lundi 23 février 2026
فن وثقافة

لماذا هذا التحامل على سلسلة "بنات لالة منانة" !؟

لماذا هذا التحامل على سلسلة "بنات لالة منانة" !؟

ليس من طبيعة الأعمال الدرامية أن تحظى بإجماع، ولا من طبيعة الجمهور أن يتفق على قراءة واحدة، غير أن ما يُحيط بسلسلة "بنات لالة منانة" الجزء الثالث، المعروضة على القناة الثانية 2M خلال شهر رمضان بعد الإفطار، يتجاوز حدود الاختلاف المشروع إلى نوع من التسرع في إصدار الأحكام، كأن الحلقة الأولى كانت خاتمة القول لا بدايته، وكأن العمل قد استنفد منطقه قبل أن يكشف عن مساراته.


لقد جاءت البداية جريئة، لا بمعنى الاستفزاز المجاني، ولكن بمعنى الدخول المباشر إلى قلب المسألة الاجتماعية. الصراع بين السلطة ممثلة في الشيخ، والمواطن البسيط، والباعة الجائلين باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة في معادلة الاقتصاد اليومي، لم يُقدَّم بوصفه مواجهة بين خير وشر، بل بوصفه شبكة علاقات متشابكة، يتداخل فيها القانون بالحاجة، والنفوذ بالضرورة، والهيبة بالمعاناة الصامتة. وهذه الجرأة، في سياق درامي اعتاد أحيانا الاحتماء بالمناطق الآمنة، تحسبُ للعمل ولا تؤخذ عليه.


غير أن الخط الأكثر كثافة في هذا البناء كان خط منانة نفسها، إذ أن اعتصامها لاسترجاع منزلها القديم لم يكن مجرد مطالبة بعقار، بل كان مطالبة باستعادة جزء من الذات. فالبيت، في الوعي الشعبي، ليس جدرانا وسقفا فحسب، بل ذاكرة تسكن المكان ويسكنها، تاريخا شخصيا يتقاطع مع تاريخ عائلي، ومخزونا من الحنين يشكل هوية لا تعوَّض. ومن هنا اكتسبت الوقفة الاحتجاجية، التي أعقبت الاعتصام، معناها الأعمق. لم تعد المسألة قضية فرد يطالب بحقه، بل صارت سؤالا جماعيًا حول معنى الانتماء وحق الإنسان في ذاكرته.


وكان انخراط الأحفاد في الوقفة أمام المنزل تطورا دالا، إذ انتقلت القضية من جيل إلى جيل، وتحولت الذاكرة إلى موقف، والحنين إلى فعل. أما اعتقال منانة، فلم يكن مشهدا للدراما وحدها، بل لحظة مكثفة تختبر العلاقة الدقيقة بين الاحتجاج والسلطة، بين التعبير عن الحق وحدود الأمن. هنا، لم تُملِ السلسلة حكما أخلاقيا جاهزا، بل تركت السؤال مُعلقا في وعي المشاهد : 
متى يكون الدفاع عن الذاكرة فعل كرامة، ومتى يُقرأ باعتباره خرقا للنسق العام !؟..


وفي موازاة هذا الخط الاجتماعي، تتطور حكايات "بنات لالة منانة" في فضاء آخر لا يقل توترت، هو فضاء الزواج وما يحيط به من آمال وتوقعات،  ولا تقدِّمُ السلسةُ صورة مثالية للعلاقة الزوجية، بل تكشف عن الخيبات الصغيرة التي تتراكم تارة بالصمت والغموض وتارة أخرى بالضجيج و الوضوح، وعن الفجوة بين الحلم الاجتماعي بالصورة المستقرة، والواقع الذي تمتحنه التفاصيل اليومية، ذلك أن بعض الشخصيات تكتشف أن الاستقرار الشكلي لا يكفي لبناء الطمأنينة، وأن الزواج، حين يُختزل في واجهة اجتماعية، يفقد معناه الإنساني. وهنا يتجلى البعد النفسي للعمل، إذ لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يتتبع أثرها في الداخل، في مناطق التردد والشك والمراجعة.


أما ما يُثار حول استمرار نفس الممثلات في الجزء الثالث بعد مرور 13 سنة عن الجزء الثاني، فذلك اعتراض يغفل منطق السلسلة ذاته، فالعمل التلفزيوني المُتسلسل يقوم على التراكم، وعلى تطور الشخصيات عبر الزمن، لا على استبدالها في الجزء الموالي، إذ من المعلوم أن الجمهور لا يتعلق بالأسماء بقدر ما يتعلق بالمصائر وشخوص الفرجة التلفزيونية، ولا يتابع الوجوه لذاتها، بل لأنها صارت جزءا من ذاكرته البصرية والوجدانية. وإضافة شخصيات جديدة لا تعني نسف الجذور، بل توسيع الأفق الدرامي وتكثيف التشابك بين الخطوط، كما أن حضور الطاقات الشابة في هذا الجزء جاء بشكل قوي، بحكم أن الممثلين المنتمين للجيل الحالي، كانوا في المستوى في مشاهد التوتر والانفعالات، التي تضمنتها حكايات ومواقف الحلقات الأولى إلى حدود كتابة هذه السطور، خصوصا وأنهم يجسدون أدوارا مهمة، إمام ممثلين لهم خبرة طويلة في التمثيل وحضور قوي في التلفزيون والمسرح.

 

وختاما ليس في القول دفاع أعمى، فالنقد ضرورة لتطور الصناعة الدرامية، وهو حق وليس ذريعة للهجوم دون الاعتماد على الحجج الفنية. لكن الفرق كبير بين نقد يتوخى الفهم والتحليل، وتحامل يستعجل الإدانة. وسلسلة "بنات لالة منانة"، بما فتحته من ملفات تتصل بالسلطة والاحتجاج والذاكرة وخيبة الزواج وصراع الأجيال، تستحق أن تُقرأ في امتدادها، لا أن تُختزل في انطباع أولي.


فالدراما، في نهاية الأمر، ليست بيانا سياسيا ولا درسا أخلاقيا، بل محاولة لفهم المجتمع عبر حكاية. وإذا كانت قد أثارت هذا القدر من الجدل، فلعلها لامست وترا حيا، والوتر الحي لا يصدر صوته إلا لأنه موجود.