مع كل اقتراب لشهر رمضان الفضيل، يتكرر السيناريو نفسه بلا محاسبة تُذكر: أسعار مجموعة من السلع والمواد الغذائية تحلّق، القدرة الشرائية تتآكل، والوعود الرسمية تُعاد تدويرها كما لو أن الأزمة طارئة وليست مزمنة. وفي قلب هذا المشهد، يبرز السمك كنموذج صارخ للاختلال الاجتماعي، في بلد يمتلك واجهتين بحريتين تمتدان على مسافة تقارب 3500 كيلومتر، الأطول في إفريقيا والوطن العربي، منها حوالي 3000 كيلومتر على المحيط الأطلسي و500 كيلومتر على البحر الأبيض المتوسط، بما يوفر تنوعًا طبيعيًا غنيًا من المفترض أن يجعل هذه المادة الأساسية في متناول جميع المغاربة.
ورغم هذه الإمكانيات، لا تتجاوز نسبة المغاربة الذين يستهلكون السمك مرة واحدة في الأسبوع 38 في المائة فقط، وفق معطيات إعلامية استنادًا إلى استطلاعات حديثة، وهو رقم يعكس بوضوح حجم الإقصاء الغذائي الذي تعرفه هذه المادة في السوق الوطنية. ويتجلى ذلك بشكل أكثر حدة مع اقتراب شهر رمضان، حيث يُفترض أن يرتفع الاستهلاك، لكن الواقع يكشف العكس بسبب الغلاء.
ولا يمكن إنكار أن الأحوال الجوية خلال هذه السنة كانت قاسية بالفعل،،رياح قوية، أمواج عاتية، وتراجع ملحوظ في عدد أيام الإبحار، خصوصًا بالنسبة للصيد التقليدي والساحلي. غير أن هذه الإكراهات المناخية، على واقعيتها، لا تفسر وحدها هذا الانفلات غير المسبوق في الأسعار، ولا تبرر أن يتحول السردين، الذي ظل لعقود رمزًا للاستهلاك الشعبي، إلى سلعة نادرة أو شبه غائبة عن موائد الطبقات المتوسطة والدنيا. فقد تجاوز سعر الكيلوغرام في عدد من المدن ما بين 25 و35 درهمًا، في المقابل تشهد فيه القدرة الشرائية تراجعًا حادًا..
ما يحدث في أسواق السمك بالمغرب لا يمكن اختزاله في الطقس أو في ارتفاع الطلب الموسمي، بل هو نتيجة سياسة قائمة طيلة السنة تقريبًا، قوامها غض الطرف وانعدام شبه تام للمراقبة. ففي مثل هذه الظرفية، يُفترض أن تتدخل الدولة لحماية السوق الداخلية وضمان توازن الأسعار، لا أن تتركها فريسة للمضاربة. غير أن الواقع يؤكد أن كل أزمة تتحول بسرعة إلى فرصة لتضخيم الأرباح، خصوصًا داخل سلسلة توزيع مختلة تهيمن عليها قلة من الوسطاء وأباطرة السوق.
الفارق المهول بين ثمن السمك في الموانئ وسعره في الأسواق لا علاقة له بالبحر ولا بالمناخ، بل بمنطق اقتصادي واضح: من يملك التخزين والتصدير يملك تحديد السعر. والأخطر في هذا الملف ليس الغلاء وحده، بل ازدواجية التدخل العمومي. ففي الوقت الذي يُترك فيه المواطن يواجه الأسعار الملتهبة، تواصل وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات تقديم دعم مهم ومباشر لفاعلين كبار في الصيد بأعالي البحار، وهم أنفسهم الذين يوجهون الجزء الأكبر من إنتاجهم نحو التصدير، ويستفيدون من الامتيازات والتحفيزات وتسهيلات المحروقات.
بهذا الشكل، يتحول الدعم العمومي، بدل أن يكون أداة لضمان الأمن الغذائي، إلى رافعة لتعزيز تركّز الثروة في يد قلة من “الفراقشية”، بينما يُترك الصيد التقليدي في مواجهة البحر بلا حماية حقيقية، وتُترك الأسرة المغربية في مواجهة تغوّل السوق وارتفاع الأسعار بلا رحمة. فالصياد الصغير يدفع ثمن الطقس، والمواطن يدفع ثمن الغلاء، في حين يحمي كبار الفاعلين أرباحهم بالتخزين والتصدير، دون أي التزام فعلي تجاه السوق الوطنية.
في خضم هذا الوضع، أعلن مجلس المنافسة، على لسان رئيسه أحمد رحو، (عبر إحدى المحطات الإذاعية ) عن نشر ثمن الجملة اليومي للأسماك عبر منصة المكتب الوطني للصيد، في محاولة لإرساء حد أدنى من الشفافية داخل السوق. وهي خطوة تُحسب للمجلس من حيث المبدأ، لكنها تبقى إجراءً تقنيًا محدود الأثر أمام سوق لا يخضع للردع الحقيقي. فالشفافية لا تكفي حين يغيب تحديد سقف قانوني لهوامش الربح، وحين تُترك الأسواق الشعبية خارج أي مراقبة فعالة، وحين يُنظر إلى المستهلك باعتباره الحلقة الأضعف التي يمكن تحميلها كل الاختلالات.
رمضان ليس مجرد موسم استهلاكي، ولا مناسبة لشرعنة الغلاء بذريعة الطلب المرتفع أو تقلبات السوق. إنه قبل كل شيء شهر العبادة والتقوى والغفران، شهر يُفترض أن تُستحضر فيه قيم التضامن والعدل والرحمة الاجتماعية، لا أن يتحول إلى فترة إضافية لتعميق الفوارق وإثقال كاهل الفئات الهشة. وحين يُحرم المواطن البسيط من أبسط خيرات بلده البحرية، وحين تُترك الأسر محدودة الدخل تواجه الأسعار وحدها، فإن الخلل لا يكون اقتصاديًا فقط، بل أخلاقيًا أيضًا.
فالثروة التي لا تنعكس على موائد الناس في شهر الصيام تفقد معناها الاجتماعي، والسياسات التي تعجز عن حماية القدرة الشرائية في هذا الظرف الروحي الاستثنائي تفشل في جوهر رسالتها. رمضان امتحان للقيم قبل أن يكون اختبارًا للأسواق، وإما أن تنتصر فيه العدالة الغذائية وروح التكافل، أو يستمر الغلاء عنوانًا لفجوة مؤلمة بين خطاب التقوى وواقع المعيشة اليومية.