أثناء تشكيل حكومة عزيز أخنوش عقب اقتراع 2021، عض حزب الاستقلال بالنواجد على حقيبة التجهيز، وأصر نزار بركة، الأمين العام للحزب، على أن يكون وزيراً لإحدى أهم الوزارات، بالنظر لكون وزارة التجهيز لا تسمح ببناء جسور بين الفاعل السياسي وقلاع حزبه الانتخابية بمختلف مناطق المغرب فقط، بل أيضا لما تتوفر عليه هذه الوزارة من موارد مالية هائلة لإنجاز أوراش البنية التحتية الضخمة التي تسمح بمنح وجاهة رمزية لمن يتولاها.
إصرار نزار بركة على انتزاع حقيبة التجهيز والماء، اعتبرته النخب المغربية مسألة “طبيعية”، بحكم أن قطاع التجهيز والماء ظل يدار في معظم الحكومات، من طرف أسماء استقلالية، وبالتالي كانت الأنظار تتطلع إلى أن تكون مرحلة نزار بركة، مرحلة يحقق فيها المغرب (ومعه قطاع التجهيز) وثبة حقيقية في إنجاز البنية التحتية من طرق وقناطر ومدارات ومنشآت فنية وأنفاق وطرق سريعة وغيرها، سواء من حيث صياغة كنانيش التحملات أو من حيث الحزم في التقيد بالضوابط التقنية والخصائص الهندسية المتعارف عليها عالميا في إنجاز البنية التحتية، أو من حيث حكامة تدبير مرفق التجهيز ومراقبة الشركات العاملة في القطاع من مقاولات ومختبرات ومكاتب الدراسة لكي يتم سد وتجفيف المنابع التي يتسلل منها الفساد والغش في عدد من الصفقات وفي إنجاز بعض أوراش البنية التحتية، حماية لسمعة المغرب من جهة، وصيانة للمال العام من جهة ثانية، وضمانا لحق المغاربة في التنقل من وإلى أي نقطة بالتراب الوطني من جهة ثالثة، وتأمينا لحق الدولة في التدخل للإنقاذ والإسعاف كلما حلت كارثة ما بجهة معينة بالمغرب، من جهة رابعة.
للأسف، كانت حصيلة نزار بركة مخيبة للانتظارات، بدليل أن الأمطار والسيول الجارفة التي ضربت شمال المغرب مؤخرا، بينت أن عدم احترام المواصفات التقنية وتواطؤ مختبرات ومكاتب مراقبة والغش وعدم الصيانة لتتبع حالة الطرق والقناطر، أضحى عقيدة رسمية في وزارة التجهيز. وبدل أن يفتخر المغربي بإنجازات الوزارة لتلحيم التراب الوطني، أضحى المغرب يتحسر على الوضعية التي آلت إليها وزارة التجهيز بشكل يهدد ممتلكات الدولة مستقبلا (من طرق وقناطر ومنشآت فنية)، إن لم يتم إرجاع وزارة التجهيز إلى رشدها.
مامعنى أن تنهار طرق أقاليم الشمال: من الحسيمة إلى وزان، ومن تاونات إلى شفشاون ومن المضيق إلى العرائش، ومن سيدي سليمان إلى الفحص أنجرة؟!
بربكم، لاتبرروا ذلك بالأمطار، فالأمطار تتهاطل طوال العام وبغزارة أكبر مقارنة مع المغرب، في دول متمدنة أخرى دون أن تعيش معظم أقاليمها ومدنها وقراها في عزلة! بل هناك دول أخرى تشهد تواترا للزلازل والأعاصير والعواصف والرياح القوية جدا، ومع ذلك تصمد بنيتها التحتية، اللهم ما يسجل من حالات تشمل مقاطع محددة ومحدودة جدا أو انقطاع للتبار الكهربائي جزئيا في هذا المقطع أو ذاك، وليس انهيارا للطرق في 8 أو 10 أقاليم بمثل ما عرفه المغرب!
فمن أبجديات الهندسة المدنية في العالم أن الطرق بالمناطق الجبلية تفرض أن يتم احترام تقنيات معينة. فهل تم احترام هذه القواعد في طرقات المغرب بالحوز والريف وفي سلسلة الأطلس الكبير والمتوسط والصغير؟!
هل تقيدت وزارة التجهيز بضوابط تصريف المياه لتجميعها وتوجيهها نحو مناطق صرف آمنة بالطرق الجبلية؟
هل استخدمت المزاريب والخنادق لجمع مياه الأمطار لمنع تآكل الطرق؟
هل تم إلزام المقاولات لإنجاز أحواض تخزين الماء في المناطق غير المستقرة للتقليل من خطر الفيضانات وتآكل الطريق؟
هل تم إلزام مكاتب الدراسات ومكاتب المراقبة والمختبرات بإدماج جدران الحماية في المناطق الجبلية ذات الانحدار الحاد لتجنب انهيارات الطرق؟
هل تم أصلا تصميم الجدران المصفية لتقليص خطر تشبع التربة وحدوث تشققات وبالتالي انهيار الطريق!
هل هناك مراقبة دورية تقوم بها مصالح وزارة التجهيز أثناء مراحل إنجاز الطرق والقناطر من طرف المقاولات؟
وهل فعلا مكاتب المراقبة والمختبرات تمارس دورها، أم أن الفساد عم “الجبل“ أيضا لنسف معايير الدراسات الجيوتقنية، وجودة المواد المستعملة في مصارف المياه والمزاريب والخنادق وغيرها؟
بل، هل تم التحقق من تركيب المصارف والخنادق في الأعماق والمواقع الصحيحة وفق المواصفات الهندسية، أم تم ذلك بمنطق “كور واعط للأعور“؟!
وهل تبرمج وزارة التجهيز دوريات للصيانة قصد التدخل الاستباقي لحماية البنية التحتية، أم أن البلاد “سايبة كل واحد يدير شرع يديه“، ويتحلل من كل شبكة مرجعية قانونية وأخلاقية ودينية؟!
لو تم انهيار 168 طريقا ومنشأة فنية في دولة تحترم نفسها لتم جر كل مسؤول حكومي أو مدير مركزي أو مسؤول هندسي أو مدير مقاولة أو مختبر أو مكتب دراسات أو مكتب مراقبة ساهم في هذه الجريمة نحو المحاكم لينالوا جزائهم.
لكن بما أننا في المغرب: “بلاد اللاحساب واللاعقاب“، فإن وزارة التجهيز ومن يشترك معها في الجرم من مقاولات ومكاتب دراسة ومكاتب مراقبة ومختبرات، “يتبوردون“ على المغاربة في المناطق الجبلية بما يرفع من هشاشة ساكنة هذه الأحواض.
وطبيعي أن “تتبورد“ وزارة التجهيز، مادام البرلمان يضم “النوام “ في غرفتيه، ومادامت مؤسسات الحكامة معطلة ومخدرة، ومادامت اللوبيات تتحكم في مفاصل القرار.