samedi 21 février 2026
مجتمع

عبد العزيز كوكاس: الفساد كعصب درامي ومرآة سياسية ومقاومته التزام أخلاقي وجمالي

عبد العزيز كوكاس: الفساد كعصب درامي ومرآة سياسية ومقاومته التزام أخلاقي وجمالي عبد العزيز كوكاس

يُعتَبَر الفساد ظاهرة معقدة تتداخل فيها عدة عوامل، بما في ذلك دور الأفراد والمؤسسات في المجتمع، وقد ظل الكتاب المغاربة في قلب النقاشات حول آفة الفساد، يسهمون في تسليط الضوء على هذه الظاهرة من خلال أعمالهم الأدبية والفكرية. وذلك عبر التطرق للمشكلات الاجتماعية والسياسية في إبداعاتهم ومقالاتهم، ليكشفوا مظاهر الفساد وتبعاته على المجتمع. ساعين إلى تعزيز الوعي العام عبر مساعدة الجمهور على فهم أبعاد الفساد وتداعياته، مما يكون له أثره على مطالب الإصلاح والتغيير. وتقديم حلول ورؤى ويقترحون في أعمالهم الإبداعية سبلًا للتصدي للفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.

لقد حظيت قضايا الفساد ولا زالت، بحضور لافت في الإبداع المغربي، وظل الأدب والفن مرآة عاكسة لاختلالات المجتمع، بما فيها الفساد السياسي، الإداري والاقتصادي. وتنوعت أشكال المعالجة بين خيارات إبداعية متنوعة: الرواية، المسرح، الشعر، التشكيل، السينما، والكتابة الصحفية الإبداعية.. مع نزوع متزايد نحو السخرية، الرمزية، وأحيانا الواقعية التبسيطية..

ظل الفساد من المواضيع التي شغلت اهتمام الكتاب المغاربة، الذين تناولوه من زوايا متعددة في أعمالهم الأدبية والفكرية. وهو ما يعكس وعيهم العميق بتأثير الفساد على المجتمع والسياسة والاقتصاد من جهة، وعلاقة الإبداع بالواقع من جهة أخرى خاصة وأن معظم الكتاب والمفكرين والمبدعين ظلوا قريبين من القوى الوطنية والديمقراطية التي كانت تطالب بالديمقراطية والتنمية، وترفع شعار الحداثة والتقدم والحرية، وترفض الفساد والاستبداد.

لقد أبرز الكتاب المغاربة التأثيرات العميقة للفساد على النسيج الاجتماعي والسياسي والقيمي. وأكدوا على اختلاف مقارباتهم، بين الأبحاث والدراسات وبين التناول الإبداعي، أن الفساد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويعزز مشاعر الإحباط واليأس، مما يدفع البعض إلى الهجرة بحثا عن فرص أفضل. وأن الفساد يساهم في تفشي المحسوبية والزبونية، مما يحول دون تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة.

لم يقتصر تناول الفساد على الأدب والفن فقط، بل امتد إلى الدراسات الفكرية والنقدية. فقد ناقش الباحثون المغاربة في مقالاتهم الصحفية ودراساتهم وأبحاثهم الأكاديمية مفهوم الفساد وأنواعه، مشيرين إلى أن الفساد يتخذ أشكالًا متعددة، منها الإداري والمالي والاجتماعي والأخلاقي... كما ظلوا يشيرون إلى أن الفساد لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمكن أن يتسلل إلى المؤسسات الحكومية والأحزاب السياسية والمنظمات المهنية والمدنية ذاتها، مما يعيق التنمية ويؤثر سلبا على صورة البلاد داخليا وخارجيا.

ولم يكن تناول الكتاب المغاربة للفساد مجرد رصد للواقع، بل دعوة للتغيير والإصلاح. إذ حثوا على ضرورة تعزيز الشفافية والمساءلة، وتطوير أنظمة الرقابة لمنع تفشي الفساد. كما شددوا على أهمية التربية والتعليم في بناء جيل واعٍ بحقوقه وواجباته، قادر على مقاومة الفساد والمطالبة بتغييرات إيجابية. لأن محاربة الفساد لا تحده فقط تقوية التشريعات الوطنية ولا إنشاء جمعيات مهتمة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بل تقتضي التربية والتنشئة الاجتماعية.

من أكثر الأجناس الإبداعية التي تناولت الفساد، نذكر الكاريكاتور والرواية ثم المسرح والسينما، التي كانت من أكثر الفنون التصاقًا بهذا الموضوع.. نتذكر رسومات حمودة، الصبان، الدرقاوي، بوعلي... وغيرهم كثيرون ممن عبروا في رسوماتهم بشكل فني عن إدانة الفساد وفضح المفسدين بطريقة ساخرة، فشيوع الكاريكاتور وارتباطه بالصحافة الحزبية المكتوبة للقوى المعارضة، وبحكم اقتراب هذا الفن من الجمهور ووضوح خطابه، فقد ارتبطت الأسماء المذكورة أعلاه برسوماتها التي تناولت الفساد بشكل يومي في كبريات الجرائد المغربية.

وبحكم اتساع جنس الرواية وقابليته لأجناس عديدة، وباعتبار الرواية في الأصل هي منتوج المجتمع البورجوازي وتعقيداته وارتباطها بالمدينة وصعوبات العيش فيها، في مجتمع كان ثلثاه يعيش في المجال القروي، تناول الروائيون المغاربة قضايا الفساد بشكل أكثر تفصيلا، فمحمد شكري في "الخُبز الحافي" قدّم بؤس الإنسان المُستبعَد، وهو وجه من أوجه الفساد البنيوي. ورسم مبارك ربيع تصدعات المدينة الحديثة وعجز مؤسسات الدولة عن محاربة المفسدين الذين توغلوا في أدراجها. واختراق الفساد لبنياتها في "الطيبون" و"الريح الشتوية"، وصور عبد القادر الشاوي وشعيب حليفي مظاهر تواطؤ البيروقراطية والتعليم مع الفساد في صوره المختلفة.

كما عمد عبد الكريم جويطي في روايته "المغاربة"، إلى فضح النخب السياسية وممارسات الفساد داخل الدولة، بلغة فنية وبتقنية الميتاسرد. دون نسيان ما قام به محمد برادة وبنسالم حميش اللذان اشتغلا على نقد نخب سياسية هجينة، تزاوج بين الريع والتسلط الثقافي.

وفي المسرح المغربي نجد نقدا لاذعا للفساد بمختلف أنواعه عبر الكوميديا السوداء فالطيب الصديقي في العديد من أعماله استثمر التراث للسخرية اللاذعة من فساد الواقع السياسي.

وتزخر إبداعات المسرح الجامعي خاصة في التسعينيات ومسرح اليوم، بنصوص إبداعية قوية لفضح الفساد بأساليب جريئة وعبثية، وقدم ثيمد ومحمد مسكين وعبد الكريم برشيد شخصيات فاسدة داخل الإدارة والتعليم والقضاء في نصوصهم المسرحية، تنتقد الفساد وتفضح المفسدين لكن عبر بناء فني ومسرحي باذخ، في احترام تام لجمالية النص المسرحي ولما يفترضه النص الإبداعي عامة، لكي لا يتحول إلى دعاوة سياسية وخطاب تحريضي مباشر وفج.

وأهم سمات معالجة الفساد بكافة تلويناته في إبداعات الكتاب المغاربة، نعثر على السخرية المرّة كأداة مقاومة، شخصنة الفساد من خلال تصوير مسؤولين أو إدارات فاسدة. وربط الفساد بالاستبداد لا بالفرد فقط. والتقاطع بين الذاتي والجماعي... وفي مرحلة القمع وانحسار حرية التعبير، لجأ المبدعون المغاربة في تناولهم للفساد إلى استخدام الرمز والغوص في التراث وتناول قضايا في التاريخ ذات بعد إسقاطي على الحاضر، بدل المواجهة المباشرة أحيانًا بسبب الرقابة، أذكر على سبيل التمثيل مسرحيتي الراحل محمد مسكين "مهرجان المهابيل" و"تراجيديا السيف الخشبي" ومسرحيات نبيل لحلو ورواية "مجنون الحكم" لبنسالم حميش و"امرأة النسيان" لمحمد برادة.

واحتلت قضايا الفساد منزلة كبيرة في السينما والدراما التلفزية المغربية حيث اتخذ المبدعون السينمائيون من الصورة أداة فضح للفساد وبنياته العميقة في مختلف المؤسسات والمجالات، مثل أفلام "علي زاوا"، "السمفونية المغربية"، "كازانيغرا"، و"غزية" لنبيل عيوش وأفلام الدرقاوي وحسن بنجلون وغيرهم كثيرون، التي عالجت أشكال الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي. لقد توجهت السينما المغربية الحديثة نحو تصوير فساد النخب، الريع، علاقات الزبونية، ومافيا العقار.

يُظهر الكتاب المغاربة رؤية نقدية عميقة لظاهرة الفساد، مؤكدين على ضرورة مواجهتها بروح جماعية وإرادة سياسية قوية، من أجل بناء مجتمع عادل ومزدهر. مؤمنين بدور المثقف الذي يُعَدّ عنصرًا فاعلًا في المجتمع، حيث يُسهم في تشكيل الوعي الجماعي وطرح القضايا الحساسة التي تهم المواطنين. ويُمارس دوره النقدي بوعي ومسؤولية، محاولًا كشف مكامن الخلل في المجتمع، بما في ذلك الفساد بأشكاله المختلفة، بطبيعة الحال دون التخلي عن المنحى الجمالي فيما يرتبط بالإبداع.

 

نص مساهمتي في كتاب "شروخ المعنى: كتابات ضد الفساد" الذي أعدته الهيئة الوطنية للنزاهة والوقائية من الرشوة ومحاربتها تحت إشراف الشاعر جمال موساوي