاس بريس" على أنه أصبح من الواجب واللازم أن يتم توثيق المسار الإبداعي للفنان لَكْنَاوِي والْغِيوَانِي الفقيد عبد الرحمان باكو، الذي كان له الفضل في تحبيب فن كناوة للشباب وتسويقه عالميا، والإفراج عليه من الإعتقال بين أسوار الفضاءات الخاصة إلى الفضاء العام. وشدد العربي رياض على أهمية توثيق قصة الرجل، سينمائيا ارتباطا بقصة مسار حياته، كتراث لامادي بقيمة مضافة للخزانة السينمائية المغربية.

"بَّاكُو" الموسيقي الذي طوّع آلة "السَّنْتِيرْ" وعشق فن تَاﮜناوِيتْ

في الحلقة الأولى تتبعنا على لسان الكاتب والصحفي العربي رياض، قصة البدايات للفنان عبد الرحمان بَّاكُو، ذلك الشاب العاشق لفن تَاكْنَاوِيتْ، وكيف أصر بشغف وبرقي على إخراج فن ﮜـنَاوَةْ من داخل الأسوار المغلقة بين دروب وأزقة مدينة الصويرة إلى الفضاء العام، وارتقى به إلى العالمية، بعد أن كشف وأبرز خصوصياته الموسيقية والإيقاعية ورقصاته الجميلة. حيث أكد العربي رياض بأن الفقيد "بَّاكُو" كان سببا في الانفتاح وتعاطي الشباب مع هذا اللون والنمط من الغناء والموسيقى التقليدية المغربية الإفريقية والعالمية.

"لما غنى المغرب"...رياض يقتفي أثر الظاهرة الغيوانية

من المعلوم أن الصحفي العربي رياض صاحب كتاب "لما غنى المغرب" يُعَدُّ من بين الكتاب الأوائل الذين كان لهم الفضل في تتبع مسار الظاهرة الغيوانية، والنبش في مسارها من خلال الأثر الذي خلدته المجموعات الغيوانية، وتوثيق أهم المعطيات التاريخية ذات الصلة بالتأسيس والمسار الفني لتلك المجموعات الخالدة، والتي عشق المغاربة عن بكرة أبيهم منتوجاتها الغنائية ونصوصها الفنية المتنوعة، التي وظّفت فيها العديد من الإيقاعات المغربية التراثية.

في هذا السياق، لم يكن عصيّا على الكاتب العربي رياض أن يقارن العمل الفني الرّاقي الذي اشتغل عليه عبد الرحمان بَّاكُو، وإصراره على إخراج فن تَاﮜـنَاوِيتْ إلى العموم وتحبيبه للشباب، ـ قارن هذا الفعل ـ بما قامت به مجموعة جيل جيلالة مع فن الملحون، حيث كرست كل مجهوداتها الفنية لتحبيبه إلى الشباب وعامة الجمهور المغربي. حيث يقول في هذا الصدد: "لولا مجموعة جيل جيلالة لما أحببنا كشباب في تلك الفترة فن الملحون".

آلة "السَّنْتِيرْ" المعادلة التي ارتقت بـ "الغيوان" إلى العالمية

من هذا المنطلق يمكننا أن نجزم بأن البصمة المتميزة والعلامة البارزة في هذا العمل الفني السهل الممتنع، لدى الراحل عبد الرحمان بَّاكُو، هي آلة "السَّنْتِيرْ". تلك الآلة العجيبة والساحرة التي أطربت ودَوَّتْ وسط مجموعة ناس الغيوان، حيث تَبَنَّتْ المجموعة الفن الكناوي كلمسة فنية تراثية، ونمط جديد في ألحانها ضمن مجموعة من القطع الغنائية الرائعة.

ومن خلال حديث العربي رياض عن الفقيد وهو يترافع بعشق منقطع النظير، عن ضرورة توثيق مسار قصته سينمائيا ـ يكشف عن علو كعب شخصيتنا الفنية ـ يتبين أن الأسلوب الفني الذي تعامل به عبد الرحمان بَّاكُو من خلال توظيف آلة "السَّنْتِيرْ" خلق للمجموعة جمهورا غفيرا، سواء داخل المغرب أو خارجه حيث أصبح الطلب قويا، على تنظيم سهرات مجموعة ناس الغيوان في مختلف الدول والبلدان العربية والأوروبية وغيرها.

قصة "بَّاكُو" أو حكاية شاب يعتز بتراث بلده

في هذا الصدد يصف العربي رياض، شخصية الفقيد بَّاكُو بـ "القصة التي تروي كنوزا مخفية". وأوضح بأن مسار شخصية الرجل عبارة عن "قصة نضالية، قصة تعبر عن الجيل الذهبي لفترة السبعينات. الجيل المثقف الذي كان توّاقا للحرية، ومتحمسا للتعريف بهويته وتراث وطنه، والرافض للبيروقراطية الغنائية التي تمجد الفن المشرقي، وتحاصر الفن المغربي...".

لذلك يصر ضيف الجريدة في حديثه الشيق، على أن الفقيد عبد الرحمان بَّاكُو يعتبر أحد رواد التغيير على مستوى فن تَاﮜـنَاوِيتْ، بدفاعه المستميت عن الهوية التراثية المغربية موسيقيا وغنائيا، وأيضا بانتفاضته على الطقوس والأعراف السائدة حينئذ، وضد واقع حال الفن الـﮜناوِي الذي كان منغلقا داخل دائرة ﮜناوة. وانتفض كذلك على الأغنية المعاصرة ونبهنا إلى أن هناك تراث مغربي يجب أن ننفتح على كنوزه، مما سيجعل من حضوره وسط مجموعة ناس الغيوان دعامة أساسية لرؤية الراحل الفنان بوجميع.

"بَّاكُو" أحد أعمدة فرقة "لِّيفِنْكْ تْيَاتَرْ" العالمية

القصة الجميلة التي تستحق أن تكتب سينمائيا عن الفقيد بَّاكُو، تتفرع عنها محكيات عالمية تؤكد أن الفقيد استطاع أن يصنع اسمه خارج المغرب من خلال تعامله واشتغاله مع أعرق فرقة موسيقية عالمية وهي فرقة "لِّيفِنْكْ تْيَاتَرْ" التي استلهمت منها نفس الإسم فرقة "الْمَسْرَحُ الْحَيْ" تيما من اسم الفرقة الموسيقية البريطانية التي كانت تضم أطرا من المهندسين والأطباء وغيرهم، حيث اختاروا الفنان عبد الرحمان باكو بأن يكون عضوا أساسيا ضمن الفرقة، وهو يتأبط آلة "السَّنْتِيرْ" ويخرج منها بأنامله الساحرة تلك الأنغام الموسيقية المتموجة.

"بَّاكُو" النجم الذي أطرب العالم بآلته لـﮜناوية ورقصته

في كشفه عن مسار الفقيد "بَّاكُو" استحضر العربي رياض، نجومية الرجل في مدينة الصويرة، وسفره الطويل مع فرقة "لِّيفِنْكْ تْيَاتَرْ" وعروضه المذهلة، الفنية والمسرحية والموسيقية التي جعلت منه فنان محبوبا لدى الجمهور بوطنه وخارج بلده. وعرج أيضا في سياق حديثه عن الرجل، على محطات فنية مع مجموعة جيل جيلالة، وكذلك مع ناس الغيوان، فضلا عن علاقته العميقة مع الفنان بوجميع. لذلك يرى العربي رياض بأن الانطلاقة الفنية لـ "بَّاكُو" مع مجموعة ناس الغيوان يعتبرها، انطلاقة أخرى بصورة مغايرة، وبطرح موسيقي وغنائي جديد، مختلف عما ظهرت به ذات المجموعة.

شخصية "بَّاكُو" في الحاجة إلى التوثيق السينمائي

بنوع من الحسرة يسجل صاحب كتاب "لما غنى المغرب" أن مسار الفقيد وقصة حياته لم تنل ما تستحقه من اهتمام من طرف المهتمين، على اعتبار أن "عبد الرحمان باكو، قامة ومعلمة، لم يوفى حقه في مساره التاريخي". واستطرد قائلا: "للأسف، لما قمت بتوثيق مسار المجموعات الغنائية، ـ جيل جيلالة والمشاهب وناس الغيوان ـ حاولت أن أطرق باب الصامتين، الذين لا يتحدثون كثيرا، ليعرفهم الناس ونتعرف عليهم". في انتظار أن يتسلم مشعل التوثيق، مختلف المبدعين والنقاد والدارسين والباحثين، إلى جانب المختصين في مجالات أخرى لها وزنها في الإبداع السينمائي.

رقصة "بَّاكُو" التي حررت الجسد من قيوده

من جهة أخرى، تحدث العربي رياض عن بصمة عبد الرحمان بَّاكُو وحضوره القوي، وسط مجموعة ناس الغيوان، حيث كانت أنامله الذهبية تطوع أوتار آلة "السَّنْتِيرْ" وتُحْدِثُ رجّة نفسية وروحية بوقع نغماتها الطربية المذهلة والساحرة على الجمهور المتلقي. ثم كشف عن مفهوم حركة الجسد المتحرر على إيقاع ميزان "الْحَالْ" و "الجَّدْبَةْ"، من خلال طقس الرّقصة المشهورة التي كان يؤديها الفقيد على الرّكح أمام عشاق فن تَاﮜنَاوِيتْ، وكان الهدف منها حسب تفسير العربي رياض: "التعريف بمعنى الْحَالْ. وليلة الجَّدْبَةْ، والليلة لَـﮜْنَاوِيَةْ. 

من هنا، أكد ضيف الجريدة، على أهمية الانكباب على دراسة وقراءة كل رموز ودلالات الرقصات الفنية ذات الصلة بـ "الْحَالْ" و "الجَّدْبَةْ" أو تلك المتعلقة برقصات أخرى مثل رقصة "الْوَادْ" والتي تغنت بنصها الغنائي مجموعة جيل جيلالة، إلى جانب العديد من الرقصات الشعبية، وتفكيك معانيها وأسباب نزولها وسياقاتها التاريخية من طرف المختصين.

العيطة عليكم...أو نداء العربي لمن يهمه الأمر

وختم العربي رياض حديثه بتوجيه نداء إلى الباحثين والدارسين والمختصين في المجال السوسيولوجي والأنثروبولوجي وإلى كافة النقاد والمبدعين في كتابة السيناريو والمخرجين، من أجل الإنكباب على قراءة ودراسة هذه الكنوز التراثية ذات الصلة بهوية المغاربة وحضارتهم الغنية بتنوعها وتعددها الثقافي والفني، وإعادة كتابتها بطريقة تساهم في توثيقها باعتبارها كنوزا تراثية وقال في هذا الشأن: "نحن كصحفيين قمنا بواجبنا المهني، من خلال الكتابة الأولى للكشف والتعريف برموز الفن والإبداع الوطني، وقدمنا للمراقبين والقراء شخصيات مغربية وازنة أعطت الشيء الكثير لهذا الوطن، لكن مازلنا ننتظر من يحول هذه الكتابة الخام إلى أعمال فنية وسينمائية تكشف عن علو كعب وطن أسمه المغرب، وتفتح أبواب المعرفة أمام هذا الجيل للتعرف على تراثه الفني المتعدد الروافد والخصوصيات" .

انتهى