افتتحت، يوم الأحد 15 فبرابر 2026 ببيت الذاكرة بالصويرة، فعاليات الدورة الرابعة للمهرجان الدولي "روح الثقافات" بحضور مسؤولين مؤسساتيين، ودبلوماسيين وشخصيات ثقافية وروحية.
وتهدف هذه الدورة، المنظمة بشكل مشترك بين جمعية شباب الفن الأصيل للسمع والتراث، التابعة للزاوية القادرية بالصويرة، ومؤسسة الثقافات الثلاث للبحر الأبيض المتوسط، ومؤسسة ماتشادو بإشبيلية، بشراكة مع جمعية الصويرة موكادور، إلى تعزيز قيم التعايش، والحوار بين الديانات، من خلال تسليط الضوء على الأسس الثقافية والروحية المشتركة بين مجتمعات حوض المتوسط، وكذا على دور الثقافة والمجال الروحي كرافعة للتقريب بين الشعوب.
وفي كلمة بالمناسبة، أكد مستشار الملك والرئيس المؤسس لجمعية الصويرة موكادور، أندري أزولاي، أن هذا الموعد البارز يتجاوز كونه احتفالا بالثقافة في أبعادها الجمالية أو العاطفية، ليجسد بكل مشروعية تفرد النموذج المغربي الذي يتميز على الصعيد الدولي، تحت القيادة المتبصرة للملك محمد السادس، بترسيخ هوية تعددية قائمة على الاعتراف بالتنوع وتثمينه.
وأبرز في هذا الصدد، أن "المغرب والصويرة على وجه الخصوص، يظل من الفضاءات النادرة في العالم التي يستطيع فيها المسلمون واليهود والمسيحيون أن يلتقوا في المكان ذاته من أجل الحوار والتعارف، في سياق دولي يتسم بتنامي التطرف وتفاقم انقسامات الهويات، ومحو الذاكرة التاريخية المشتركة في أماكن أخرى".
ودعا أزولاي الحضور إلى استحضار الحمولة الرمزية والكونية للتجربة المغربية المتفردة، معتبرا أن القدرة على إرساء حوار بين الذاكرة والروحانيات والثقافات ليست محض صدفة أو من باب الترف، بل خيار حضاري تبناه المغرب، يتغذى من التاريخ ومدفوع برؤية ملكية متطلعة بحزم نحو المستقبل.
من جهتها، أبرزت المستشارة المكلفة بالثقافة والرياضة بحكومة الأندلس، باتريسيا ديل بوزو، البعد الرمزي الكبير للمهرجان الدولي "روح الثقافات"، مؤكدة أن الرسالة التي تنطلق من مدينة الرياح تتجاوز الحدود الجغرافية للمغرب والأندلس.
وقالت إنه من الضروري اليوم إشاعة روح الحوار والتنوع والانسجام من خلال هذه التظاهرة في سياق دولي يتسم بسوء الفهم والتوترات"، داعية إلى "إيصال هذه الرسالة إلى جميع أولئك الذين مازالوا يكافحون من أجل إدراك مسار التعايش المشترك".
وأكدت من جهة أخرى، على إرادة المؤسسات الأندلسية في مواصلة وتعزيز التزامها إلى جانب الشركاء المغاربة، معربة عن الأمل في استمرار حكومة الأندلس والمغرب في إعلاء قيم الحوار والاختلاف والاحترام المتبادل.
من جانبه، نوه سفير إسبانيا بالمغرب، إنريكي أوخيدا، بمستوى العلاقات الثنائية "المتميزة" بين إسبانيا والمغرب، "التي تشهد حاليا أفضل فتراتها التاريخية، كما أكدت على ذلك أشغال الاجتماع رفيع المستوى الأخير المنعقد بمدريد بين حكومتي البلدين"، مشددا على الطابع الإستراتيجي لهذه الشراكة على المستويات السياسية والاقتصادية والإنسانية.
كما شدد على البعد اللامادي والثقافي للروابط التي تجمع ضفتي البحر الأبيض المتوسط، معتبرا أن "هذا الإرث الذي غالبا ما يرتبط بالتجربة الأندلسية، ليس مسألة من الماضي بل يشكل مرجعا حيا يتجه نحو المستقبل".
أما مدير المكتب الإقليمي لليونسكو للمغرب العربي بالرباط، شرف أحميمد، فذكر بأن الصويرة تعد نموذجا للتنوع الثقافي، بفضل إدراجها ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو وانضمامها إلى شبكة المدن المبدعة منذ 2019، فضلا عن تاريخها الزاخر الذي يتسم بالتعايش بين المكونات الأمازيغية والعربية الإسلامية واليهودية والإفريقية.
ودعا في هذا الصدد، إلى "تجاوز مفهوم التسامح البسيط نحو أخوة حقيقية"، مشيرا إلى أن "الحوار بين الثقافات لا يمكن حصره في التعايش السلمي، وإنما يشكل مسارا عمليا يقوم على الإنصات والاعتراف المتبادل والإبداع المشترك".
وفي تصريح للصحافة، توقف مدير المهرجان، هشام دينار، عند نشأة هذه التظاهرة التي أطلقت سنة 2023 كتجربة روحية وثقافية تهدف إلى تعميق اللقاء بين مختلف الديانات وإبراز قدرة الفن والروحانية على مد الجسور بين المسلمين والمسيحيين واليهود.
وأوضح أن المهرجان يتعدى كونه احتفاء فنيا بسيطا للانخراط في مسار حقيقي للتفكير والتجربة، من خلال لقاءات وموائد مستديرة وتعبيرات فنية تبرز كرم الضيافة، والمقدس المشترك، والطقوس الشعبية والصناعة التقليدية.
وتميز يوم الافتتاح بإقامة قداس احتفالي بكنيسة السيدة العذراء بالصويرة، بحضور الكاردينال لوبيز روميو، رئيس أساقفة الرباط، وفاعلين آخرين في الحقل الديني، مما يعكس البعد الروحي والحوار بين الأديان الذي يجسده هذا الحدث.
كما نظمت مائدة مستديرة بعنوان "الضيافة بحوض المتوسط: أخلاقيات وجمالية روحية للقرن الحادي والعشرين"، ناقش خلالها باحثون ورجال دين مفهوم الضيافة كممارسة روحية وجمالية واجتماعية وأنثروبولوجية، جمعت الديانات التوحيدية الثلاث بحوض المتوسط، وتشكل مسارا خصبا نحو تعايش معاصر.
ويتواصل المهرجان الدولي "روح الثقافات" إلى غاية 17 فبراير 2026، من خلال برنامج غني باللقاءات الروحية والندوات والعروض الفنية، جامعا مشاركين من ضفتي المتوسط حول قيم الحوار والتعايش والتقاسم التي تعد روح مدينة الصويرة.