lundi 23 février 2026
مجتمع

دراسة.. ساعة واحدة تُكلّف المغرب صحة مواطنيه وأرواحاً على الطريق

دراسة.. ساعة واحدة تُكلّف المغرب صحة مواطنيه وأرواحاً على الطريق

في 26 أكتوبر 2018، قرّر المغرب تثبيت توقيته القانوني عند غرينتش +1 بشكل دائم، مُنهياً بذلك نظام تغيير الساعة الموسمي الذي ظل معمولاً به لسنوات. القرار الذي بُرِّر رسمياً بالمواءمة مع أوروبا وتوفير الطاقة، يعود اليوم إلى الواجهة بعد أن كشفت ورقة تحليلية صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) في فبراير 2026 أن هذه السياسة تفرض تكاليف صحية واجتماعية موثقة علمياً، دون أن تُثبت الأدلة تحقيقها لوفورات في الطاقة أو تعزيزاً للإنتاجية الإجمالية.

 

وفق الدراسة التي استندت إلى أبحاث محكّمة دولية، يرتبط العيش في الجانب الغربي من منطقة زمنية — وهو الوضع الذي يجد فيه المغرب نفسه منذ اعتماد غرينتش +1 — بفقدان وسطي يبلغ 19 دقيقة من النوم كل ليلة، مع زيادة موثقة في مخاطر السمنة والسكري وأمراض القلب. يستند هذا الرقم إلى دراسة Giuntella & Mazzonna (2019) التي اعتمدت تصميم الانحدار المتقطع (RDD) لقياس الأثر السببي للموقع الجغرافي داخل المنطقة الزمنية على الصحة العامة.

 

والأكثر إثارةً للقلق أن المراهقين يتحملون العبء الأكبر من هذا الخلل الزمني. 
فقد رصدت دراسة اعتمدها المركز فقدان نوم يصل إلى 32 دقيقة في الليلة الواحدة لدى المراهقين عقب الانتقال للتوقيت الصيفي، مما ينعكس سلباً على يقظتهم وتحصيلهم الدراسي.

 

ويُفسّر الباحثون هذه الظاهرة بمفهوم"التأخر الاجتماعي" (Social Jetlag)، وهو عدم التوافق بين الساعة البيولوجية الداخلية للإنسان والساعة القانونية المفروضة عليه. وقد أجمع كلٌّ من الأكاديمية الأمريكية لطب النوم (AASM) والجمعية الأوروبية للساعة البيولوجية (EBRS) على أن التوقيت القياسي الدائم — أي توقيت غرينتش بالنسبة للمغرب — هو الخيار الوحيد المتوافق مع الساعة البيولوجية البشرية.

 

تكشف الورقة التحليلية للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD) — فبراير 2026
ارتباطاً وثيقاً بين الصباح المظلم الناجم عن التوقيت الصيفي الدائم وارتفاع وفيات حوادث السير. فوفق دراسة Gentry et al. (2022) الاستخدام أداة GIS وبيانات حوادث السير الأمريكية، يرتبط العيش غرب المنطقة الزمنية بزيادة تصل إلى 21.8% في وفيات حوادث المرور.

 

وتستحضر الدراسة هذه النتيجة — مؤكدةً طابعها الارتباطي لا السببي المباشر في الحالة المغربية — في مقابل الأرقام الوطنية المقلقة: 3005 قتيلاً سنة 2020، ارتفعت إلى 4024 قتيلاً سنة 2024، في مسار تصاعدي متواصل وفق بيانات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية (NARSA).

 

ويُضاف إلى الكلفة البشرية المباشرة بُعدٌ اجتماعي أعمق تُبرزه الورقة، إذ يضطر النساء والفتيات وطلبة المناطق القروية والهامشية للتنقل في الفضاء العام قبل شروق الشمس، مما يُعزز الشعور بانعدام الأمن ويُشكّل عائقاً أمام تكافؤ الفرص في الوصول إلى التعليم والعمل.

 

أحد أبرز المبررات الرسمية التي استُند إليها لتثبيت التوقيت هو توفير الطاقة. غير أن الدراسة تُفنّد هذا الادعاء بأدلة علمية متعددة: فالتجربة التركية التي ثبّتت التوقيت الصيفي سنة 2016، لم تُسجّل أي وفورات طاقة تُذكر وفق دراسة Bircan & Wirsching (2023). بل أكثر من ذلك، خلصت دراسة أمريكية مرجعية لـ Kotchen & Grant (2011) إلى أن اعتماد التوقيت الصيفي أفضى إلى زيادة استهلاك الكهرباء السكني بنسبة 1%، إذ أن الغروب المتأخر يرفع استخدام التكييف مساءً في المناخات الحارة، ملغياً أي وفورات في الإضاءة.

 

لا تُنكر الورقة الحجة الاقتصادية لصالح التوقيت الحالي، فهو يمنح المغرب ساعة تداخل إضافية يومياً مع أوروبا القارية شتاءً، وهو عنصر حيوي لقطاع ترحيل الخدمات (BPO) الذي يُشكّل جزءاً متنامياً من الاقتصاد الوطني. كما أن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك التجاري الأول للمغرب.

 

لكن الصورة تكتمل بوجه آخر: هذا المكسب يأتي على حساب فقدان ساعة من التداخل مع المملكة المتحدة والساحل الشرقي الأمريكي، إضافة إلى شبه انعدام التزامن مع الصين التي لا تتقاطع أوقات عملها مع المغرب في أي سيناريو. وفي زمن تنهج فيه المملكة استراتيجية التنويع الاقتصادي نحو أفريقيا جنوب الصحراء والفضاء الأنجلوسكسوني، يطرح الباحثون تساؤلاً جوهرياً: هل وقفت استراتيجية التوقيت في مكانها بينما تحولت استراتيجية التنمية؟

 

لا تكتفي الورقة بتشخيص المشكلة، بل تضع أمام صانع القرار المغربي ثلاثة سيناريوهات مرقّمة بتكاليفها ومكاسبها:
السيناريو الأول — العودة إلى غرينتش الدائم: يُحقق توافقاً كاملاً مع الساعة البيولوجية، ويُحسّن الصحة والسلامة الطرقية، ويستعيد ساعة تداخل مع لندن ونيويورك، لكنه يتضمن خسارة ساعة تداخل شتوية مع أوروبا القارية ومقاومة متوقعة من قطاع الأعمال الموجه نحو أوروبا.

 

السيناريو الثاني — الإبقاء على غرينتش +1 مع إجراءات تصحيحية: يحافظ على المواءمة الأوروبية ويتجنب كلفة الانتقال، لكنه يُبقي على الكلفة الصحية والاجتماعية، حتى مع تخفيفها بتأجيل مواعيد الدخول المدرسي والإداري شتاءً.

 

السيناريو الثالث — نظام موسمي جديد: يحاول الجمع بين الفوائد الاقتصادية صيفاً والصحية شتاءً، غير أن المجتمع العلمي يُصنّفه "أسوأ الخيارين" لأنه يُعرّض المواطنين لتكاليف الانتقال الموسمي مرتين في السنة.

 

تُصدر الدراسة جملةً من التوصيات العملية الموزعة على ثلاثة آفاق زمنية. على المدى العاجل (0-6 أشهر)، يطالب CAESD بتطبيق تأخير فوري لمواعيد الدخول المدرسي والإداري إلى التاسعة صباحاً بين نونبر وفبراير، ونشر الدراسة الحكومية لسنة 2018 التي استُند إليها لاتخاذ قرار التثبيت — وهي لم تُنشر حتى الآن — لتمكين نقاش عمومي شفاف.

 

على المدى المتوسط (6-18 شهراً)، تُوصي الورقة بتكليف المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بدراسة كلفة/منفعة شاملة ومحايدة، وإطلاق استشارة وطنية موسعة تقيس المؤشرات الاجتماعية الحقيقية لا مجرد التفضيلات الشخصية، وإتاحة بيانات ONEE وNARSA للباحثين المستقلين.

 

وعلى المدى البنيوي (18-36 شهراً)، يطالب التقرير باتخاذ قرار سيادي نهائي بين السيناريوهات الثلاثة، مع إنشاء آلية مراجعة دورية كل خمس سنوات تُواكب المستجدات العلمية والاستراتيجية.

 

تختم الورقة بخلاصة جوهرية: المفاضلة في قضية التوقيت ليست تقنية بل سياسية بامتياز. الكفة الأولى تحمل مصالح قطاعات اقتصادية محددة لها صوت مؤثر في دهاليز القرار، والكفة الثانية تحمل الصحة والرفاه العام لملايين المغاربة الذين يستيقظون كل صباح في الظلام.

 

وفي غياب تقييم رسمي منشور منذ 2018، وفي ظل عدم توفر بيانات وطنية كافية للدراسة السببية المعمّقة، يبقى قرار التثبيت مبنياً على أسس يصفها الباحثون بأنها "غير مكتملة".