mardi 24 février 2026
كتاب الرأي

فطيمة فوزي: هل خمد وهج 20 فبراير أم انكسر أفق السياسة؟ من الشارع إلى الشاشة… ومن دستور 2011 إلى صمت القلق

فطيمة فوزي: هل خمد وهج 20 فبراير أم انكسر أفق السياسة؟ من الشارع إلى الشاشة… ومن دستور 2011 إلى صمت القلق فطيمة فوزي

 

 

ليس النقاش حول 20 فبراير وجيل Z نقاشا عاطفيا بين جيل “مناضل” وآخر “صامت”، بل هو سؤال سياسي عميق حول تحولات الثقة، والافق، وادوات الفعل الجماعي في المغرب.

حركة 20 فبراير لم تكن حزبا سياسيا ولم تنبثق عن تنظيم بعينه، بل تشكلت من مبادرة شبابية مستقلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تلتحق بها مكونات يسارية وحقوقية وإسلامية. لذلك لم يكن لها برنامج حزبي موحد، لكنها رفعت في الشارع شعارات واضحة وموثقة من قبيل: الشعب يريد اسقاط الفساد والاستبداد، حرية كرامة عدالة اجتماعية، فصل السلط وربط المسؤولية بالمحاسبة، كما رفع داخلها شعار الملكية البرلمانية من طرف مكونات سياسية وحقوقية كانت ترى في ذلك مدخلا لإعادة توزيع السلطة وتعزيز المسؤولية السياسية للحكومة امام البرلمان.

السياق الذي أنتج 20 فبراير كان مركبا: بطالة مرتفعة في صفوف الشباب، توسع الفوارق الاجتماعية، ازمة ثقة في الاحزاب، وتأثير المد الاقليمي بعد سقوط انظمة في المنطقة. كان الشارع آنذاك فضاء مركزيا للتعبير، وكان الرهان على الضغط الجماعي باعتباره اداة قادرة على تعديل ميزان القوة. وقد ساهمت هذه الدينامية في تسريع مسار المراجعة الدستورية، حيث جاء دستور 2011 بعد خطاب 9 مارس متضمنا مستجدات مهمة، من بينها تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة، التنصيص على ربط المسؤولية بالمحاسبة، دسترة المجلس الاعلى للسلطة القضائية، وتوسيع مجال الحقوق والحريات، اضافة الى الاشارة إلى سمو الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب. ورغم استمرار الجدل حول حدود هذه المكتسبات ومدى تفعيلها، فإن اللحظة الاحتجاجية شكلت دون شك ضغطا سياسيا ساهم في اعادة ترتيب المشهد المؤسساتي.

غير أن زخم الحركة تراجع لاحقا لعدة اسباب متداخلة: تفكك التحالف بين مكوناتها الايديولوجية، اختلاف التقدير حول جدوى الاستمرار بعد التعديل الدستوري، ضعف البناء التنظيمي المستدام، كلفة المواجهة، ثم تراجع المد الاقليمي بعد تعثر تجارب الربيع العربي وصعود خطاب التخويف من الفوضى. هكذا انتقلت لحظة التعبئة الواسعة إلى مرحلة انكماش، دون أن يعني ذلك اختفاء الاسئلة التي فجرتها.

في المقابل، يتشكل ما يسمى بجيل Z في شروط مغايرة تماما. هو جيل رقمي بامتياز، تشكل وعيه السياسي عبر الشبكات الاجتماعية أكثر مما تشكل في الفضاءات الحزبية او النقابية. لا يمكن الادعاء انه انتفض جماعيا حول قضايا مثل المساواة الجندرية او الهجرة بنفس الصيغة التي عرفتها 20 فبراير، لكن حضوره التعبيري القوي في هذه الملفات عبر الحملات الرقمية والنقاشات العمومية يكشف حساسية عالية تجاه قضايا الحريات الفردية، العنف ضد النساء، العدالة الاجتماعية، والهجرة كأفق فردي للهروب من الانسداد.

وصف هذا الجيل بالصامت يبقى توصيفا نسبيا، مرتبطا بالمقارنة مع زخم 2011. فهو لم يختف من المجال العمومي، بل غير ادواته. غير أن التحول الاهم لا يكمن في الانتقال من الشارع إلى الشاشة فقط، بل في تراجع الثقة في جدوى الفعل الجماعي المنظم. حين يشعر الشباب أن جزءا من وعود الاصلاح لم يترجم إلى تحسن ملموس في شروط العيش، وأن التراجعات في بعض المجالات ما تزال قائمة، يصبح التردد مفهوما، ويغدو البحث عن حلول فردية مثل الهجرة او المشاريع الذاتية بديلا عن الانخراط في مشروع سياسي جامع.

الفارق بين الجيلين اذن ليس في درجة الوعي، بل في طبيعة الافق. جيل 20 فبراير تحرك في لحظة كان فيها الاعتقاد بإمكانية الاصلاح عبر الضغط الشعبي قويا. اما جيل Z فيعيش في مناخ مطبوع بالشك، حيث تبدو السياسة مجالا محدود الاثر، وتغيب الوساطة القادرة على تحويل الغضب المتفرق إلى قوة منظمة.

السؤال اليوم ليس لماذا تراجع جيل فبراير، ولا لماذا يبدو جيل اليوم مترددا، بل كيف يمكن استعادة الثقة وبناء اشكال تنظيمية جديدة تستوعب التحولات الرقمية دون ان تفقد العمق الاجتماعي للمطالب. فالتاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يراكم الدروس. وإذا كان دستور 2011 قد شكل استجابة سياسية لضغط الشارع، فإن المرحلة الراهنة تطرح تحديا مختلفا: كيف نحول القلق الصامت إلى افق سياسي مقنع، قبل أن يتحول الانسحاب إلى قدر دائم.

 

فطيمة فوزي، ناشطة حقوقية